علمنا الإسلام أن الحياة كلها سياسة، بمعنى أن المسلم في صحوه ونومه يعمل من أجل الدنيا والآخرة، وهذا العمل في جوهره سياسة بصورة ما، وقد عرف بعض السلف السياسة بأنها علم أو فن تدبير المنزل؛ أي جعل الحياة ممكنة وطيبة وقليلة المتاعب على الأقل.

 

فالسياسة إذًا ليست قاصرة على أهل الحُكم، أو من يجلسون على الكراسي المهمة، ويستطيع أي شخص يملك الخبرة والتجربة في المجتمع أن يقول رأيه فيما يجري حوله، ويؤيد أو يعارض أو يقترح حلولاً لما يمكن أن يعود على الأمة بالخير والفلاح.

 

بيد أن العادة جرت على أن يكون أصحاب الرأي والفكر الذين يعالجون شئون الأمة والمجتمع قلة أو صفوة امتلكت أدوات التفكير والمتابعة، وتثقفت بتجارب قديمة وجديدة، محلية وعالمية، وعلى ضوء ذلك تدلي برأيها، وتعرض ما تراه، فيقبله الناس أو يرفضونه وفقًا لمعايير يرونها، أو نظريات يعتنقونها، أو عقائد يؤمنون بها.

 

لاحظت في العقود الأخيرة أن أجهزة الدعاية والإعلام، تركز على مجموعة من الناس تستفتيهم في شئون الدنيا والدين؛ بدءًا من العقيدة الدينية حتى كرة القدم ومرورا بالسياسة والأدب والفنون التشكيلية والأزياء وغيرها، هذه المجموعة هي من يسميهم الناس بأهل الفن أو الفنانين، مع أن مدركات كثير منهم لا تتعدى عملية التقمص أو الأداء التي يقومون بها أمام الكاميرا والميكروفون. وهذا لا يعيبهم ولا ينقص من أقدارهم، فكل ميسر لما خلق له. المشكل الحقيقي يكمن في أن يتصدى المرء لما لا يفقهه، أو يفتي وفق هواه فيما يعلم أو لا يعلم.

 

لا ريب أن هناك من أهل الفن الحقيقي من يعيشون القضايا العامة ويحاولون أن يسهموا في خدمة المجتمع، عن طريق المشاركة في الأحزاب أو الندوات أو الصحافة أو الإعلام أو غير ذلك؛ بل إنهم يوظفون أعمالهم الفنية للتعبير عن أفكارهم وتصوراتهم تجاه الشعب والأمة، وهؤلاء قلة بصفة عامة، ولكن الأغلبية الساحقة من أهل الفن لا يشاركون في قضايا المجتمع، ولا تعنيهم إلا قضاياهم الشخصية، وعادة يكون ظهورهم في أجهزة الدعاية والإعلام من أجل إثبات الذات، والإعلان عن النفس، وكسب المزيد من الشهرة، ولو كان ذلك على حساب قضايا مهمة، لا يجوز التلاعب بها أو اتخاذها مطية لتحقيق أغراض خاصة.

 

وقد شهدت ثورات الربيع العربي منذ أواخر العام الماضي 2010 حتى الآن نماذج غير موفقة لبعض أهل الفن الذين أساءوا لأنفسهم أولاً ولأوطانهم ثانيًا، وللقيم العامة ثالثًا.. وكان الأحرى بهم أيًّا كان موقفهم أن يكفوا عن الإدلاء بآرائهم أو التعبير عن مواقفهم في هذا المجال، لأنهم جرّوا على أنفسهم مشكلات لا قبل لهم بها، أو خسائر كانوا في غنى عنها.

 

لقد أدلى بعضهم بتصريحات موالية للحكومات الفاسدة التي سقطت رءوسها، وحكم عليها الثوار بالذهاب إلى غيابات الظلام والتاريخ، وأعلن بعضهم الوقوف إلى جوار حكومات مستبدة فاشية يقودها طغاة دمويون يقتلون شعوبهم بلا رحمة ولا هوادة، ويظنون أنهم سيفلتون من العقاب والمساءلة.

 

والمفارقة أن بعضهم يتحول من النقيض إلى النقيض، ويعلن ولاءه للثوار بعد أن كان مواليًا للطغاة الذين سقطوا دون أن يشعر بشيء من الخجل أو يتمعر وجهه!.

 

ثم إن بعضهم ينتهز مناسبة الحديث عن القوى السياسية والتنافس الذي يجري بينها، فيعلن– من أجل مزيد من الشهرة– أنه سيرحل من مصر أو يهاجر من العالم العربي إلى الخارج لأن هذه القوة السياسية أو تلك ستحكم أو تشارك في الحكم.

 

هناك من هو مجروح في سيرته وتاريخه وسلوكه، ولا يجوز له أن يغالط بآرائه وتصريحاته في مواجهة الإرادة الشعبية الغلابة التي تتوق إلى الحرية والكرامة والشرف، وبناء الوطن على أسس المشاركة والعمل والمساواة.

 

هل يمكن مثلاً أن نتقبل آراء أحدهم في السياسة إذا كان من أتباع النظام الفاسد البائد، وتملَّق حاكمًا مخلوعًا أعطاه ما لا يستحق من أموال الشعب البائس المظلوم، فصار خادمًا له ومضحكًا، ويحاول اليوم أن يقنعنا أن سيده المخلوع كان رجلاً طيبًا ويستحق منه الولاء والوفاء، وأن الثوار مجرد مجموعة من المنحرفين أو المنتفعين أو العملاء الذين يقبضون من هنا أو هناك؟

 

هل يمكن مثلاً أن تقتنع بآراء واحدة تحاول أن تقنعنا أن سيدها الطاغية الذي ما زال يذبح شعبه بقلب بارد، ويرسل جنوده وشبيحته مع المدرعات والدبابات للقتل والتدمير دون أن تطرف له عين، هو قائد شجاع يواجه العدو الصهيوني بالمقاومة والممانعة، والناس جميعًا يعلمون أنه لم يطلق رصاصة واحدة ضد هذا العدو؛ لأنه يعد كنزًا إستراتيجيًّا يحرص العدو على بقائه واستمراره ليضمن صمت الحدود المشتركة؟!

 

إن الحكومات الفاشية تتعامل مع أهل الفن بصفة عامة على أساس أنهم جزء من واجهة السلطة المستبدة، يجمّلون صورتها القبيحة ويدافعون عنها، ويخدعون الجماهير بكلام جميل منمق، فيطيلون عمر الفاشية، ويمنحونها نوعًا من الشرعية بحكم أن أهل الفن لهم جماهيرية خاصة عند بعض طوائف المجتمع، وخاصة الشباب البسيط أو الطبقات محدودة الثقافة.. ولكن الحكومات الفاشية في كل الأحوال تُحكم السيطرة على كثير من أهل الفن؛ وخاصة أولئك الذين لا تخلو أثوابهم من نقاط سوداء، فهي تستخدم عند اللزوم الشرائط والتسجيلات والملفات التي لا تسر، والوثائق المخجلة وغيرها، ومن ثم نجد أن من يعنيهم الأمر يدافعون عن الأنظمة المستبدة الفاسدة، ليس دفاعًا عنها بالدرجة الأولى بقدر ما هو دفاع عن أنفسهم وعن سمعتهم وعن وجودهم، فضلاً عن مصالحهم الخاصة واستمرارهم في الساحة الفنية.

 

هل يمكن مثلاً أن يكون أحدهم ممن تمت السيطرة عليه لسلوكه المشين قادرًا على اتخاذ موقف إيجابي لصالح شعبه وضد الحاكم المستبد؟ بالطبع لا يستطيع؛ لأن النظام الفاشي عندئذ سيخرج له التسجيلات والأفلام والصور التي تدمره وسط جموع جمهوره، والشعب كله، وهو حكم بالإعدام المعنوي قبل الحكم المادي بأشياء أخرى.

 

واحدة مثلاً في بلد عربي، كانت مرتبطة بالترفيه عن الجنود، ولها سجل مليء بما لا يشرِّف امرأة، فيتمُّ تغريبها أو نفيها من بلدها إلى بلد آخر، ولا تجد مفرًّا من العمل بالحانات والملاهي الليلية، وتتحول إلى فنانة تمثل أو ترقص ويتلقَّفها المنتجون والسينمائيون وتصبح نجمةً يشار إليها بالبنان.. هل نستغرب وقوفها إلى جانب النظام الذي حكم عليها في شبابها بالنفي والتغريب؟

 

أن تقف ضد الثورة والثوار، بل تقف ضد زملائها وزميلاتها الذين انحازوا للشعب؟

بعض الناس يعتقد أن أهل الفن يقولون القول الفصل فيما يجري من أحداث، ويعتقدون أن آراءهم صائبة في الحكم على هذه الجماعة أو تلك.. ولذلك نجد تأثيرًا متشعبًا لآرائهم وأقوالهم.

 

لقد وقف أهل الفن من الإسلام في العهد البائد موقفًا غير منصف، بل وقفوا موقفًا عدوانيًّا حين صوَّروا المتدينين وبعض الشخصيات الإسلامية التاريخية تصويرًا غير طبيعي، ويخالف الحقيقة والتاريخ، وجعلوا المسلم شخصيةً متوحشةً دمويةً تستحلُّ مال الآخرين، وتناقض حركة التاريخ، وتعيش التخلُّف والجهل والشهوة، في الوقت الذي قدموا فيه الشخصية غير الإسلامية في صورة جميلة مهذبة متحضِّرة، حتى الشخصيات المتدينة في الشرائع الأخرى جاءت في صورة يتعاطف معها المتلقي، ويدافع عنها، أما المسلم فلا أحد يتعاطف معه، وصورته مقززة ومنفرة!.

 

وكان مفهومًا أن يحدث ذلك إرضاءً للحكم المستبد الفاشي الذي لا يريد الإسلام ولا قِيَمه؛ لأنها تعارض ظلمه وطغيانه ولصوصيته، ولكن غير المفهوم الآن أن يتطوع أهل الفن بتصوير الإسلام على أنه ظلام، وأنه رعب قادم، وأن الفنانين سيغادرون مصر ويتركونها إذا حكمها الإسلاميون!.

 

إن الفن الحقيقي لا يتعارض مع الإسلام ولا الدين؛ بل إنه يعد الوجه الآخر للدين، ولكن هل معظم ما يقدمه أهل الفن يدخل تحت مسمى الفن حقًّا؟ أم أنه مجرد أعمال تجارية هابطة تعتمد على التسطيح والابتذال والعري، وتقديم مجتمع لا يمتُّ بصلة إلى مجتمعاتنا العربية المسلمة؟!

 

إن من يبحثون عن المال بالطريق الحرام لا يمكن أن يفهموا في السياسة، ولا يستطيعون أن يحكموا على هذا أو ذاك، وأولى لهم أن يكفُّوا عن الكلام في السياسة؛ لأن ما يقدمونه من أعمال يمثل جريمةً كبرى في حق العرب والمسلمين، ومن يجد أن ضميره قد صحا عليه أن يقدم أعمالاً ناضجةً تحسب له، وأن يتوب عما مضى توبة نصوحًا لعل الله يغفر له ويتجاوز عن سيئاته.