قد تكون نقابة الصحفيين، هي أقل النقابات المهنية من حيث أعضاء الجمعية العمومية، والتي لا تزيد عن 6 آلاف عضو، ولكنها من أكثرها تأثيرًا في المجتمع، ربما أكثر من نقابة المعلمين نفسها، بالرغم من أن أعضاءها يصل لمليون و300 ألف معلم.
ولعل سر النفوذ الطاغي "لنقابتنا" ليس لأن على رأسها ريشة، ولكن لطبيعة المهنة التي تتحكم في توجيه الرأي العام، وربما لأننا نمارس أدوار مهن أخرى مثل القضاء والمحاماة.
فنحن معشر الصحفيين "قضاة" عندما نحقق في قضية، وأحيانًا نصدر حكمًا صحفيًّا عليها، وربما يكون هذا الحكم قد يكون قابلاً للنقض خاصة بعد النشر.
والصحفي قد يتحول في موضوعات صحفية كثيرة "لمحامي" يدافع عن قضايا المظلومين في القطاعات، ولكني أعترف أن بعض الزملاء قد يقوم بالدور السلبي " للمحامي"، فبدلاً من أن يحاول أن يُظْهِرَ الحق نجده يبحث عن الثغرات وأحيانًا العثرات، وإن لم يجد يختلق الأقاويل ويروجها حتى يصدقها.
وهذا ما حدث معنا بالفعل في انتخابات نقابة الصحفيين؛ حيث قام عدد كبير من الزملاء بالصحف بشن حملة صحفية استمرت شهرين بدعوى أن المرشحين المنتمين لجماعة الإخوان في انتخابات نقابة الصحفيين تمَّ ترشيحهم بناءً على مكتب الإرشاد بالجماعة، وهو تدخل من الإخوان في شئون النقابة، وبالرغم من عدم صدق هذا الزعم لأن الترشيح جاء من خلال لجنة الصحافة وهي بالمناسبة لا يصوت بها سوى أعضاء نقابة الصحفيين والمشتغلين فقط.
وباعتباري أحد المرشحين الذين استهدفتهم هذه الحملة، وجب عليّ أن أعرض هذه التجربة الانتخابية بحلوها ومرها، لعل وعسى تفسر أسباب هذه العنصرية التي مارستها الصحافة القومية والحزبية والمستقلة ضد ما أطلقوا عليه "قائمة الإخوان".
وبالرغم من أننا كمرشحين أعضاء مشتغلين في نقابة صاحبة الجلالة، بمعنى أننا لسنا أطباء ولا مهندسين ولا معلمين، لكن صحافتنا تعاملت معنا أننا فقط أعضاء منتمين لجماعة الإخوان ولسنا أعضاءً في الجمعية العمومية لنا نفس الحقوق؛ ومن بينها حق الترشح والانتخاب بالطبع.
ويبدو أن القائمين على الحملة قد تعاملوا مع خبر غير صادق نشرته إحدى الصحف الإلكترونية وهو أن مكتب إرشاد جماعة الإخوان قرر ترشيح ستة من المنتمين للجماعة لانتخابات نقابة الصحفيين.
ولعل هذا الطرح غير منطقي بمعايير الخبر الصحفي الذي تعلمناه؛ لأن مكتب الإرشاد لا يتدخل في شئون المهن؛ لأنه ببساطة لا يعرف جميع المنتمين للجماعة من أعضاء النقابات المهنية؛ حيث إن الاختيار يكون لأهل المهنة لأنهم أدرى بأعضائها.
ولكن زملاء المهنة تناسوا أدبياتها بدعوى الحرص على النقابة؛ لدرجة أن إحدى الصحفيات من (أخبار اليوم) تعمدت أن ترفع صوتها أثناء جولة لنا في المؤسسة "الإخوان هيخطفوا النقابة"، فرد عليها زميلنا الأستاذ قطب العربي قائلاً: "أنا من تطلقون عليهم عايزين يخطفوا، ألسنا صحفيين من حقنا الترشح للانتخابات"، فما كان من الزميلة إلا أن هربت من المواجهة لأنها لا تجد ما تقول!.
موقف آخر حدث معي في مؤسسة (الأهرام)؛ حيث أبدى أحد الزملاء اعتراضه على تدخل مكتب الإرشاد في انتخابات نقابة الرأي حسب وصفه، ولكنني عندما شرحت كيفية اختيار مرشحي الإخوان، وأن الذي اختارنا هم زملاء أعضاء في الجمعية العمومية للصحفيين، علقَّ قائلاً: "يبدو أن فلول الحزب الوطني ما زالوا يسيطرون على الصحافة".
زميل في جريدة (الأسبوع) تزاملت معه في (الأحرار) منذ بداية مشوارنا الصحفي عام 1994م قاطعني خلال عرضي لبرنامجي الانتخابي قائلاً: "أنت زميل العمر، وأعرف حبك للمهنة وأخلاقك العالية، ولكنني لن أختارك لأني ضد تدخل المرشد في نقابتنا"، متأثرًا بالطبع بمقال للكاتب محمد الباز في جريدة (الفجر)، وكان عنوانه "جنود المرشد في نقابة الصحفيين".
في مقابل ذلك قمنا برصد أكثر من 30 تقريرًا صحفيًّا و20 مقالاً لكتاب معروفين يفتقد أساسيات العمل الصحفي، والهدف هو الضرب في قائمة الإخوان، كما أطلقوا عليها، والزميل الأستاذ ممدوح الولي الذين حملوا تقديمه لجموع الصحفيين أنه أمير جنود مرشد الإخوان، بالرغم من نفيه المتكرر وهو صادق لأن "الولي" وإن كان ينتمي فكريًّا للتيار الإسلامي فإنه لا ينتمي تنظيميًّا للإخوان.
ولكن المعركة لم تنته على مستوى سلاح القلم، وامتدت لمنشورات مجهولة المصدر تصف المرشحين الخمسة بأنهم إخوان الشياطين، وتحذر من اختيارهم لأنهم يهدفون لاختراق الصحافة؛ للتمهيد لوصول الإخوان للحكم، وحاولت نفس المنشورات تشويه صورة الأستاذ صلاح عبد المقصود النقيب بالإنابة، بالرغم من تاريخه النقابي الناصع، وعزوفه عن الترشح لمقعد النقيب!
وكان يوم الانتخابات 26 أكتوبر موقعة أخرى يمكن أن نطلق عليها موقعة "جنود مرشد الإخوان"؛ حيث كان هناك تجمعات لشباب وصحفيين محسوبين على النظام المخلوع وتيارات أخرى تحذر من سيطرة الجماعة، ونجا من هذه الحملة الأستاذ محمد عبد القدوس لتاريخه النقابي ولدوره في لجنة الحريات، ولرفضه أن يربط اسمه بمرشحي الإخوان.
ومن جانبنا واجهنا الموقعة بأمانة وعملنا قائمة مفتوحة بها أربعة مرشحين فقط تمَّ توزيعها؛ لأننا رأينا أن الانتماء للإخوان شرف لا يجب أن ننفيه حتى، ولو كانت النتيجة هو عدم توفيق مجموعة الأربعة، على الرغم من حصول الأربعة على أصوات مرتفعة، وكانوا أقرب للفوز، ولكنها إرادة الله، وعسى أن نكره شيئًا وهو خير لنا.
والغريب أن بعض الصحفيين المحسوبين على الفلول قد حاولوا خلال يوم الانتخابات أن يستمر في موقعة "جنود مرشد الإخوان" فصرخ صحفي معروف قائلاً: "وجود قائمة في نقابة الصحفيين غير لائق"، فما كان من أحد شباب الصحفيين إلا أن ردَّ عليه قائلاً: شفافية الإخوان جعلتهم يعلنون مرشحيهم الأربعة وغيرهم من التيارات رشحوا 33 مرشحًا دون إعلان لتضليل الصحفيين.
هذه هي بعض محطات موقعة "جنود مرشد الإخوان" التي شنَّها عدد كبير من الزملاء، البعض منهم بدرجة "رئيس تحرير" ضد زملائهم العزل، الذين حملوا أقلامهم وبرامجهم لخدمة مهنتهم، وتعهدوا أن يكونوا جنودًا لإصلاح مهنة صاحبة الجلالة التي عانت من قهر وتضيق طوال أكثر من نصف قرن، والأيام دول، وإن غدًا لناظره لقريب بإذن الله.