قانون "فرص للأقليات" هو قانون أمريكي احتدم الجدل حوله في ستينيات القرن العشرين؛ بسبب البرامج التفضيلية التي وضعتها الإدارات الحكومية لتوسيع الفرص أمام الأقليات والنساء في الوظائف والتعليم, لإقرار مفهوم المساواة.
فكيف تعاملت المحكمة مع هذه البرامج؟ وهل أقرتها كلها؟ أم اعترضتها بالرغم من كونها نابعة من قانون رسمي؟
سترى- بعد سرد الأمثلة- أن الأمريكان كانوا صارمين في "حماية الدستور" وعدم الاستجابة لتقسيم المجتمع حتى ولو بدافع "حماية الأقليات".
ففي مجال التعليم كانت جامعة كاليفورنيا- حتى عام 1987م- تخصص نسبة 16% من مقاعد السنة الأولى للأقليات، غير أن المحكمة قررت "إلغاء هذا النظام باعتبار أن جميع التصنيفات العرقية ينبغي مواجهتها قضائيًّا أيًّا كان العرق المتأثر بها, وسواء أكان أغلبية أم أقلية".
واكتفت المحكمة بالقول:
"إنه يتوجب على كل ولاية العمل على تأمين سلامة البنيان الطلابي بها عن طريق (التنوع)، وذلك بأن تقرر سياسات تضمن فيها عدم التمييز لعرق على آخر", وكان هذا بمناسبة قضية مجلس أوصياء جامعة كاليفورنيا ضد "باكي".
وهكذا استقر العرف التعليمي في أمريكا على أن فرصة التعليم المتساوي تكون بوضع- ومراقبة- سياسات تعليمية سليمة لحماية تكافؤ الفرص، وليس بوضع قوانين تعطي كوتة للأقلية مهما كان وضعها ضعيفًا.
أما في حقوق التمثيل النيابي ففي أعقاب نتائج عملية الإحصاء القومي الأمريكي للسكان عام 1990م كان هناك تشجيع بنشوء مناطق تكون أغلبية سكانها من الأقليات الإفريقية والإسبانية، لضمان تمثيلهم بمجلس النواب، ولكن- وللعجب- رفضت المحكمة هذا التشجيع الإيجابي للأقليات، وقررت بأغلبية من قضاة المحكمة العليا: "أن مناطق (أغلبية الأقليات) تعتبر غير دستورية إن هي رسمت لغرض هدفه الأساسي عرقي, ويؤدي إلى تأمين انتخاب مرشحي الأقليات"!.
هكذا ترى أن الحفاظ على المبادئ العليا للدستور أهم- عندهم- من مجرد حل مشكلة طائفية أو عرقية، وأن التمثيل السياسي يكون عبر مزيد من العمل السياسي، لاستحقاق ثقة الجمهور دون الاستناد إلى ضمانة الطائفة أو العرق, وليس أيضًا عبر كوتة- أو شبه كوتة- تمزق المجتمع وتؤخر تجانسه.
لكن المحكمة- في مقابل ذلك- شجعت بحذر المبادرات المجتمعية للمساهمة في توطيد العدالة، وعلى سبيل المثال:
ففي عام 1979م أقرت المحكمة القرار الذي اتخذته شركة لإنتاج الصلب بمنح نسبة 50% من وظائف معينة إلى أفراد من الأقليات؛ وذلك لأن نسبتهم في المنطقة المحيطة بالمصنع تقترب من هذه النسبة (50%) من الطاقة العاملة.
واستشعرت المحكمة أن هذا القرار لم يتخذ لغرض "محاصصة عرقية" معينة، ولكنه قرار طوعي لتصحيح آثار "التمييز" في المنطقة، وبالتالي فقد رأت أن القرار لا يتصادم مع قانون الحقوق المدنية لعام 64 الذي يمنع أي "تمييز عرقي" بأي شكل.
وفي عام 1980م دعمت المحكمة قانونًا أصدره الكونجرس يقضي بتخصيص نسبة مئوية من أموال الأشغال العامة لصالح المؤسسات التجارية المملوكة لأقليات، غير أنه مع الممارسة خشت المحكمة من فرض واقع تمييزي لعرق أو أقلية ما، فعادت المحكمة العليا عام 1995م، وأخضعت هذه الممارسات لما وصفته "بالمراجعة الصارمة" خشية تحولها إلى ممارسات عرقية.
إذن.. كل أشكال معالجة التمييز عن طريق قوانين "لإنصاف الأقليات" بطريقة "الحصة" يشكل فلسفة مرفوضة، وهنا سؤال يطرح نفسه وهو: ما هي الفلسفة الأمريكية في إنصاف الأقليات إذن؟.
ترد على ذلك الدراسة الصادرة من وزارة الخارجية الأمريكية في نوفمبر عام 2001م (بعنوان: أوراق ديمقراطية)، والتي اعتبرت أن جهود الكفاح من أجل وضع حدٍّ للتمييز العنصري ضد الأقليات حققت نجاحًا لسببين أساسيين:
الأول: احترام حكم القانون القائم على الخضوع لأحكام القضاء حتى ولو لم يوافق عليها أفراد أو جماعات، وأن التغيير يأتي عبر ممارسة الضغوط على أعضاء المجالس التشريعية، ورفع دعاوى أمام المحاكم، وليس القيام بمظاهرات صاخبة في الشوارع، (هكذا ذكرت الدراسة).
الثاني: نشر القناعة الدستورية التي تؤكد أن "كل الناس خلقوا متساوين ويستحقون الحماية المتساوية في ظل القانون".
وهكذا عزيزي القارئ ستجد أن إعلاء القيم الدستورية والقانونية بجوار انتشار ثقافة شعبية تؤمن بالمساواة، هو نموذج انتهجه الكفاح الأمريكي لبناء دولة عصرية، وقد اخترنا هذا النموذج لسببين:
أولهما: لأن المنهج الأمريكي المختار لعلاج مشكلة الأقليات يقترب جدًّا من المنهج المطروح إسلاميًّا- ووطنيًّا- الآن على الساحة السياسية.
ثانيهما: أن النمط الأمريكي هو مرجعية إخواننا الأقباط دائمًا في كفاحهم لنيل ما يرونه حقوقًا مهدرة.
نقول هذا... مع ملاحظتنا أن هذه الحقوق تمَّ إقرارها أمريكيًّا بعد وضع الدستور الأمريكي بأكثر من مائتي عام!! وأنها رغم قدم المنظومة الديمقراطية قد استعصت على الحل، وما زالوا يعالجونها حتى الآن.
هذا في الوقت الذي وضعت فيه هذه الحقوق المفصلة في وثيقة "المدينة المنورة" وتمَّ تنفيذها من أول يوم للدولة الإسلامية.. كما أن الدولة المصرية الحديثة قد انتصرت لهذه الحقوق دفعة واحدة ووضعتها في قانون "الخط الهمايوني" في فبراير عام 1865م على يد السلطان عبد المجيد.. ولهذا تفصيله الذي يستحق الوقوف عنده طويلاً.
إذا صفت النوايا وتغلب العقل على النزق, فإن مشكلة "الأقباط" ستكون أهون المشاكل وأيسرها, والباحثون لهم نظرة مختلفة في قضية "الحقوق", إذ لن تشغلهم مشكلة فتاة أسلمت, أو أخرى اختفت, فهذه مشكلات تابعة للمشكلة الأم وهي:
هل نريد بناء دولة عصرية متقدمة، أم دولة محاصصة يفرض فيها القادر إرادته على الجميع في أوضاع مرتبكة؟.
----------