في انتخابات نقابة الصحفيين التي جرت يوم الأربعاء الماضي فاز المرشح ذو التوجه الإسلامي ممدوح الولي بموقع النقيب بأغلبية مريحة، بينما خسرت قائمة مرشحي الإخوان باستثناء شخص واحد هو الزميل محمد عبد القدوس الذي يتمتع بمحبة خاصة من الصحفيين.

 

نعم خسر الإخوان الانتخابات ولكن الديمقراطية فازت بإجراء هذه الانتخابات التي تعثرت طويلاً بسبب القضايا التي رفعت لتعطيلها، والتي ربما استهدفت فرض حراسة عليها أسوةً بتلك التي فرضت على نقابات أخرى من قبل.

 

كان مجرد اكتمال الجمعية العمومية خبرًا سارًّا بحدِّ ذاته، إذ إن الطريقة التي جرت بها الانتخابات اختلفت عما سبقها من انتخابات كانت تجري وفق القانون 100 الموحد، والذي كان يتيح الفرصة للزملاء للتصويت من التاسعة صباحًا وعلى مدار اليوم حتى الخامسة؛ حيث يغلق باب التصويت، ويتم التأكد أولاً من اكتمال النصاب قبل بدء الفرز، أما هذه المرة فقد كان اكتمال النصاب شرطًا أوليًّا قبل بدء عملية التصويت، وهو ما أحبط الكثيرين ودفعهم للكسل وعدم المشاركة، وتسبب في تمديد فترات الانعقاد لفترتين إضافيتين حتى يكتمل النصاب.

 

كان فوز النقيب ممدوح الولي هو الخبر الأبرز، فهذه هي المرة الأولى التي يفوز فيها نقيب ذو توجه إسلامي، وإن لم يكن عضوًا منتظمًا بجماعة الإخوان، وقد جاء هذا الفوز مفاجئًا للبعض وصادمًا للكثيرين بعد الحملة التي تعرَّض لها الولي على مدى أسابيع تتهمه بالانتماء لجماعة الإخوان تارة، وبالتطبيع مع العدو الإسرائيلي تارة، بالرغم من أنهما تهمتان لا تستقيمان معًا، كما أن هذا الفوز جاء بعد تجييش واسع من خصومه شاركت فيه العديد من الصحف والفضائيات لمنع سقوط ما اعتبروه آخر القلاع.

 

وبمناسبة الحديث عن النقيب لا يفوتنا أن نؤكد أن الزميل المنافس يحيى قلاش هو واحد من أشرف الصحفيين، وأكثرهم ارتباطًا بنقابته وبزملائه، ومن أفضلهم خلقًا وممارسةً، ولكن طبيعة العملية الديمقراطية والتنافسية تقتضي وجود أكثر من مرشح، وكما كنت أردد دائمًا خلال الحملة الانتخابية فقد كنا كصحفيين نختار بين الحسن والأحسن من المرشحين لمنصب النقيب على خلاف المرات السابقة.

 

نعود إلى خسارة قائمة الإخوان باستثناء شخص واحد فيها، لنؤكد أن فوبيا الإخوان التي انتابت الصحفيين والتي تغطي المشهد السياسي حاليًّا هي السبب الرئيس لهذه الخسارة، فقد كان التصويت في جزء كبير منه عقابيًّا لهذه القائمة التي نظر إليها الصحفيون باعتبارها تحديًا واستفزازًا لهم، وقد زادت هواجسهم وقلقهم بعد النجاحات المتتالية التي حققها الإخوان في نقابات الصيادلة والمعلمين والأطباء، وكذا فوز حركة النهضة الإسلامية في الانتخابات التونسية، والتي سبقت انتخابات الصحفيين بيومين فقط.

 

ليس اكتشافًا أن الجماعة الصحفية تمثل قمة النخبة القلقة من المشروع الإسلامي في غالبيتها، رغم وجود أقلية متفهمة لهذا المشروع، وبالتالي فقد كان من الخطأ التعامل معها بالطريقة ذاتها التي تتم مع النقابات الأخرى التي تمثل بدورها الطبقة الوسطى في المجتمع، وهي طبقة متصالحة ومتفهمة في معظمها للفكرة الإسلامية بدليل أنها هي التي احتضنت دعاة هذه الفكرة عقب خروجهم من السجون منذ منتصف السبعينيات، والتي سمحت لهم بقيادة النقابات المهنية عبر انتخابات حرة كانت هي الاستثناء في زمنها.

 

لقد حافظت الجماعة الصحفية دومًا على مسافة مع السلطة؛ حيث كانت تميل إلى اختيار نقيب حكومي- ليحافظ على مكاسبها بل ليعظمها- مع مجلس معارض يمثل ضغطًا دائمًا عليه، باستثناءات قليلة، ويبدو أن هذه المعادلة لم تتغير بعد الثورة؛ إذ إن اختيار الصحفيين للنقيب ذو التوجه الإسلامي دفعهم لرفض بقية مرشحي الإخوان حتى لا يهيمن تيار واحد على النقابة، على الرغم من قناعتهم بأن بعض المرشحين من الإخوان جديرون بعضوية المجلس.

 

لم تكن خسارة الإخوان في نقابة الصحفيين هي الأولى من نوعها، فقد سبق ذلك خسارتهم لنقابتي أطباء القاهرة والإسكندرية، ومن قبل ذلك خسارتهم لانتخابات اتحاد طلاب جامعة القاهرة، ولنادي هيئة التدريس بجامعة عين شمس، وهذا يؤكد أن الإخوان ليسوا فكًّا مفترسًا لا يعرف سوى الفوز في أية انتخابات، ولكن هذه الخسائر إلى جانب ما حققه الإخوان من فوز في نقابات ونواد وجامعات أخرى هو ما يطمئن المجتمع أن الديمقراطية هي صمام الأمان، وهي التي تفرز الصالح والطالح، وأن الفوز ليس حكرًا على تيار دائمًا، كما أن الهزيمة ليست ملاصقة لتيارات أخرى، ففي الديمقراطية البقاء للأصلح والأقرب من الناس والأقدر على خدمتهم.