- عوض: تبعية السجون للقضاء تتضمن ضبطها داخليًّا

- تاج الدين: مقتل مواطن داخل السجن بعد الثورة جريمة

- زارع: التعذيب منهجي ولم يتغير شيء بعد الثورة

- قطري: الكيان له نفوذ واسع والجواسيس ملوك في السجون

 

تحقيق- أحمد جمال:

مشهدان في وقتٍ واحد يعكسان الحالة التي ما زالت تعيشها مصر بالرغم من ثورة الخامس والعشرين من يناير، والقاسم المشترك بينهما هو جهاز الشرطة، ففي يومي الخميس والجمعة الماضيين خرجت الصحف وتحمل بين طياتها خبرين الأول عن شهيد طره الذي لقي حتفه نتيجة التعذيب داخل سجن شديد الحراسة أو العقرب كما يصفه رواده، والخبر الثاني كان عن الجاسوس الصهيوني إيلان جرابيل الذي تمَّ مبادلته بخمس وعشرين مسجونًا مصريًّا، وإشادة جرابيل بالمعاملة المحترمة جدًّا التي كان يلقاها في سجن مزرعة طره.

 

تصريحات جرابيل والترحيب غير الطبيعي به من قبل محافظي جنوب وشمال سيناء وجلوسه وسطهما- وكأنه بطل قومي وليس جاسوسًا وجهت له النيابة تهمًا عديدة تمس الأمن القومي المصري- تدفع بالعديد من الأسئلة عما يحدث داخل السجون، وهل ما زالت السياسية التي وضعها النظام السابق في التعامل مع المصريين بشكل والجواسيس بشكلٍ آخر ما زالت هي الحاكمة لوزارة الداخلية؟.

 

(إخوان أون لاين) يناقش ما يتعرض له السجناء المصريون والترحيب الذي وجده الجاسوس بالسجون المصرية في هذا التحقيق:

 

رقابة القضاء

بدايةً يرى المستشار محمد عوض رئيس محكمة استئناف الإسكندرية أن النظام المخلوع لم يسقط سقوطًا كاملاً، والقوانين لم تتغير بما في ذلك رقابة النيابة العامة ووزارة العدل على السجون المصرية، فالمطلوب الآن هو سرعة تطهير البلاد من نظام المخلوع، ومن الفساد والفاسدين المتغلغلين في كلِّ مفاصل الدولة، وإجراء انتخابات ثم يأتي بعد ذلك الدور على القوانين بوضع منظومة جديدة من القوانين من خلال مجلس الشعب المنتخب، فالقوانين في الأدراج جاهزة لكنها لم تطبق ولم تفعل.

 

ويتساءل عن صاحب المصلحة في عدم إصدار القوانين التي تستطيع أن تصلح حال البلاد حتى إن قانون السلطة القضائية على- سبيل المثال- لم يصدره المجلس العسكري على الرغم من أهميته لضمان استقلال القضاء بحجة رفض المحامين له، فلماذا لا يتم إصدار المواد التي لا يعارضها المحامون وتأجيل الباقي لما بعد الانتخابات، مؤكدًا أن المقصود هو عدم إصدار أي تشريعات تساعد في إصلاح حال البلاد.

 

ويضيف قائلاً: مطالبنا ليس مجرد إشراف النيابة العامة على السجون؛ لأن إدارة السجون تستطيع ضبط أوضاعها قبل كل زيارة تقوم بها النيابة؛ لعدم ظهور المخالفات، ولكن ما نطالب به هو تبعية السجون للقضاء ووزارة العدل تبعية كاملة بدلاً من وزارة الداخلية، فالقضاء هو صاحب الحكم على الجناة، وهو من يأمر بحبسهم ولذا يجب أن يشرف القضاء على تنفيذ العقوبة، وينتهي دور الأمن بعد القبض على المجرمين وجمع الأدلة والتحريات وتسليمه للقضاء.

 

ويؤكد أن السجون ستختلف بشكلٍ كامل، والتعامل مع السجناء سيختلف صورته إذا ما خضعت لوزارة العدل، فالعقلية الأمنية الحاكمة الآن والتي تدير السجون لا تكتفي بمعاقبة السجين بسجنه بل تعاقبه بالتعذيب والمعاملة غير الإنسانية، مشيرًا إلى أن هذا التغيير يحتاج لإرادة حقيقية لتحقيقه.

 

القانون فوق الجميع

 الصورة غير متاحة

 جمال تاج الدين

ويعرب جمال تاج الدين، أمين عام لجنة الحريات بنقابة المحامين، عن أسفه الشديد للحالة التي بها السجون المصرية، ولوقوع حادثة مقتل المواطن عصام عطا داخل سجن طره، مستنكرًا حدوث مثل هذه الوقعة بعد الثورة المصرية، والتي تدلل على استمرار نفس الممارسات الإجرامية التي كان ينتهجها نظام المخلوع.

 

ويشير إلى أن المواطن له حرمة باعتباره إنسانًا قبل كل شيء حتى لو كان مجرمًا فكونه سجينًا لا يعني إهدار كرامته سواء كان حبسه جنائيًّا أو سياسيًّا، فالقانون هو الفيصل في مثل هذا الحادث، ويجب أن يعاقب بالقانون وليس بأي وسيلةٍ أخرى، فهو إنسان له كرامته البشرية.

 

ويؤكد أن لجنة الحريات بنقابة المحامين ستتبنى هذه القضية ولن تتركها ولن تمر هذه الجريمة مرَّ الكرام، فحدوثها بعد الثورة غير مقبول، ويطالب المسئولين بسرعة التحرك والتحقيق في هذه الجريمة من خلال تحقيق شفاف وعلني لإظهار الحقيقة، مستنكرًا البطء الشديد من قبل الحكومة والنيابة العامة ووزارة الداخلية في التحقيق في هذه الوقعة ومحاسبة المخطئ بدلاً من سياسة الإنكار التي تنتهجها الحكومة.

 

ويشير إلى أن الشارع المصري لم يعد يصدق الشرطة في التبريرات التي تخرجها في مثل هذا الحادث، فالقانون لا بد أن يأخذ مجراه في التعامل مع هذه الجريمة لإظهار الحقيقة.

 

ويستنكر بشدة أن يكون المصري ذليلاً على أرض وطنه بينما الأجنبي عزيزًا مكرمًا، فضلاً عن أن يكون جاسوسًا صهيونيًا، ويضيف أن الصورة التي ظهر فيها الجاسوس بجوار محافظي شمال وجنوب سيناء هي صورة منبوذة لا بد أن يبرأ منها هذا النظام، ويحقق فيما حدث باعتباره جريمة إضافية، معربًا عن استغرابه من الصفقة الهزيلة التي أجراها النظام المصري مع الكيان، فبعد أن أفرجت حركة حماس عن 1027 أسيرًا مقابل جلعاد شاليط لا تفرج مصر سوى عن 25 أسيرًا مقابل هذا الجاسوس مع بقاء مصريين آخرين خلف القضبان الصهيونية ما يعني أنها صفقة ذل وعار.

 

حماية التعذيب

 الصورة غير متاحة

محمد زارع

ويؤكد محمد زارع، رئيس المنظمة العربية للإصلاح الجنائي، أن الوضع في السجون سيئ للغاية، والمعاملة التي تتم مع المساجين سيئة ولا ترقى لمعايير التعامل مع البشر، مشيرًا إلى أن السجين مواطن حتى لو ارتكب جريمة فيجب معاملته وفق القانون بطريقة تُسهم في القضاء على الجريمة لا تنميها.

 

ويوضح أن تعامل الضباط داخل السجون يقوم على فرض السيطرة والانتقام من هؤلاء المسجونين، ويقول: في زيارةٍ لي منذ فترة قريبة إلى سجن العقرب رأيت المعاملة داخل السجن متفاوتة، فالسياسيون يجدون معاملةً جيدة، أما الجنائيون فيُعاملون بطريقةٍ قاسية للغاية، فالضرب شيء عادي لأي سببٍ والعقاب مستمر، والمنع من الزيارات لأبسط الأسباب، بالإضافة إلى الأكل والشراب غير الآدمي، ويؤكد ذلك أن إدارة السجن تستطيع التعامل بطريقة مختلفة ووقف الانتهاكات إذا أرادت ذلك.

 

ويضيف أن لجنة مناهضة التعذيب في آخر تقريرٍ لها عن أوضاع السجون المصرية قالت: إن التعذيب في مصر منهجي، ويرجع ذلك إلى عددٍ من الأسباب منها أن غالبية الضباط عندهم قصور مهني فيعوضونه بالتعذيب للوصول إلى الجناة، وجلب الاعترافات، بالإضافة إلى أن مفهومهم يقوم على أن التعامل مع السجناء لا بد أن يكون قاسيًا للقدرة على فرض السيطرة، بالإضافة إلى أن القوانين تحمي الضباط في مثل هذه الجرائم من المساءلة، واختراع تعبيرات جديدة للتعبير عن هذه الجريمة للتخفيف من العقاب مثل استعمال القسوة بدلاً من التعذيب، كما أن هناك تواطؤًا من النيابة والطب الشرعي في إصدار تقارير غير صحيحة، والتقصير في التحقيقات، ويمنع ذلك إجراء محاكمة عادلة، كما توفر وزارة الداخلية الحمايةَ للضباط ومحاولة نفي التهمة بأي طريقة، ويمثل ذلك منظومة متكاملة لحماية الضباط من العدالة، وفي حالة المحاكمة وإصدار الحكم يكون مخففًا، ويتم الإفراج في الأعياد والمناسبات، مؤكدًا أن التعذيب لا يزال منهجيًا والمعاملة قاسية رغم الثورة.

 

عقدة الأجنبي

 الصورة غير متاحة

محمود قطري

ويرى محمود قطري، عميد الشرطة السابق، أنه بالرغم من سقوط مبارك وحكومته إلا أن نظامه لا يزال حاكمًا بأفكاره وعقلياته وطريقة التعامل مع مواطنيه، فالحكومة الحالية تسير على هدي حكومات الحزب الوطني والنظام المخلوع، ويقوم هذا الفكر على إهمال قيمة المواطن المصري وعدم الاهتمام به، وإعلاء قيمة كل ما هو أجنبي والاهتمام به، وهو ما يُطلق عليه "عقدة الأجنبي".

 

ويؤكد أن الكيان الصهيوني ما زال يتمتع بقدرٍ كبيرٍ من الاهتمام في الأوساط الرسمية المصرية بالرغم من مرور 10 شهور على الثورة المصرية التي أسقطت مبارك ونظامه، وهذا هو السبب في ما لاقاه الجاسوس الصهيوني من معاملةٍ حسنةٍ داخل مصر وفي السجون المصرية، بينما تمثل هذه السجون وسيلةً للتعذيب والتنكيل وتربية المجرمين للسجناء المصريين.

 

ويضيف أن لفظ حقوق الإنسان والتغني به في كل وقتٍ ليس إلا نوعًا من الشعارات التي استوردها النظام من الغرب لإرضائه، ولم تطبق على أرض الواقع، نافيًا أن يكون في السجن أي نوعٍ من أنواع التهذيب والإصلاح فهو أيضًا شعار لا يُعبِّر عن أي مضمون، والشعار الصحيح يجب أن يكون "تدمير وإفساد"، فالسجون تتحول من سيئ إلى أسوأ، والأوضاع الحالية أشد سوءًا مما كانت عليه في عهد النظام المخلوع، ولا تُلبي أبسط مقومات احترام حقوق الإنسان، فالسجون تصنع المجرمين، وبها كل وسائل الفساد من مجرمين وتجارة مخدرات.

 

ويشير إلى أن معاملة الضباط مع الشعب المصري لم تتغير، وتنم عن حالة كراهية لهذا الشعب، فمن الطبيعي أن يكون تعاملهم أسوأ مع المسجونين، خاصةً أنهم أسوأ فئات الشعب، ويتخيل هؤلاء الضباط أن القانون غير كافٍ في معاقبة هؤلاء المساجين؛ ولذلك يستخدمون وسائل أخرى خارج إطار القانون منها الضرب والإيذاء البدني والنفسي، ولا تقتصر معاناة هؤلاء المساجين عند هذا الحد، فالسجون تستوعب أضعاف طاقتها في العدد، ولا توفر أي حقوق آدمية، وبها مشاكل في الطعام والشراب والزيارات والمعاملة.