كان من أخطر نتائج السياسة التي حُكمت بها مصر في العقود الثلاثة الماضية؛ أنها جعلت مصر دولة رخوة، وأصابت كل مؤسسات الدولة بالرخاوة، والدولة الرخوة مصطلح قدمه عالم الاجتماع السويدي "جنار مردال" عام 1970م في كتابه (بحث في أسباب فقر الأمم)، واستطاع عالِم الاقتصاد المصري "جلال أمين" إسقاطه على الحالة المصرية، وذلك في كتابه الشهير (الدولة الرخوة في مصر)، وباختصار فإن الدولة الرخوة هي الدولة التي لا تستطيع أن تطبق القانون على الجميع، وهي الدولة التي لا تمتلك مشروعًا نهضويًّا أو قوميًّا، وهي كذلك الدولة التي لا تستطيع أن تحقق عدالة التوزيع بين مواطنيها.
لا يجد الباحث شديد عناء في الوقوف على علامات الرخاوة التي أصابت مؤسسات الدولة المصرية؛ حيث كانت المؤسسة الاقتصادية أولى وأخطر المؤسسات التي عانت من الرخاوة، فأصبح الاقتصاد المصري يعاني من انخفاض معدل النمو في الناتج القومي، وارتفاع معدل البطالة، وزيادة الدين العام، وزيادة العجز في الموازنة العامة للدولة، وغياب الدولة عن القطاعات الخدمية- إلا القطاع الأمني طبعًا- فالدولة كانت تستورد أحدث أجهزة القمع وفي ذات الوقت تستورد أسوأ أنواع القمح! حتى إننا سمعنا تصريحات رئيس الوزراء- أحمد نظيف آنذاك- أن "الدولة ليست بابا وماما"، على الرغم من أن نص المادة الأولى في الدستور في هذه الفترة- قبل تعديلها في 2007- تنص على: "جمهورية مصر العربية دولة نظامها اشتراكي ديمقراطي، يقوم على تحالف قُوى الشعب العامل"، ووفق النظرية الاشتراكية يجب أن تكون الدولة "بابا وماما وأنور وجدي كمان"!.
وزاد الأمر سوءًا تدخل صندوق النقد الدولي في السياسة الاقتصادية المصرية، وتوقيع اتفاقية (التثبيت والتكيف الهيكلي) وذلك عام 1991م، والتي تهدف للإسراع في بيع شركات القطاع العام.
ضعف الأداء السياسي والاقتصادي خيَّم بظلاله على مؤسسات الصحة والتعليم والإسكان؛ ففي قطاع الصحة رأينا أطباء في وقفات احتجاجية؛ لعدم وجود مواد الإسعافات الأولية في المستشفيات، وفي التعليم تركت الدولة الأسرة المصرية تصارع وحدها في معترك الدروس الخصوصية؛ التي أصبحت تلتهم جزءًا كبيرًا من دخل الأسرة المصرية، وفي قطاع الإسكان حدِّث ولا حرج؛ فقد تعاملت الدولة في توزيع قطع الأراضي في المدن الجديدة بنفس سياسة السماسرة، فجعلت الأرض لمن يدفع أكثر، حتى وصل سعر المتر إلى 2000 جنيه، في حين أن هناك قرارًا جمهوريًّا بأن سعر المتر عشرة جنيهات، يضاف إليها تكلفة المرافق.
أما رخاوة الدولة في الجانب القانوني فكانت الطامة الكبرى، فوجدنا حكومة الدولة تصدر القوانين ولا تقوم هي بتنفيذها، بل تقوم أحيانًا بتعطيل أحكام القانون، وأدى غياب تطبيق القانون والمحاسبة وتعطيل السلطة التشريعية عن أداء دورها الرقابي إلى انتشار الفساد والرشوة؛ حتى أصبح الفساد والرشوة نمط حياة، بل انتشر الفساد في مؤسسات كانت تُعدُّ حائط صد ضد الفساد، مثل القضاء والشرطة والجامعات والصحافة، فرأينا القاضي الذي يُزَوّر الانتخابات، ورجل الشرطة الذي يقوم بممارسات تخالف القانون، وأستاذ الجامعة الذي يغض الطرف عن اعتقال زميله وطالبه، وتُزَوّر أمامه انتخابات اتحاد الطلاب دون أن يحرك ساكنًا، والصحفي الذي باع قلمه للنظام من أجل راتب معلوم، ولم يعد المرتشي والفاسد هو الموظف الصغير، بل رأينا الوزير المرتشي والوزير الفاسد!.
زادت رخاوة الدولة بإسناد المناصب العامة في الدولة إلى رجال ليس لهم رؤية إستراتيجية، ولا يحملون فكرًا لمشروع نهضوي أو قومي، ولا يُعرف لهم تاريخ سياسي ولا سابق خبرة في العمل العام، حتى اهتماماتهم بالشأن العام لا تتعدَّى اهتمام المواطن العادي، ولا أكون مغاليًا إن قلت إن أكثرهم لم يشاركوا في اتحادات الطلاب حينما كانوا طلابًا لا بالترشيح ولا بالتصويت.
في ظل هذه الرخاوة الواضحة للعيان لا تتعجب عندما يكتب الكاتب الساخر أسامة غريب كتابًا بعنوان (مصر ليست أمي مصر دي مرات أبويا)، وكذلك لا تتعجب من هجرة الشباب غير الشرعية عبر قوارب غير مجهزة، أدت إلى أن أصبحوا طعامًا لأسماك البحر قبل الوصول إلى شاطئ البلد المقصود.
وعلى الرغم من كل هذه الآلام التي في القلب- لما أصاب بلدنا الحبيب- فإن هناك كثيرًا من الآمال، فأنا لم أكتب هذا المقال لكي أصيب القارئ بالإحباط، ولكن ما أردت إلا أن أبعث الأمل للقارئ؛ لأن مصر دولة قوية قادرة ولديها المقومات الكافية لتصبح في مقدمة الأمم، وهذا ما يتوقعه كثير من المتخصصين، والاقتصاد المصري من الاقتصاديات الواعدة في الفترة القادمة إذا أُحسن استغلال الموارد الموجودة.
مصر بالفعل تمتلك الكثير من أدوات الدولة القوية، ويعدُّ كتاب الدكتور جمال حمدان أستاذ الجغرافيا السياسية (شخصية مصر.. عبقرية المكان والزمان) من الكتب المهمة للتعرف على مواطن القوة للدولة المصرية؛ لدرجة أن محاولة حصر عناصر قوة الدولة في مقال واحد يعدُّ من المهام الصعبة.
ولنبسط الموضوع قدر المستطاع فإن الدولة تتكون من أرض وشعب وحكومة، ثم عنصر السيادة الذي يساعد الدولة على الحفاظ والدفاع عن حدودها وثرواتها ومواردها.
1- الأرض:
عنصر الأرض، والذي يسمَّى بالعامل الجغرافي، يتكون من الموقع الجغرافي والمساحة والتضاريس والمناخ والموارد الطبيعية، ومصر تمتلك كل مقومات أدوات القوة في هذا الجانب؛ فمصر تقع في منتصف العالم، وليست في أطرافه كدولة تشيلي في أمريكا الجنوبية، وتقع على ممرات مائية غاية في الأهمية (البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط وقناة السويس ونهر النيل)، وليست دولة حبيسة مثل تشاد في إفريقيا أو أفغانستان في آسيا، ومساحتها متصلة وليست عبارة عن جُزر متناثرة مثل إندونيسيا، وتضاريسها سهلة ومناخها معتدل يسمح بزراعة مساحات شاسعة لمعظم المحاصيل الضرورية، مثل القمح والقطن والأرز، وليست كدولة كندا، مناخها البارد يقلص من أهمية مساحتها الشاسعة، هذا بالإضافة إلى ما يحويه باطن هذه الأرض الطيبة من موارد اقتصادية طبيعية، مثل البترول والفحم والغاز والحديد والذهب.
2- الشعب:
وهو ما يسمَّى بالعامل الديموجرافي أو البشري (السكان)، ومصر تمتلك كثيرًا من مقومات القوة في هذا العنصر أيضًا، ويكفينا في هذا العنصر ما رواه لنا عمرو بن العاص عن عمر بن الخطاب أنه سمع رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: "إذا فتح الله عليكم مصر بعدي فاتخذوا منها جندًا كثيفًا، فذلك الجند خير أجناد الأرض"، قال أبو بكر: ولِمَ ذاك يا رسول الله؟ قال: "إنهم في رباط إلى يوم القيامة".
وإذا كان بعض قصار النظر يظنون أن مشكلة مصر في زيادة السكان، فالنظريات الحديثة في الاقتصاد تقول إن زيادة السكان تؤدي إلى زيادة نمو الاقتصاد، وللمفارقة فإن الغرب يسمي الزيادة السكانية بـ"الثروة البشرية"، أما نحن فنطلق عليها مصطلح "الانفجار السكاني"! مشكلة مصر في هذا العنصر تتمثل في "كثافة" السكان وليس في "زيادة" السكان، فمعظم الشعب المصري يعيش على مساحة 6% فقط من إجمالي مساحة مصر (مليون كيلو متر مربع).
ومن ملامح القوة في التركيبة السكانية في مصر أنها تساعد على أداء كل الأدوار المطلوبة في المجتمع، فمنهم العالم والطبيب والمهندس والمعلم.. إلخ، وكذلك جميع التخصصات الحرفية المعاونة للمهن، وهذه القوة البشرية تساعد على إمداد القوات المسلحة باحتياجاتها من الأفراد، بالإضافة إلى أنهم كانوا من أدوات القوة الناعمة للدولة، وذلك بالسفر للعمل خارج حدود الدولة (دول الخليج على سبيل المثال).
3- الحكومة:
وأعتقد أن هذا العنصر هو نقطة الضعف الحقيقية لمصر في العقود السابقة، بل هو الأداة التي استخدمت لتحويل مصر من دولة قوية إلى دولة رخوة، مصر دولة قوية لكنها تدار بعقول فقيرة، فسياسات الحكومات السابقة جعلت مصر أم العجائب، حوَّلت مصر من دولة غنية إلى دولة فقيرة بها أفراد أغنياء، وجعلت مصر تعاني من فساد التنمية، في حين ينتعش فيها تنمية الفساد، وتعاني فساد الإدارة وترعى إدارة الفساد، بل حوَّلت مصر من دولة القانون إلى دولة تهميش القانون وقانون التهميش، وألفت نظر القارئ في هذه النقطة إلى أن هناك دولاً لا تمتلك أدوات قوة الدولة ولكنها تمتلك نظامًا سياسيًّا فاعلاً وحكومات واعية، فأصبحت في صفوف الدول الكبرى, فدولة اليابان لا تمتلك موارد طبيعية، وطبيعة الأرض ومناخها وشكل الدولة يعدُّ من معوقات الدولة القوية، ولكنها تمتلك نظامًا سياسيًّا جيدًا جعلها من ضمن الدول الثمانية الكبرى.
هناك عناصر أخرى تضيف للدولة مقومات قوة إضافية، مثل الإعلام ووسائل الاتصال الحديثة والمجتمع المدني الفاعل، وهذه العناصر أيضًا تتمتع مصر بجزء كبير منها؛ ففي الإعلام تُعدُّ مصر هي رائدة الإعلام العربي، بل قائدة له، وكذلك وسائل الاتصال الحديثة، مثل الإنترنت وبعض المواقع الاجتماعية المهمة، مثل "الفيس بوك" وغيره (عرضت إحدى دول الخليج شراء موقع "الفيس بوك" بمليار دولار، حتى تتجنَّب تأثيره الذي كان أحد أدوات إسقاط نظام مبارك).
أما عن مؤسسات المجتمع المدني فمصر لديها مجتمع مدني يستطيع أن يكون فاعلاً، نذكر من أمثلته الجمعيات الخيرية والنقابات، التي عمل النظام الفائت على تجميدها، ولكنها بدأت في الحراك بعد ثورة 25 يناير المباركة.
من خلال هذا الطرح يتبين لنا أن ما تملكه مصر من عناصر قوة يعدُّ مقومات ثابتة لم تتغير مع سقوط النظام، وأن ما أصاب الدولة بالرخاوة إنما كان نتيجة السياسات الخاطئة للحكومات المتعاقبة في العقود الماضية.. نقول هذا ونحن على أعتاب تكوين وتشكيل نظام سياسي جديد سيقود البلاد في الفترة القادمة، ولذلك يجب علينا أن ندقق في اختياراتنا ونقوم باختيار أصحاب المبادئ، الذين يقدمون المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، فإذا أردنا اقتصادًا قويًّا وتعليمًا جيدًا ورعايةً صحيةً متميزةً وعدالة توزيع؛ فلا بد من بناء دولة قوية، وأهم ما تحتاجه مصر هو نظام سياسي يستطيع أن يَعبُر بها إلى صفوف الدول الكبرى.
كلمات للتذكير
هناك دولة قوية اقتصاديًّا لأنها تمتلك غازًا (قطر)، ونحن نمتلك الغاز، ودولة قوية اقتصاديًّا لأن عندها سياحة (إسبانيا)، ونحن عندنا سياحة، وأخرى قوية؛ لأن عندها زراعة (البرازيل)، ونحن عندنا زراعة، ودول أخرى قوية؛ لأن عندها ثروة حيوانية لامتلاكها المراعي (أستراليا)، ونحن كذلك، وقس على ذلك الكثير!!.
---------
* أستاذ مساعد بجامعة المنصورة- دبلوم في الدراسات العليا في العلاقات الدولية السياسية.