1- مدخل: لا يصح أن يصرفنا البكاء عن البناء!

 

ليس تهويشًا أن يقرر أحد أن مصر اليوم في مرحلة فارقة من عمر حضارتها، وليس تهويشًا أن نقرر مع هذا الـ"أحد" أو ذلك أن مصر أشبه شيء بمريض خرج لتوِّه من عملية جراحية خطيرة، تحتاج إلى مناخ خاص حتى تتعافى، وفق هذا السياق فإن أمانة العلم، تقتضي أن ننصح لمصر في كل ميادين الحياة.

 

وإذا كان ما مرَّ من زمان شهد اختلاطًا رهيبًا بين محددات الهوية الثقافية لمصر؛ فإن الأمر اليوم مختلف تمامًا، وذلك أنه يلزم التنبه لخطر أي خلط في هذا المجال، ولا سيما ومصر تعيد اكتشاف نفسها، وتسترجع طريقها الذي طمرته مخلفات حقبة أرادت جرَّ مصر بعيدًا عن هويتها، ولعل القارئ الكريم يتساءل عن سرِّ هذا المفتتح.

 

لقد فزعت عندما طالعت في غمرة البكاء على رحيل الكاتب الأستاذ أنيس منصور (1924_2011م) وتعيينا من بعض الذين استثمروا عنوان كتابه (وجع في قلب إسرائيل) من يجعله معلمًا من معلمي ثورة 25 يناير!.

 

وفي هذا الذي كان من بعض مَنْ فعل هذا غفلة ظاهرة، أو تشويه للطريق، وتخليط على الناس، واستهانة بكرامة القلم، وحرمة العلم على حقيقة الأمر، وهو الأمر الذي حملنا على أن نقرر أنه لا يصح أن يصرفنا بكاء من رحل عن حقيقة أمره، وسهمته في الفكر والثقافة المعاصرة، ولا سيما ومصر تتطلع إلى البناء، بعد زمان طويل من التيه.

 

2- صوت ضد هوية مصر!

 

كان مما علمه الناس، واستفاض أمره، وانتشر، وسجله الرجل بصوته وقلمه، عبارته الشهيرة: "أنا مع التطبيع"!

 

وقد كان هذا الموقف كافيًا ليؤخر رتبة هذا الكاتب في الحس الوطني، مصادمًا للروح المصرية التي يسكنها رفض الكيان الصهيوني، والاشمئزاز من العلامات الصادرة عنه، وقد كان هذا الموقف كافيًا أيضًا أن يضم الكاتب الراحل إلى القائمة السوداء للكتَّاب؛ لأن الإيمان بالتطبيع، والدعوة إليه، والترويج لفكرته، والانتصار لها خيانة لثقافة مصر الأصلية، وخيانة للدم الطاهر الذي افتدى به شهداء مصر- على مدى عقود طويلة- أرض هذا الوطن، لقد دافع الرجل عن التطبيع، وحاول أن يخلع عليه منطقًا، وسافر إلى الكيان الصهيوني أكثر من مرة.

 

وهذا كله لا يستقيم مع ما أجمع عليه المثقفون الوطنيون، وأجمعت عليه المؤسسات الثقافية الوطنية في مصر.

 

وهذا كله يصادم هذه الضجة حول مكانة الكاتب الراحل.. إن للموت حرمة، نعم!، ولكن العاطفة غير المنضبطة توشك أن تدخلنا مرة أخرى بيت التيه، بعد أن أوشكنا أن نخرج منه إلى طريق النور.

 

إن كل داعية إلى التطبيع، راضٍ بالسفر إلى الكيان الصهيوني، مدافع بصوته وقلمه عنه، لا يستحق أن نبكيه، ولا أن نذرف دمعة واحدة عليه، فضلاً عن أن نجعله معلمًا، أو هاديًا لجموع الجماهير في هذا الوقت الحرج من عمر الوطن.

 

3- عمر من الترسيخ لثقافة الخرافة!

 

على امتداد زمني طويل أصدر أنيس منصور عددًا كبيرًا من الكتابات، وقد كان المأمول منه أن يصدر فيما صدر عنه أن يُعنى بقضايا الفكر والأدب المنتمي ولا سيما أنه ظهر في حقبة فاصلة في تاريخ مصر الحديث والمعاصر بعد رحيل الاحتلال الإنجليزي، وافتتاح مصر لحركة تحررها الوطني، وحاجة هذه المرحلة وما يحيط بها إلى فكر جاد يؤسس لقيم العقل والعمل معًا.

 

وهو الأمر الذي لم يكن من الرجل بحال، فعلى العكس من ذلك يمكن أن يعد أنيس منصور واحدًا من أعمدة التأسيس لثقافة الخرافة، والوهم وتوطين التفكير غير العقلاني، مع أنه كان دائم المفاخرة بأنه ابن بار للفلسفة، وهي ضد هذا النمط من الثقافة.

 

لقد كتب أنيس منصور مجموعة من الكتب رسخت لهذا النمط المدمر من الثقافة، ولا سيما في أوساط كثير من الشباب مدفوعًا بالهالة الإعلامية التي طالما أحاطت بالراحل من قبل الإعلام الحكومي؛ بسبب دفاعه عن التطبيع مع الكيان الصهيوني.

 

لقد كتب الرجل: (أرواح وأشباح)، و(الذين عادوا إلى السماء)، و(الذين هبطوا من السماء)، و(لعنة الفراعنة)، وهي جميعًا تخدم هذا الباب المدمر الذي يوشك أن يجاهر بموقف معاد للقدر الإلهي المهيمن على الحياة.

 

ويؤازر ذلك ما خلَّفه الرجل من كتابات في أدب التسلية، وأدب التسلية بما هو أدب ترفيهي قديم معروف، وأهدافه النفسية والسياسية والاجتماعية والتعليمية معروفة أيضًا بما هو فرع من فروع شجرة الأدب الساخر، ولكن ما خلفه أنيس منصور في هذا المجال كان أشبه شيء بقوائم النكات والمضحكات الخالية في الغالب من التخديم على القضايا النفسية والاجتماعية والسياسية وغيرها.

 

لقد كتب الرجل (الكبار يضحكون) فكان عبارة عن قائمة مطولة تجمع نكات عدد كبير من الشخصيات التي عرفها، والتقاها.

 

واجتماع الفكر الخرافي، وأدب التسلية الفاقد الهدف والقيمة لا يرقى بصاحبه إلى أن يكون كاتبًا كبيرًا أو معلمًا للعقل المصري في هذه المرحلة تعيينًا.

 

4- ماذا يتبقى من أنيس منصور؟!

 

إن ما مر من كون الراحل من أئمة المطبعين مع الكيان الصهيوني، ومن كونه من أعمدة دعم ثقافة الخرافة والوهم كان كافيًا بأن يسقط اسمه، ولكن خدمة النظام السياسي أتاحت للرجل حضورًا إعلاميًّا قدمه للناس مفكرًا مرموقًا.

 

وقد ساندت الأنظمة الرجل وأعطته ثمن مناصرته مواقفها فسبق إلى الجائزة الأعلى رسميًّا في مصر 2001م، وتدخلت الحكومة لتؤخر ترقية العلامة الراحل الدكتور شوقي ضيف، وهو مثال على سرقة مصر، وإدخالها بيت التيه عن عمد!

 

ولكن ذلك كله لا يحملنا على ألا نكون منصفين، ولا سيما أننا نكتب وقد صار الرجل تاريخًا، وأننا نصدر في تقييمنا لمنجزه الفكري عن تصور إسلامي وهو التصور الذي يحرص على الإنصاف والموضوعية.

 

وبالإمكان أن نقرر أن ثمة أمورًا صالحة للبقاء مما أنجزه الرجل، وفيما يلي محاولة لبيان بعض هذه الأمور:

 

أولاً: إسهامه في الترجمة إلى العربية:

 

عرف أنيس منصور بإتقانه عددًا من اللغات الأوروبية، والحق أنه نقل عددًا من الكتب المهمة عن هذه اللغات، وقد تركز غالبها في الفلسفة، ولا سيما في الفلسفة الحديثة والمعاصرة.

 

ولعل أهم ما نقله الرجل تمثل في ترجمته كتاب: (العظماء مائة وأعظمهم محمد صلى الله عليه وسلم)، وهو نموذج جيد لما ينبغي أن ينشغل به المثقفون المنتمون. وفي هذا السياق يثمن أبناء الصحوة الإسلامية، وعموم المثقفين المنتمين لهوية هذا الوطن، العمل باعتباره علامة مضيئة في تاريخ الرجل الفكري والثقافي.

 

ولكنهم سيقفون طويلاً أمام رفضه ترجمة كتاب بروتوكولات زعماء صهيون، خوفًا أو خدمة للفكرة التطبيعية مع هذا الكيان المجرم.

 

ثانيًا: إسهامه في أدب الرحلات:

 

ترك أنيس منصور عددًا من الكتابات في أدب الرحلة من مثل: (حول العالم في 200 يوم) و(أعجب الرحلات) وغيرها.

 

وأدب الرحلات فن قديم استثمر قديمًا في خدمة السياسة الإسلامية وصدرت أدبياته قديمًا عند المسلمين عن تصور إسلامي مدعوم بالدعوة إلى السياحة في الأرض والسعي في مناكبها، واكتشافها، والتعرف على شعوبها.

 

 وبعض من هذا ظاهر في المحاولات المعاصرة في هذا المجال، مضافًا إليها السعي نحو خدمة وظائف أخرى متنوعة؛ منها: الوظائف المعرفية، والتعليمية، والوجدانية.

 

وبعض كتابات الرجل في هذا الميدان لا تخلو من نفع، ولكنها عند مقارنتها بالمحاولات الموازية لها زمنيًّا يحكم عليها بتراجع قيمتها.

 

وإذا كانت فلسفة أنيس في الكتابة في أدب الرحلة عنده تعتمد قضية الإدهاش والإغراب مدخلاً لتحقيق المتعة النفسية والعقلية، فإن ما كتبه الدكتور محمد المخزنجي مثلاً على امتداد زمني طويل نسبيًّا وجمعه في كتابه الممتع: (جنوبًا وشرقًا: رحلات ورؤى) يوقفنا على فارق ما بين المثقف المنتمي للوطن الذي يستجلي أهدافًا ظاهرة النفع، وهو ما يظهر في حالة المخزنجي، وبين المثقف الذي يتغيا الإدهاش والإغراب بلا قيمة موجهة، وهو ما يظهر في النموذج المقابل!

 

ثالثًا: التراجم للمعاصرين:

 

لقد كان لاقتراب أنيس منصور من النظام الحاكم في حقبة السادات ومن جاء بعده بدرجة أقل- أثره في معرفة الرجل لعدد كبير من أعلام مصر في المجالات المختلفة.

 

وهذه المعرفة نافعة فيما قدمه من معلومات تاريخية حولها، تسهم في كثير من المجالات، ويمكن اعتبارها نوعًا من التراجم لهؤلاء الرجال ولا سيما في ظل تراجع المصنفات في تراجم المعاصرين عمومًا.

 

لقد ترك الرجل الكتب التالية: (عاشوا في حياتي)، و(في صالون العقاد كانت لنا أيام)، وهي كتب تراجم في بعض زوايا النظر إليها.

 

صحيح أن هذين الكتابين صدرا باعتبارهما من أدب السيرة الذاتية، ولكنهما نافعان فيما يقدمانه من معلومات حول عدد من المفكرين والمثقفين والعلماء والساسة المعاصرين؛ شريطة أن تصح مروياته عنهم، ولا سيما وأن هناك من يتهمه بالكذب فيها.

 

لقد رحل أنيس منصور، وخرج الإعلام على الناس ينعاه حاشدًا في هذا النعي أوصافًا كثيرة، أرجو أن يفحص أمرها السامعون وألا يصرفهم أمر بكاء الرجل عن تقديره سهمته في الثقافة المصرية المعاصرة ونحن نستقبل عصرًا جديدًا يحتاج إلى الوقوف على حدود التمايز بين الرجال والمؤسسات والانتماءات.

 

----------------------------

كلية الآداب- جامعة المنوفية