ها هي خارطة المرشحين لمجلس الشعب قد اكتملت، وها هم المرشحون الجادُّون قد بدءوا حملاتهم الدعائية، حتى قبل أن يفتح لها الباب رسميًّا.. نحن إذن أمام مشهد جديد لمصر الثورة.
لقد خطونا خطوةً مهمةً على طريق ديمقراطية 25 يناير.. المهم أن تكتمل هذه الخطوة بالوصول إلى يوم الانتخابات، ومن ثم إعلان النتائج؛ ليعرف كل حزب عدد نوابه في المجلس، ولنبدأ في اختيار الهيئة التأسيسية لصياغة دستور مصر الجديد.
سعدت- كما سعد الملايين غيري- بتأكيد المجلس العسكري التزامه بإجراء الانتخابات التشريعية في موعدها، وتعهُّده بتوفير الحماية الكافية لها، لكنني لا أجد مبرِّرًا للمجلس العسكري لتجهيل موعد الانتخابات الرئاسية التي هي بيت القصيد بالنسبة للمصريين، حتى لو نزع الدستور الجديد بعض أو معظم صلاحيات الرئيس المعروفة، أو غيَّر شكل النظام السياسي.
يتحجَّج المجلس العسكري في تجهيله لموعد الاستحقاق الرئاسي، بترتيب الخطوات الديمقراطية التي تبدأ بانتخابات مجلسي الشعب والشورى، ثم تكوين لجنة الدستور، ومن ثم الانتهاء من صياغة الدستور، وأخيرًا انتخاب رئيس الجمهورية، وفق الشكل الذي سيرسمه الدستور الجديد للرئيس وسلطاته، وهذا أمر عجيب لم ينص عليه الإعلان الدستوري الذي يحكمنا حاليًّا، والذي سبق للشعب إقرار أهم مواده في استفتاء 19 مارس!!، بل الصحيح أن الإعلان الدستوري تضمن العديد من المواد المتعلقة بمهام رئيس الجمهورية وطريقة انتخابه، بدءًا من المادة 25 التي تحدد مهام رئيس الجمهورية، ثم المادة 26 التي تحدد شروط المرشح الرئاسي ومواصفاته، ثم المادة 27 التي تحدد شروط الترشيح ومتطلباته، والمادة 28 التي تحدد طبيعة لجنة الانتخابات الرئاسية ومهامِّها، والمادة 29 التي تحدد مدة الرئاسة وتقصرها على مدتين فقط، والمادة 30 التي تحدد القسم الرئاسي، والمادة 31 التي تحدد نواب الرئيس، والمادة 59 التي تمنحه حق فرض حالة الطوارئ..
وهذا يعني بداهةً أن من وضع تلك النصوص كان مدركًا أن الانتخابات الرئاسية ستتم خلال فترة وضع الدستور الجديد، أو حتى ربما قبله؛ بدليل أنه تحدث عن كل الأمور المتعلقة بالرئيس ومهامه وطريقه انتخابه، وحتى لو تعلَّل البعض بأن الدستور الجديد قد يغيِّر شكل النظام السياسي إلى برلماني أو شبه رئاسي ففي هذه الحالة يمكن للجنة صياغة الدستور وضع نص انتقالي يتيح للرئيس المنتخب إكمال مدته، وتطبيق النظام الجديد في الانتخابات التالية، أو قصرها على سنتين فقط مثلاً، ومن ثم لا يمكننا أن نجد مبررًا لتأجيل الانتخابات الرئاسية إلى ما بعد صدور دستور جديد؛ ذلك أن هذا التأجيل غير المبرر يفتح بابًا واسعًا للشك في نوايا المجلس العسكري للاستمرار في السلطة لفترة أطول وربما لفترات ممتدة، كما فعل أسلافهم من قبل، رغم أن قادة المجلس جدَّدوا تعهُّدهم أيضًا بألا يتكرر ما حدث عام 1954، لكننا نريد أفعالاً لا أقوالاً.
رصيد الحب والتقدير للمجلس الأعلى يكاد ينفد؛ بسبب هذه المماطلة غير المبررة لتحديد موعد انتخابات الرئاسة، وأجواء الثقة القائمة بين الشعب والمجلس على المحك الآن، ونرجو القادة العظام ألا يعطوا فرصةً للشك أن يكبر، ولا للشيطان أن يتدخَّل، ونؤكد لهم أن تحديد موعد للانتخابات الرئاسية خلال فترة وضع الدستور سيهدِّئ الخواطر ويقرّ العيون، ويُطمئن المستثمرين، ويقطع دابر الفاسدين والمنفلتين والبلطجية، وسيعيد الاستقرار والأمن إلى ربوع البلاد.