مصر أرض البشارات القرآنية؛ فقد وصفها العليم الخبير بالجنات والعيون، والمقام الكريم،  وأرض الكنوز (فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58)) (الشعراء)، ثم يؤكد الله ذلك بعدها في سورة "الدخان" ويزيد عليها وصفها بأرض النعم المبهجة.. (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27)) (الدخان)، وهي نعم وثروات لم تنتهِ بهلاك فرعون؛ فهي باقية في الأرض يرثها المقسطون (كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (28) (الدخان).

 

لذلك ستنهض مصر حتمًا؛ لأن بها من الإمكانات المادية والبشرية والثروات من بعد البشائر القرآنية ما يجعلها دولةً متقدمةً في صدارة الدول إن أتيح لها نظام عادل يخرج أحسن ما في الشعب المصري؛ فقد كانت مصر منذ الأزل البلد الذي يتفاخر به الملوك (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (51) (الزخرف)، وقد سماها يوسف "الأرض" وسمى مواردها "خزائن الأرض" (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)) (يوسف)، ومصر كانت سلة غذاء الإمبراطورية الرومانية، وقد وصف رسول الله شعبها بأنه "قوة لكم وبلاغ إلى عدوكم".

 

والشعب المصري كان- ولا يزال- صاحب أعظم الإنجازات التاريخية منذ بناء الأهرامات إلى حفر قناة السويس، مرورًا بالقضاء على الاكتساح التتاري للعالم، وإنهاء الاحتلال الأممي الصليبي في الشام، وانتهاءً بتحقيق أعظم نصر عسكري في التاريخ الحديث في حرب أكتوبر 1973م، ومؤخرًا أبهر العالم بثورته في يناير 2011م؛ حيث صهر الثورة بالأخلاق النبيلة والشجاعة العظيمة، حتى قال زعماء أوروبا: "لا شيء جديد.. فالمصريون يصنعون التاريخ".

 

سينهض الشعب المصري؛ لأنه ليس فقط من بدأ التاريخ، وأبدع الحضارة للبشر، ولكنه أيضًا من أسَّس الفنون والصناعات، وعرف العلوم بأنواعها، وفي التاريخ الأوسط لم تزدهر حواضر الخلافة العثمانية إلا بعد أن حُشد الصناع والحرفيون المصريون في تلك الحواضر؛ فازدهرت، وكل ما تحتاجه مصر الآن هو حكم صالح وخطة قويمة، يكون بدايتها بناء الإنسان المصري على أسس سليمة، واضعين في الاعتبار أن كل خطة- مهما كانت محكمةً ومعبرةً عن آمال الشعب- لا يمكن لها أن تنجح إن لم يتوفر لها من ينفِّذها من أصحاب الضمائر الوطنية الحية والأخلاق الرفيعة.

 

ونحن نعتقد أن الإسلام كمنهاج حياة هو أفضل المناهج على الإطلاق في بناء هذه الضمائر الحية التي ترقب الله وتنشد رضاه، ونحن نعرف أن بمصر من العقول والقدرات ما يكفل لها النهضة والرفعة على نحو فريد؛ إن توفر لعونهم وتنفيذ مخططاتهم الوطنية جيلٌ لا يرجح مصالحه الشخصية فوق مصلحة الوطن، ولا ينحرف بهذه الخطط عن أهدافها العظيمة.

 

ومن أجل ذلك كانت ثقتنا في منهج الإسلام كمنهج لبناء الإنسان المصري الحديث الذي يؤسس لبناء نهضة وطنه بكل عزيمة وإخلاص، ويكون أمينًا على مقدَّراتها؛ حيث لا يبدأ بناء الوطن إلا ببناء الإنسان الصالح.. (إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ (26)) (القصص).

 

سينهض الشعب المصري حتمًا؛ لأن طبيعته المؤمنة المتعلقة بالتدين السمح ستُنجح أي برنامج يعد لبناء الإنسان المصري على مرجعية الإسلام وشريعته الحنفاء.

 

إن أي بناء للنهضة لا يبدأ ببناء الإنسان محكوم عليه بالفشل، ولذلك بدأ حزب الحرية والعدالة برنامجه بوضع منظومة شاملة لبناء الإنسان المصري، وإعادة تأهيله لحمل النهضة، ولا عجب أن تأتي المرجعية الإسلامية في صدارة البرنامج لأجل هذا الهدف السامي.

 

فالمرجعية الإسلامية تطلق طاقات الشعب الإيمانية، والدين هو مفتاح شخصية الشعب المصري، والشريعة هي الضامن لإطلاق الحريات المسئولة في ضوء القاعدة الشرعية.. "لا ضرر ولا ضرار".

 

والشريعة الإسلامية هي الكافل لتطبيق العدالة الاجتماعية التي كانت إحدى منطلقات ثورة 25 يناير، ويُعنى بـ"العدالة الاجتماعية" النظم والخطط العملية التي تعمل على القضاء على المرض والفقر والجهل ومحاربة الأمية وتنظيم العلاقة بين صاحب العمل والعمال، ووضع النظام الضريبي الذي يحدِّد العلاقة بين صاحب المال والدولة من أجل العدالة في تقديم الدعم وتوزيع الثروة القومية ورعاية الفئات المهمَّشة وأصحاب الاحتياجات الخاصة، والمساواة الكاملة أمام القانون دون تمييز بين الأعراق أو الأديان.

 

ستنهض مصر لأن أبناءها- الذين ما اتجهوا وجهةً خارجها إلا نجحوا وتفوقوا واحتلوا المكانة المرموقة- قادرون اليوم على أن ينجزوا النجاح داخلها؛ ما توافر لهم النظام العادل الصحيح، وما وجدوا المناخ الملائم للعمل والإنجاز والمكافأة عليه.

 

ستنهض مصر بعون الله؛ لأن الشعب الذي أراد إسقاط النظام فأسقطه سيبني نهضته بما أودعه الله من قدرات ومواهب وما أودعه في أرضه من كنوز وجنات، وبما أنعم عليه من إرادة وعزيمة، وبما جبله عليه من حب لله وإيثار لسماحة الدين.