في إطار التوعية السياسية الواجبة، اليوم، من أجل استنفار همم كل فئات الشعب المصري وطوائفه، بُغية الوصول إلى تقوية المشاركة السياسية في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ مصر، أطرح اليوم قضيةً مهمةً حول المشاركة السياسية قبل الثورة وبعدها، والأسباب التي أدت إلى ضعف المشاركة السياسية وعزوف فئات من المواطنين عن المشاركة بقوة، وفي بعض الأحوال يكون العزوف كاملاً، وعن صور المشاركة وتقويتها.

 

في مرحلة ما قبل ثورة الشعب المصري؛ حيث كان ضعف المشاركة من أغلبية المواطنين عن المشاركة السياسية هو السمة الغالبة على الحياة العامة، وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن أكثر من 23% من المواطنين الذين لهم حق التصويت والحق في الترشح كانوا غير مقيدين بالجداول الانتخابية عام 2005م، ومن ثمّ كانوا خارج العملية الانتخابية، وبلغ عددهم في ذلك الوقت أكثر من 9 ملايين مواطن مصري له الحق في الانتخاب والتصويت لكنه بإرادته قرر أن يبقى خارج المستطيل السياسي، ويبقى77% من إجمالي مَنْ له حق التصويت هم فقط الذين يُشكلون الهيئة الانتخابية في جمهورية مصر العربية.

 

وفي آخر انتخابات نيابية تصلح نتائجها أن تكون محل نظر ودراسة وتحليل من قبل الباحثين- وهي انتخابات مجلس الشعب 2005م- بلغ عدد من أدلى بصوته خلال المراحل الثلاثة 8116931 مليون مصوت، بنسبة بلغت حوالي 25% من المسجلين بالجداول الانتخابية، وتنخفض النسبة إلى 20% ممن لهم حق التصويت، وهذا يعني أنّ أربعة أخماس الشعب المصري الذين لهم حق التصويت والمشاركة في العملية الانتخابية والممارسة السياسية يعزفون عن المشاركة، ويقاطعون السياسة والانتخابات، والمؤسف أنّ المشاركة في العملية الانتخابية تقل كثيرًا في الأوساط والشرائح المتعلمة وذات الدخل المتوسط والعالي، ويزداد في أوساط الفقراء وأنصاف المتعلمين نظرًا لأنهم الفئات الأكثر احتياجًا إلى خدمات أعضاء البرلمان وحمايتهم، وهذا يعني غلبة التصويت المصلحي الخدمي.

 

ولك أن تدرك خطورة الأمر، وتدني المشاركة السياسية في أبسط صورها- التصويت في الانتخابات البرلمانية- حيث بلغت المشاركة في محافظة الإسكندرية في انتخابات 2005م نسبة 13,3% من المقيدة أسماؤهم في الجداول الانتخابية، ويبقى 87% خارج إطار المشاركة السياسية.

 

وأرجعُ أسباب ذلك إلى طبيعة النظام الحاكم السابق؛ حيث اتسم بالعنف والقهر والتترس بالإجراءات البوليسية القمعية، وحرمان غالبية الشعب من حقوقه الأساسية، وممارسة أدوات الضغط، وممارسات القهر والاستبداد على كل صاحب رأي، وتجفيف منابع الممارسة الصحيحة للحقوق السياسية.

 

كذلك شعور الشعب بصعوبة الإصلاح وضعف الأمل في التغيير السلمي عبر صناديق الانتخابات، وكثرة العقبات والعراقيل القانونية والاقتصادية والاجتماعية التي تحول دون تفاعل غالبية الشعب وانخراطه في الممارسة السياسية.

 

ومنها ما كان يحدث داخل أسوار الجامعة من حرمان الطلاب من أبسط حقوقهم السياسية وهو حق الترشح لعضوية الاتحادات الطلابية؛ حيث كانت الكلمة الأولى والأخيرة في تحديد من يترشح ومن يسبعد من الترشيح بيد أمن الدولة، وتحول قيادات الجامعة إلى منفذين لسياسة الأمن في الجامعة، فأين سيتعلم شباب مصر الممارسة الصحيحة لحقوقه السياسية؟
وكيف ينمو شعورهم الوطني وحسهم القومي الذي يعمق في نفوسهم قيم الولاء وحب الوطن والتفاني في خدمته وبذل غاية الجهد في سبيل رفعته وتقدمه؟

 

وقد نشأ تحالف وتزاوج بين الفساد والاستبداد في تلك الفترة المؤلمة من تاريخ مصر، وشاعت ثقافات سلبية مخيفة رسخت معاني السلبية في نفوس الكثيرين، منها ثقافة التزوير والتضليل، وثقافة الفهلوة والبلطجة، وثقافة اليأس والإحباط، وثقافة الرأي الواحد والحزب الواحد، وهو حزب الحكومة وحكومة الحزب، واختزال الوطن في شخص الرئيس، وثقافات أخرى أثرت في مسيرة الأمة، وأوجدت حالة من العزوف الجماعي عن المشاركة السياسية.

 

ومن أسباب ضعف المشاركة السياسية وخاصة لدى الشباب سيطرة شعور أنهم مهمشون في بلادهم، غرباء في وطنهم، ليس هناك أمل في تغيير الأوضاع يلوح في الأفق، ويغلب عليهم مشاعر الانسحاب من هموم الوطن، وأنه لم يعد يخصهم ولم يعودوا ينتمون إليه، فهي بلد الكبار، بلد الرئيس والمحاسيب، وهكذا تفقد البلاد جهود الشباب وطاقاتهم.

 

ومن أسباب ضعف المشاركة السياسية تأثر المواطنين بالأوضاع الاقتصادية، ولا شك أن احتياج الإنسان وفقره وعجزه عن الوفاء بمتطلبات الحياة يجعله ينصرف عن الاهتمام بقضايا البلاد السياسية وينصرف عن المشاركة فيها، وهذه كانت خطة محكمة من قبل الحكومات الفاسدة.. إشغال الشعب بهمومه ومشاكل لقمة العيش حتى ينصرف عن المشاركة في الحياة السياسية، ولا يفكر إلا في لقمة العيش.

 

لقد لاحظتُ عزوف فئات مهمة من المصريين عن المشاركة في الحياة السياسية والانشغال بالقضايا العامة التي تخص المجتمع، مثل بعض الأكاديميين ورجال المال والاقتصاديين؛ على الرغم من تمتعهم بإمكانيات وقدرات تؤهلهم للمشاركة الجادة في الحياة السياسية إلا أنهم عازفون عنها ترفعًا أو خوفًا من تعرضهم لبطش السلطة حال الاختلاف في الرأي معها، وترتب على ذلك اجتنابهم العمل السياسي.

 

أما في الحالة الراهنة فقد غضب الشعب المصري غضبته وكانت ثورة عظيمة أعادت له الاعتبار، وردت إليه الأمر، ونفضت عنه غبار هذه الثقافات السلبية البغيضة، وصار الشعب سيد قراره ومصدر السيادة والسلطات.

 

مصر اليوم على عتبات مرحلة جديدة، تبدأ مرحلة تأسيس دولة عصرية تليق بتاريخ مصر شعبًا وحضارةً وقيمًا، هذه المرحلة مشحونة ببرنامج عظيم وقد عبَّر الشعب عن أحلامه وتطلعاته وآماله خلال ثورته المجيدة، وأعلن عن مشروعه الأكبر "مصـر الحديثة" من خلال الملايين التي تجاوزت الثمانية عشرة في 19 مارس، ورسم خارطة الطريق وخطوات التنفيذ ومراحله، والتي تمثلت في:

* بناء المؤسسات النيابيـة- مجلسي الشعب والشورى- عبر انتخابات حرة نزيهة تتم بإشراف قضائي كامل.

* تشكيل حكومة وطنية منتخبة من الشعب تعبِّر عنه وتخضع لسلطانه، وتدين له بالولاء الكامل.

* تشكيل لجنة تأسيسية منتخبة من قبل نواب الشعب المنتخبين لوضع دستور جديد يليق بمصـر الثورة والحضارة، ويلبي أهداف ثورة الشعب المصري، ويتجاوب مع طموحاته.

* انتخاب رئيس للبلاد يعمل لمصلحة مصـر فقط وشعبها الأبي، ويكون خاضعًا لإرادة الشعب وسلطانه، ويدين له بالولاء الكامل.

 

وهذا ما أُعيـد تأكيده مرة أخرى في الإعلان الدستوري الصادر في 30 مارس.

 

مصر على اعتبات التغيير المنشود:

 

نعم هذا وقت البناء وتأسيس مصر الحديثة، وتحقيق الإنجاز الحضاري الذي يتطلع إليه الجميع ويترقبه العالم بأسره، ولا يقوم به إلا الشعب المصري بكلِّ أبنائه وأحزابه وقواه وأطيافه ومكوناته.

 

إن هذه المرحلة تستدعي بل تستوجب تعظيم دور المشاركة السياسية من جميع المواطنين، وإن من أعظم ثمرات الثورة أنها نقلت غالبية الشعب المصري من مدرجات المتفرجين إلى ميادين الفعل ومضامير العمل وصنع القرار، وصار الشعب حاضرًا وفاعلاً يعبِّر هو عن نفسه، ويُسْمِع الجميع صوته ويفسح للجميع عن إرادته الغلاَّبة، كلما لزم الأمر واحتاج الموقف.

 

وأتوجه بندائي إلى أبنائي الشباب: إنّ المشاركة في صياغة مستقبل مصر وتأسيس دولتها الحديثة واجب وطني، لا يصح التخلي عنه أو التقاعس عن القيام به.

 

وأود التأكيد على نقطتين مهمتين، وهما: أنَّ الديمقراطية ممارسة قبل أن تكون مدارسة وملاسنة، وأنها ثقافة وقيم يتربى عليها الناس ويمارسونها في حياتهم سواء داخل البيت أو داخل الأسرة أو المدرسة أو الجامعة أو الأندية أو النقابات العمالية والمهنية أو الروابط الحرفية قبل المجالس النيابية.

 

وأنّ الديمقراطية مناخٌ وبيئة تسعى الدولة إلى توفيرها، وبذل ما تملك من أجل ترسيخها في وجدان وعقول وقناعات المواطنين والمسئولين قبل أن تكون شعارات وأغانٍ وعناوين، الجائع لا يشبع على رائحة الطعام الشهي، بل يشبع بلقيمات يقمن صلبه، والظامئ العطشان لا يرتوي بسماع خرير الماء والحديث عن هطول الأمطار بل ببسط كفيه إلى الماء غَرْفًا مِنَ البَحْرِ أَوْ رَشْفًا مِنَ الدِّيَمِ.

 

وهذه مسئولية الجميع، رجالاً ونساءً، شبابًا وشيوخًا، مثقفين ونخبة، مفكرين وساسة وقادة رأي، علماء دين وإعلاميين ومعلمين، هذه مسئولية كل مصري، فلن يبني مصر إلا المصريون.

 

النقطة الثانية:

 

إنّ المشاركة السياسية لها صور متعددة ومتنوعة، ومن الخطأ اختزالها في صورة التوجه إلى صناديق الانتخاب والإدلاء بالصوت، إنما نعني بالمشاركة السياسية القيام بالواجبات وممارسة الحقوق من أجل صياغة مستقبل البلاد، وتحقيق مستوى طيب من العيش، ونمط رشيد من الحكم، وطريقة جيدة من الحياة التي يتمناها الإنسان ويسعى إليها.

 

والمشاركة السياسية تعني في أبسط تعريفاتها إسهام المواطن في ممارسة حقوقه المدنية والسياسية، ابتداء من المشاركة في إعمال الخدمة العامة والرُّقي بالمجتمع، إلى الاهتمام بالمشاركة في الأحزاب السياسية والانخراط في أنشطتها العامة وحضور فعالياتها سواء في الانتخابات أو بعدها، وصولاً إلى المشاركة في تولي المناصب السياسية والمراكز القيادية، والمساهمة في صنع واتخاذ القرار السياسي.

 

ونقطة البداية هي التأكيد على حرية التعبير عن الرأي بشتى الطرق والوسائل المشروعة، وعلى سُلم الحقوق السياسية التي تثري المشاركة السياسية وتقويها، يأتي حق الجميع في ممارسة العمل الوطني والخدمة العامة من خلال الانضمام والمشاركة في الأنشطة الاجتماعية من خلال الجمعيات الأهلية، والاتحادات الطلابية، والنقابات المهنية، والروابط العلمية، والأندية الرياضية، ومن شأن ذلك أن يزيد من شعور المواطن بالانتماء والرغبة في العمل العام، والاهتمام بشئون المجتمع وقضاياه.

 

وحق الإنسان في المشاركة الإيجابية في العمل السياسي من خلال الإقرار بحقِّه في تكوين وتأسيس الحزب الذي يلبي طموحاته ويتجاوب مع متطلباته ويحقق قناعاته، وكذلك حقه في الانضمام إلى الحزب الذي يحقق له ما سبق ذكره.

 

وحقه في الترشح للمجالس النيابية لتمثيل جموع المواطنين الذين يثقون فيه، وحقه في الانتخاب واختيار من يرغب في تمثيله.

 

لقد بدأت الخطوات الأولى لبناء مصر الحديثة وصار متاحًا أمام كل المواطنين أن يشاركوا في العمل السياسي وينخرطوا في العمل الحزبي، ويشاركوا في العملية الانتخابية سواء مرشحين أو ناخبين، وأمامهم عدد كبير من الأحزاب السياسية التي تشمل جميع التيارات الفكرية والسياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وتتنوع هذه الأحزاب لتعبر عن جميع التيارات الإسلامية والقومية واليسارية والليبرالية، بل داخل كل تيار توجد أحزاب تعبر عن جميع المدارس المنضوية تحت هذا التيار أو ذاك.

 

هذا التنوع غير مسبوق في الحياة السياسية المصرية، ومن شأنه أن يُثري المشاركة السياسية، ويدفع الأغلبية من المواطنين إلى المشاركة الإيجابية في الحياة العامة، وهذا ما نأمله في المرحلة الراهنة التي تتطلب تكثيف مشاركة المواطنين في العمل الوطني والحياة السياسية- ولم يعد لأحد عذر أو مبرر للعزوف عن المشاركة.

 

هذه حزمة متناسقة من صور المشاركة السياسية التي هي جوهر الديمقراطية، بلادنا وحياتنا تحتاج إليها جميعًا، ونحن نسعى إلى عهد جديد ومصر حديثة.