هل تفرِّق الانتخابات بين الإسلاميين بعد أن وحَّدهم استفتاء التعديلات الدستورية في مارس الماضي؟!

 

هذا هو السؤال المطروح، وإن شئت الدقة هذا هو الهاجس الذي يسيطر على الكثيرين من أبناء التيار الإسلامي في الوقت الحاضر.

 

كان الإسلاميون جميعًا- من أقصى الاعتدال إلى أقصى التشدُّد- يدًا واحدةً عقب نجاح الثورة في لحظة تاريخية فارقة، وفي مشهد لم يسبق له مثيل على مدار العقود الماضية التي نجح نظام مبارك خلالها في أن يفرِّق بين الأخ وأخيه، والجماعات والحركات الإسلامية، ويستعمل بعضها ضد بعض، حتى وجدنا فرقًا وطرقًا وجماعاتٍ تمثل جناحًا دينيًّا لذلك النظام، تتحدث باسمه، وتدافع عن سياساته "وكله بالنصوص الشرعية"، ولكن الثورة التي وحَّدت المصريين خلال أيامها الثمانية عشرة، وحَّدت أيضًا بصورة دراماتيكية بين القوى الإسلامية، التي بدت ككتلة واحدة لبعض الوقت، خصوصًا قبيل وخلال وعقب استفتاء التعديلات الدستورية، وتمكنت هذه القوى- بفضل تماسكها- من حشد الرأي العام خلف تلك التعديلات حتى حصلت على نسبة 78% من المؤيدين.

 

أتذكَّر أن المحاولة اليتيمة لتوحيد القوى الإسلامية تحت راية اتحاد الجماعات والجمعيات الإسلامية نهاية السبعينيات ومطلع الثمانينيات، والذي كان يشارك فيه معظم أو كل رؤساء الجمعيات الإسلامية، وترأَّسه الراحل عمر التلمساني، مرشد الإخوان الأسبق؛ ذلك الاتحاد الذي لم يعمّر طويلاً بسبب خوف السادات من نفوذه بعد أن دعمه في البداية لمساندته في مواجهة الشيوعيين، ومنذ تلك التجربة دخلت فصائل العمل الإسلامي في مشاحنات بفعل فاعل، وهو فاعل معلوم للجميع.. إنه جهاز أمن الدولة الذي قام بالوقيعة بين تلك الحركات والجماعات، يضرب بعضها ببعض، ويغذي الخلافات الفقهية والفكرية البسيطة بينها حتى تصبح حائطًا منيعًا ضد أي تقارب!!.

 

الآن ومع فتح باب الترشيح لانتخابات مجلسي الشعب والشورى، ومع تحرك بعض القوى السياسية لتكوين تحالفات انتخابية لخوض تلك الانتخابات، ومن ذلك التحالف الديمقراطي الذي قاده حزب الحرية والعدالة، والذي كان يضمُّ معه أيضًا كل- أو معظم- الأحزاب الإسلامية، إلى جانب بعض الأحزاب الليبرالية واليسارية، عند هذه اللحظة بدا أن القوى الإسلامية حافظت على تماسكها، ولكنَّ الفاهمين لطبيعة التنافس السياسي كانوا يدركون مبكرًا أن هذا التحالف قد لا يدوم طويلاً؛ إذ ستسعى كل جماعة أو كل حزب لزيادة حصته من المقاعد في قائمة التحالف، وسيصطدم ذلك برغبات أحزاب وقوى أخرى ترى نفسها الأجدر والأكبر، وهو ما حدث فعلاً.

 

فعند الاختبار العملي المتمثل في وضع القوائم وتحديد نسب كل حزب فيها، ظهرت الخلافات والانسحابات، وهنا شعر المخلصون الطيبون أن ما حدث هو فتنة بين أبناء التيار الإسلامي، وأن نتيجتها ستكون لصالح المنافسين من اتجاهات أخرى، وكما ذكرت سابقًا فهذا الخلاف ينبغي أن ينظر إليه باعتباره أمرًا طبيعيًّا في ظل حالة ديمقراطية وتعددية سياسية وتنافس انتخابي يسعى فيه كل طرف إلى أن يبسط بضاعته على الناخبين الذين سيحدِّدون في النهاية قوة كل طرف وحجم تمثيله في البرلمان، ومن هنا وجب عدم الانزعاج لحالة الاختلاف القائمة حاليًّا، فمصر بكل أحزابها، بما فيها الأحزاب الإسلامية، تخطو خطواتها الأولى في طريق الديمقراطية الحقيقية، التي وفَّرتها ثورة 25 يناير، وفي ظل هذه الحالة فنحن جميعًا في تجربة جديدة، نتعرَّض فيها للصواب والخطأ، وبالتأكيد سيخرج الجميع من هذه المنافسة بدروس وخبرات مفيدة في المستقبل.

 

الخلاف السياسي والاختلاف على توزيع الحصص في القوائم إذًا هو أمر طبيعي، ولكن غير الطبيعي أن تنجرَّ القوى الإسلامية لمحاولات الوقيعة التي تقودها أطراف إعلامية أو سياسية منافسة، تحاول من خلالها إشعال الحرب بين هذه القوى الإسلامية؛ حتى تصفي بعضها لتخلو الساحة لأولئك المنافسين، وقد شهدنا خلال الأيام الماضية "مانشيتات" عريضة، تمتلئ سمومًا لبعض الصحف المعروفة بعدائها لكل القوى الإسلامية، وليس للإخوان فقط، وهي تحريض واضح لبعض الأحزاب والقوى الإسلامية ضد بعضها عبر اختلاق الأكاذيب.

 

إذا كانت القوى الإسلامية قد عجزت عن التوحُّد في قائمة واحدة لانتخابات الشعب والشورى فالأمل قائم أن يتوحَّد الأعضاء الفائزون من هذه القوى لبناء مصر المؤمنة الديمقراطية العادلة الحديثة، والأمل قائم أن تعود الوحدة الإسلامية مجددًا عند معركة الدستور الكبرى بعد انتهاء الانتخابات، وحين تتحدَّد الأوزان النسبية لكل فصيل في هذه الانتخابات فمن السهل لاحقًا أن يتم التنسيق الانتخابي عبر قائمة موحدة أو أكثر من قائمة.