جاء الإسلام ليهذب أتباعه ويقوم سلوكهم ويرتفع بمشاعرهم ويحلق بها في عالم الطهر والنقاء.. قال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ (151)﴾ (البقرة)، كما اشتمل القرآن الكريم على العديد من التوجيهات والأوامر الربانية التي توضح للمؤمنين كيفية التعامل مع الأعداء والخصوم، وترسم لهم خارطة الطريق في العلاقات الاجتماعية الشائكة.

 

من ذلك قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: من الآية 8)، حيث يخاطب الله تعالى المؤمنين قائلاً لا تحملنكم عداوة قوم على ألا تعدلوا في حكمكم فيهم وسيرتكم بينهم، فتجوروا عليهم من أجل ما بينكم وبينهم من العداوة.

 

يقول الأستاذ سيد قطب: "إن الإسلام جاء ليربط القلوب بالله؛ وليربط موازين القيم والأخلاق بميزان الله، جاء ليخرج العرب- ويخرج البشرية كلها- من حمية الجاهلية، ونعرة العصبية، وضغط المشاعر والانفعالات الشخصية والعائلية والعشائرية في مجال التعامل مع الأصدقاء والأعداء.

 

لقد نهى الله الذين آمنوا من قبل أن يحملهم الشنآن لمن صدوهم عن المسجد الحرام على الاعتداء، وكانت هذه قمة في ضبط النفس والسماحة يرفعهم الله إليها بمنهجه التربوي الرباني القويم، فها هم أولاء ينهون أن يحملهم الشنآن على أن يميلوا عن العدل.. وهي قمة أعلى مرتقى وأصعب على النفس وأشق، فهي مرحلة وراء عدم الاعتداء والوقوف عنده؛ تتجاوزه إلى إقامة العدل مع الشعور بالكره والبغض! إن التكليف الأول أيسر لأنه إجراء سلبي ينتهي عند الكف عن الاعتداء، فأما التكليف الثاني فأشق لأنه إجراء إيجابي يحمل النفس على مباشرة العدل والقسط مع المبغوضين المشنوئين!

 

وما من عقيدة أو نظام في هذه الأرض يكفل العدل المطلق للأعداء المشنوئين كما يكفله لهم هذا الدين؛ حين ينادي المؤمنين به أن يقوموا لله في هذا الأمر؛ وأن يتعاملوا معه متجردين عن كل اعتبار.

 

وبهذه المقوّمات في هذا الدين كان الدين العالمي الإنساني الأخير؛ الذي يتكفل نظامه للناس جميعًا- معتنقيه وغير معتنقيه- أن يتمتعوا في ظله بالعدل؛ وأن يكون هذا العدل فريضة على معتنقيه، يتعاملون فيها مع ربهم، مهما لاقوا من الناس من بغض وشنآن، وإنها لفريضة الأمة القوامة على البشرية، مهما يكن فيها من مشقة وجهاد..".

 

ولقد وعى الإخوان المسلمون هذا الأدب الإسلامي الجم في التعامل مع خصومهم السياسيين أو الدينيين، في الوقت الذي سيطرت فيه مشاعر السخط والعداوة بين الفرقاء السياسيين والوطنيين والدينيين في مصر، وامتلأت صفحات الجرائد والمجلات والكتب بألفاظ نابية وعبارات مبتذلة بين الكتاب والقادة والمفكرين والأدباء وغيرهم، وما المعارك والمساجلات والخصومات الأدبية والفكرية التي اشتعلت بين كبار المشتغلين بالأدب والسياسة والفكر في مصر في النصف الأول من القرن العشرين إلا وجهًا من وجوه هذه العداوات والخصومات.

 

وللأسف تعود هذه الموجة من جديد؛ حيث تشهد الساحة السياسية في مصر كثيرًا من الخصومات السياسية التي يباح معها العداوات والحزازات، وتشيع فيها ألفاظ التخوين والتشويه بين كثير من التيارات السياسية، لذلك آثرنا أن نستدعي هذه الصفحة الناصعة من تاريخ الإخوان لتكون نموذجًا جديرًا بالاحتذاء.

 

لقد أوضح الإمام البنا أنه بالرغم من شيوع العلم والنور والعرفان في ذلك العصر بحيث يمكن بسهولة اطلاع الناس على أعمالهم وكتاباتهم دون فتح باب الظنون والتخرصات والتهم، إلا أن ذلك لم يمنع من شيوع النقائص والرذائل، فما دمت خصمي فإنك تسلبني كل فضيلة، ولا بد أن تحاربني بكلِّ سلاح، وتفكر في كل ما يشينني، وتتلمس ما هو غير موجود.

 

يقول الإمام البنا: في عصرنا عصر النور والعلم والثقافة، ترى الخصومة تبرر تلمس الفرص وترقب العيوب واختراع الذنوب، والحرب بكلِّ سلاح... فرمي الناس بالخيانة أمر سهل، واتهامهم بالمصانعة والمداهنة والمراوغة شيء يسير، وإلصاق أحط التهم ونسبة أخبث الذنوب ليس بذي بال..!! فما أسهل على الخصم تحبير المقالات وإطلاق لسانه بمختلف البذاءات؛ لأن الضمير نائم، والحسد يغري القلوب، والفشل يعمي الأبصار، واليأس يدفع إلى الاستقتال!!.

 

ونحمد الله أن جعلنا أعجز الناس في هذا النوع من الحروب، فنحن نشتغل بإصلاح عيوبنا، ومداواة نفوسنا، وبناء مجتمعنا، وطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، ليس عندنا وقت لتتبع المثالب، وصنع المقالب، ولو عرفنا بلا قصد نقيصة أحد أو عيبًا في إنسان لسترناه؛ لأن الله حيي ستير يحب الحيي الستير.

 

من وصايا الإمام البنا إلى الإخوان

لذا أوصى الإمام البنا الإخوان المسلمين بعدة وصايا، منها ما جاء في رسالة التعاليم: "أن تكون عادلاً صحيح الحكم في جميع الأحوال، لا ينسيك الغضب الحسنات، ولا تغضي عين الرضا عن السيئات، ولا تحملك الخصومة على نسيان الجميل، وتقول الحق ولو كان على نفسك أو على أقرب الناس إليك وإن كان مرًّا".

 

وفي مناسبة أخرى دعا الإخوان إلى أن يكونوا فوق الخصومات الحزبية والغايات الشخصية والمطامع المادية، فقال: "لا تدعوكم الخصومة-أيها الإخوان- إلى إنكار فضل خصومكم، ولا تدعوكم لتلمس العيب لهم، قال صلى الله عليه وسلم: "إن أبغضكم إليّ المشاءون بالنميمة، المتلمسون للبرآء العيب".

 

كذا طال الإخوان بأن يكونوا منصفين لخصومهم مستوحين ذلك من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (وصيتي لكم- أيها الإخوان- أن تحرصوا على شرف الخصومة منصفين لخصومكم، تصوروا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزوة تبوك ففقد أربعة من أصحابه فلم يجدهم، وكان منهم كعب بن مالك فقال: "أين كعب؟" فقال رجل: إن كعبًا ليس رجل حرب ولا قتال، بل هو مترف ألهاه هز عطفيه والنظر في برديه، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم لهذا؛ لأنه تخدشه مثل هذه الكلمات، ثم قال: "معاذ الله، ما علمنا عليه إلا خيرًا".

 

نماذج من الأدب الجم

من النماذج الرفيعة التي قدمها الإخوان في علاقتهم بخصومهم ما قام به الإمام البنا؛ حيث انتقد مقال بعنوان (الإسلام بين أنصاره وخصومه) للأستاذ صالح عشماوي، وقد كان رئيس تحرير مجلة النذير، وذلك بسبب استعماله ألفاظًا نابية وعبارات بعيدة كل البعد عن منهج الجماعة، وعن طريقها في الدعوة إلى الله بالكلمة الطيبة والحسنة رغم دفاع الكاتب عن الإخوان وتفنيده لكل الشبهات التي أثيرت حول الدعوة، وقد أرسلها من معسكر الإخوان بالدخيلة.

 

يقول الإمام البنا مخاطبًا الأستاذ صالح عشماوي على صفحات مجلة النذير: قرأت كلمة النذير بعنوان "الإسلام بين أنصاره وخصومه" وبتوقيع (تلميذ محمد عبده)، فأحببت أن أبعث إليك بهذه الكلمة عاتبًا عليك، فقد كنت أحب أن نلتزم منهاجنا دائمًا، وألا يزيدنا جهل الجاهل علينا إلا حلمًا، وألا يخرجنا عدوان الناس عن خطة الأناة والتثبت والرفق.

 

من منهاجنا- يا أخي صالح- ألا نكشف من ستر عنا خصومته، وألا نهاجم إلا من أبدى صفحته، إننا طبقًا لمنهاجنا لا نود أن نكشف للناس خصمًا ستر خصومته، فلعله يثوب إلى رشده من قريب أو من بعيد.

 

منهاجنا أن نتجافى ونبتعد دائمًا عن هذه الألفاظ النابية التي لاكتها ألسنة الحزبيين وأقلامهم وتداولوها فيما بينهم، ولا نجاريهم أبدًا في مزالق ورطتهم فيها خصوماتهم الحزبية والشخصية، فما لنا ولمثل هذه الألفاظ من مقدس ومحسود وحبيب لدود؟ هذه بضاعة من الكلام لا تنفق في سوق الإخوان المسلمين، ولا تروج في مجتمعاتهم، ولا يحسن أن تجري على ألسنتهم وأقلامهم.

 

ومن منهاجنا ألا يخرجنا العدوان عن موضوع النقاش والجدل والبحث، وألا نصور الحوادث إلا بصورتها في غير إغراق ولا مبالغة، فإنما نريد أن نقاوم في الناس شهوة الطغيان، ونرشدهم إلى النزول على حكم الحقائق، ومتى يصح طب الطبيب إذا جارى المرضى؟

 

ومن منهاجنا- يا أخي- أن نقف ألسنتنا وأقلامنا عن اللفظ المستكره والكلمة النابية والعبارة المبتذلة إلى غير ذلك من الألفاظ المتخيرة والكلمات المهذبة والعبارات القوية، لهذا أعتب على الكاتب في أن خرج في كثير من مواضع كلمته على هذا المنهاج، وأعتب عليك في سماحك بنشر الكلمة على هذه الصورة، وأوصيك بما أوصانا الله به ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: من الآية 8)، على أن الأمر لم يصل بعد إلى الشنآن، فإنما هو جدل صحفي لغاية أن تعرفها، فليكن شعارنا دائما ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199)﴾ (الأعراف).

 

ولقد كنت سررت حين بلغني أن محاميًا فاضلاً أخذ يرد علينا بأسلوب علمي فسرني أن ينتقل الميدان إلى الحقائق والبحث المنطقي، فلما راجعت كلمة حضرته رأيتها عدة أفكار غير مرتبة، وقد اعتمد فيها على السماع تارة، وعلى الاستنباط المبني على استقراء ناقص تارة أخرى، فأسفت له أن زجَّ بقلمه في ميدان لم يتثبت من موقفه فيه، وسألت الله له ولنا وللأمة تمام الهداية وحسن التوفيق، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

 

ليت خصومي كلهم مثل حسن البنا

ولقد دفع هذا الأدب الجم والأخلاق الرفيعة التي كان عليها الإخوان بعض خصومهم السياسيين والفكريين على الإقرار بفضلهم وأدبهم وحسن أخلاقهم.

 

إذ يذكر المعاصرون للشيخ حسن البنا: أنه لما نشر طه حسين كتابه: "مستقبل الثقافة في مصر"، وضمَّنه ما يجب أن تتجه إليه الثقافة في مصر من ضرورة الأخذ بالحضارة الغريبة: خيرها وشرها، حلوها ومرها، هاجت الدنيا وماجت، وتناولت أقلام النقاد الكاتب بين قادح ومادح، ولم يكترث طه حسين بكلِّ ما كتب وصمم على وضع آرائه في الكتاب موضع التنفيذ باعتباره مستشار وزارة المعارف (التربية والتعليم الآن)، وهنا اتصل بعض الغيورين من أصدقاء الشيخ حسن البنا به، وطلبوا منه أن يكتب نقدًا للكتاب، ورد الشيخ حسن البنا بأنه لم يطلع على الكتاب لضيق وقته وكثرة الصوارف، وألحوا عليه في ضرورة قراءة الكتاب، وبيان كلمة الإخوان قبل أن يوضع الكتاب موضع التنفيذ، لا سيما وأنه سيؤدي إلى تغيير جذري في سياسة البلد الثقافية، ولم يكتفوا بذلك، بل أخبروه أنهم حددوا موعدًا لبيان ذلك في دار الشبان المسلمين وطبعوا الدعوات، وكان الموعد بعد خمسة أيام، يقول الشيخ حسن البنا: ولم أكن أستطيع التحلل من مواعيد كنت مرتبطًا بها في خلال هذه الأيام الخمسة، وعليه فما كنت أجد وقتًا لقراءة هذا الكتاب إلا فترة ركوبي الترام في الصباح إلى مدرستي، وفترة رجوعي منها في الترام- وكان يعمل في مهنة التدريس- وقدر الله، وأتيت على الكتاب من أوله إلى آخره؟ لأنه لم يكن كبير الحجم، وكنت أضع علامات بالقلم الرصاص على فقرات معينة، ولم تمض الأيام الخمسة حتى كنت قد استوعبت الكتاب كله، وفي الموعد المحدد ذهبت إلى دار الشبان، فوجدتها على غير عادتها غاصة، والحاضرون هم رجالات العلم، والأدب، والتربية في مصر، ووقفت على المنصة، واستفتحت بحمد الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبجانبي الدكتور يحيى الدرديري السكرتير العام للشبان المسلمين، ورأيت الكتاب كله منطبعًا في خاطري بعلاماتي التي كنت علمتها بالقلم الرصاص.

 

قال: وبدأت أول ما بدأت، فقلت: إنني لن أنقد هذا الكلام من عندي وإنما سأنقد بعضه ببعض، وأخذت- ملتزمًا بهذا الشرط- أذكر العبارة من الكتاب، وأعارضها بعبارة أخرى من نفس الكتاب، ولاحظ الدكتور الدرديري أنني في كل مرة أقول: يقول الدكتور طه في الكتاب في صفحة كذا، وأقرأ العبارة بنصها من خاطري، ثم أقول: ويناقض الدكتور طه نفسه فيقول في صفحة كذا، وأقرأ العبارة بنصها أيضًا من خاطري، فاستوقفني الدكتور الدرديري، وطلب إلي أن أمهله حتى يحضر نسخة من الكتاب ليراجع معي النصوص والصفحات لأنه قرأ الكتاب، ولم يلاحظ فيه هذا التناقض، وكأنه لم يقرأ العبارات التي يسمعها الآن، وجيء له بالكتاب وظل يتابعني، فيجد العبارات لا تنقص حرفًا ولا تزيد حرفًا، ويجد الصفحات كما أحددها تمامًا، فكاد الدكتور الدرديري يجن، كما ساد الحاضرين جو من الدهشة والذهول، والكل يتجه- كلما قرأت من خاطري عبارتين متناقضتين- إلى الدكتور الدرديري، كأنهم يسألونه: أحقًّا هذه العبارات في الكتاب؟ فيقول الدكتور الدرديري في كل مرة: بالنصوص والصفحات.

 

وهكذا حتى انتهى الكتاب وانتهت المحاضرة، وقام الجميع وفي مقدمتهم الدكتور: الدرديري بين معانق ومقبل، يقول الشيخ حسن البنا: ولما هممت بالانصراف رجاني الدكتور الدرديري أن أنتظر برهة؟ لأنه يريد أن يسرَّ حديثًا، واقترب مني وأسر في أذني سرًّا تعجبت له، قال: لما نشرنا عن موضوع محاضرتك وموعدها اتصل بي الدكتور: طه حسين، وطلب إلي أن أعد له مكانًا في هذه الدار يستطيع فيه أن يسمع كل كلمة تقولها دون أن يراه أو يعلم بوجوده أحد، فأعددنا له المكان، وحضر المحاضرة من أولها إلى آخرها ثم خرج دون أن يراه أو يعلم به أحد.

 

وفي اليوم التالي: طلب الدكتور طه حسين من أحد موظفي وزارة المعارف، وكان على صلة وثيقة بالشيخ حسن البنا، أن يرتب له اجتماعًا مع الشيخ حسن البنا في أي مكان بحيث لا يكون معهما أحد، وبحيث لا يعلم بهما أحد، وليكن هذا المكان في بيته أو بيتي، أو في مكتبي هنا، ووافق الشيخ حسن البنا، ورأى أن يكون الاجتماع في مكتبه بالوزارة، وتمَّ الاجتماع، وبدأه الدكتور طه حسين بقوله: لعلك يا أستاذ حسن لا تعلم بأنني حضرت محاضرتك، وبأنني كنت حريصًا على حضورها، وعلى الاستماع إلى كل كلمة تقولها، لأنني أعرف من هو حسن البنا، وأقسم لك لو أن أعظم عظيم في مصر كان في مكانك ما أعرته اهتمامًا، قال الشيخ حسن البنا: فشكرته ثم سألته عن رأيه في المواضع التي وجهت النقد إليها في الكتاب، وهل لديه من ردّ عليها؟

 

قال الدكتور طه حسين: ليس لي ردّ على شيء منها، وهذا نوع من النقد لا يستطيعه غيرك، وهذا هو ما عناني مشقة الاستماع إليك، ولقد كنت أستمع إلى نقدك لي، وأطرب... وأقسم يا أستاذ حسن لو كان أعدائي شرفاء مثلك لطأطأت رأسي لهم، لكن أعدائي أخسَّاء، لا يتقيدون بمبدأ ولا بشرف، وقد ظنوا أنهم يستطيعون أن يمحوا اسمي من التاريخ، وقد كرّست حياتي لإحباط مكايدهم، وها أنا ذا بحمد الله في الموضع الذي تقطع أعناقهم دونه... ليت أعدائي مثل حسن البنا؟ إذن لمددت لهم يدي من أول يوم.

 

إذن لا يسعنا إلا أن نسلم بأهمية أن تشملنا أخلاق الإسلام وآداب النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن، فلا يسفه بعضنا بعضًا، ولا يخاصم أحدنا الآخر، ويجب أن تسعنا المصالح المشتركة والهموم الوطنية المصيرية أكثر من أن تفرقنا الأهواء والأغراض والمطامع الشخصية، فنتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه، وبغير ذلك الفهم لا ينهض الوطن.

-----------

* أهم المراجع:

ابن جرير الطبري: تفسير الطبري 10/95

سيد قطب: في ظلال القرآن 2/325

حسن البنا: مجموعة الرسائل، دار التوزيع والنشر الإسلامية

حسن البنا: حوارات ومراسلات إعداد مركز البصائر للبحوث والدراسات

حسن البنا: إلى الأمة الناهضة إعداد مركز البصائر للبحوث والدراسات

عباس السيسي: في قافلة الإخوان المسلمين، دار التوزيع والنشر الإسلامية