كشفت الأيام القليلة الماضية عن حقيقة يجب النظر فيها الآن، وهي البحث عن النظام الانتخابي الأمثل لمصر، والذي ينسجم مع المزاج المصري وتركيبة المجتمع وحضور الأحزاب والقدرة على بناء التحالفات الانتخابية، ومن ثم تكوين حكومات ائتلافية في المستقبل.
لقد أصرَّ الجميع- خاصةً الأحزاب السياسية الجديدة والقديمة- على الأخذ بنظام القائمة النسبية المغلقة، وكان الهدف منها هو محاصرة فلول النظام القديم الذين أفسدوا الحياة السياسية قبل 25 يناير، وضاع هذا الهدف في ظل إصرار المجلس العسكري الحاكم على أن يكون على مسافة واحدة من جميع القوى السياسية، وظهر أنه يضع في إطارها فلول الحزب الوطني، والدليل على ذلك عدّة أمور:
أولاً: أنه لم يصدر فورًا أي قانون بعزل الذين أفسدوا الحياة السياسية وخرَّبوها بتزوير الانتخابات عمدًا طوال 30 سنة أو يزيد، وإذا صدر القانون اليوم فلا قيمة له ولا أهمية لتطبيقه، بل سيؤدي إلى ارتباك جديد في تركيبة البرلمان القادم.
ثانيًا: أن هؤلاء المفسدين أصرُّوا على البقاء في الساحة السياسية، وقاموا بتشكيل عدد ضخم من الأحزاب السياسية وصل إلى حوالي عشرة أحزاب حتى الآن، وهذا يدل على أنهم ليسوا على قلب رجل واحد، تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى، بل أكاد أشك في قدرتهم على تشكيل قائمة تحالفية مشتركة فيما بينهم؛ لأن الذي كان يجمعهم هو السلطة الطاغية التي تمارس معهم- وفيهم- التهديد والوعيد، والإغراء والإغواء، مع البطش والتنكيل، وقد غابت السلطة القابضة والتي بيدها مفاتيح المصالح الخاصة والعامة، فتفرقوا ولن يجتمعوا من جديد، وهاهم يتسلَّلون إلى الأحزاب الأخرى؛ لينضمُّوا إلى قوائمها الانتخابية ويتسبَّبوا في إفساد ذات البين داخل تلك الأحزاب وتفجيرها من الداخل بانسحاب الشرفاء من أعضائها الذين يرفضون الوجود في قائمة واحدة مع تلك الرموز الفاسدة، وخوفًا من الرفض الشعبي والسخط الذي سيتسبَّب في سقوط تلك القوائم انتخابيًّا.
ثالثًا: إن المجلس العسكري أصرَّ على بقاء نسبة الثلث من المقاعد للأفراد المستقلين، وبذلك يتيح الفرصة لكل شخص أن يترشَّح عليها؛ بمن فيهم هؤلاء الذين لا يزالون يتمتعون بالحق الدستوري، رغم إفسادهم للحياة السياسية، وهذا ما حدث في الأيام الأولى للترشيح؛ فقد كانوا في مقدمة المتقدمين.
إذن اكتشف الجميع أن الهدف الأصلي من نظام القوائم الحزبية النسبية قد تبخَّر مع وجود منافسة مع فلول الحزب الوطني، وقد ظهرت أسماء معروفة ترشَّحت بالفعل على المقاعد الفردية، وغابت رموز حزبية حتى الآن عن الإقدام على الترشح على تلك المقاعد لاعتبارات عديدة.
كان هناك هدف آخر هو بناء أحزاب سياسية قوية، وإعطاء قيادات الأحزاب فرصة في الاختيار الجيد وإعداد قوائم انتخابية تعتمد الكفاءة والقدرة وتعبِّر عن برنامج الحزب السياسي واختياراته الفكرية والتنموية، دون الاعتماد على العصبيات العائلية والقبلية، أو القدرات المالية أو حتى الشعبية الجماهيرية.
لقد كتبت من قبل أحذِّر الأحزاب من أنهم ينظرون من جانب واحد إلى نظام القوائم النسبية المغلقة، ولا يضعون في الاعتبار الجانب الآخر الذي يُظهر سلبيات القائمة الانتخابية وتعقيداتها، ولم أقرأ تعليقًا ولا تعقيبًا يضع تلك الاعتبارات في الحسبان.
لقد اتضح اليوم بجلاء أن الأحزاب التي تستطيع وضع قوائم انتخابية منفردة يجب أن تتمتع أولاً بتماسك تنظيمي قوي، وبناء فكري سليم، وتربية سياسية محترمة، ورؤية إستراتيجية عميقة، وتنظر إلى المستقبل من قريب، ولها امتدادات شعبية ولديها كفاءات شخصية في مختلف المواقع الجغرافية.
وبالنظر إلى تجارب الدول الديمقراطية في الغرب أو الشرق، في أمريكا وبريطانيا أو تركيا والهند التي لا تعتمد نظام القوائم النسبية، ولكن بالنظام الفردي، ومع ذلك فإن مرشحيها على المقاعد الفردية يفوزون بسبب انتمائهم للحزب السياسي وليس بسبب وجودهم في قائمة حزبية.
لقد تسبَّب الأخذ في أول انتخابات بعد الثورة بنظام القوائم الحزبية مع السماح بالتحالفات بين الأحزاب في 3 ظواهر سلبية قبل أن تبدأ الانتخابات، فقط أثناء إعداد القوائم، وهي:
أولاً: لجوء بعض الأحزاب إلى الاستعانة بفلول الحزب الوطني المستفيدين، وبذلك ستكون معبرًا لهم إلى البرلمان مما يضيع هدف القوائم الأصلي.
ثانيًا: تفجير الحزب السياسي من داخله؛ بسبب استبعاد أفراده ورجاله المخلصين لحساب شخصيات جديدة غير حزبية لاعتبارات مالية أو قبلية وعائلية أو نخبوية أو شعبوية، وسمعنا عن استقالات جماعية من أحزاب قديمة أو جديدة، هذا إذا كان الحزب له قائمة مستقلة.
ثالثًا: صعوبة بناء تحالفات انتخابية بين الأحزاب المختلفة وذلك في كل التحالفات الحالية؛ مما أدى إلى انسحابات متتالية ثم تراجع من جديد، وتشكيل تحالفات جديدة في وقت قصير جدًّا مما يؤذن بانهيار سريع لها أو تفتت أثناء الحملات الانتخابية.
وعلى العكس فإن التحالف السياسي الوحيد القائم وهو التحالف الديمقراطي من أجل مصر والذي يضم غالبية الأحزاب السياسية حاليًّا يصر الجميع على بقائه كتحالف سياسي رغم انسحاب البعض من لجنة التنسيق الانتخابي لصعوبة التنسيق بين أكثر من 30 حزبًا.
وسيفاجأ الجميع عندما نصل إلى الانتخابات المحلية التي تحتاج إلى 53 ألف مرشح لجميع الوحدات أن قدرات الأحزاب السياسية المصرية لا تزال متواضعةً لملء تلك المقاعد وإدارة الوحدات المحلية، خاصةً مع التوجه نحو الأخذ بنظام الحكم المحلي.
إذن حان وقت التفكير الجاد في إطار رسم مستقبل مصر السياسي الداخلي وإرساء معالم نظام ديمقراطي كفء، يتيح للشعب المصري التمثيل البرلماني المعبِّر عن قواه الحقيقية، ويضع أسس الديمقراطية السليمة التي لا تقتصر على مجرد التعددية الحزبية أو الانتخابات الدورية، بل تعمل أيضًا على تقوية المجتمع الأهلي والجمعيات الأهلية والمنظمات المدنية، وتحيي المنظمات النقابية العمالية والمهنية، وتضع قواعد الإعلام الموضوعي الذي يتمتع بالكفاءة المهنية العالية، آن الأوان للتفكير مليًّا في نظام انتخابي أمثل لمصر، يحقق عدَّة أهداف:
1- تقوية الأحزاب السياسية وفرزها؛ بحيث يبقى في الساحة عدد معقول من الأحزاب القوية القادرة على التنافس في إطار المصالح العليا للوطن، وتتجه بقية الأحزاب إلى ما يناسب اختياراتها المجتمعية.
2- تمثيل برلماني حقيقي للشعب المصري يتيح للكفاءات القادرة على اتخاذ القرارات المصيرية للدولة المصرية، وليس مجرد الخدمات المحلية للدوائر الانتخابية.
3- سهولة التطبيق والبعد عن التعقيدات الحسابية، والتوافق مع المزاج المصري العام بعد التجارب الصعبة لعدّة نظم انتخابية.
بعد انقشاع غبار المعركة الانتخابية الأولى لمصر الثورة سيكون هناك فرصة للتأمل الموضوعي والتفكير الهادئ في دستور جديد لمصر وحزمة من القوانين المنظمة للحياة السياسة، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون بعيدًا عن تأثيرات الانتخابات الحالية.