راعني وآلمني خبر استشهاد النقيب حازم محمود عزب الذي نُشِر في الصحف المصرية. المتأمل في صورته رحمه الله والمنشورة مع الخبر يجد جديةً في أدب، ورجولةً في ترفع، وقوةً في احترام، ولا يملك إلا أن يقول: هكذا يجب أن تكون هيئة ضابط الشرطة.
الرجل قُتِل دون وجه حقٍ -وهو يؤدي واجبه- برصاص مجرمٍ غادر؛ مما يجعلنا نحسبه شهيدًا ونحن مطمئنين.. وإني أتوجه إلى الله عز وجل بالدعاء أن يتقبله شهيدًا عنده، ويرفع درجته، ويتولى أهله.
والشهيد لا يُقدم فيه العزاء.. هل يُقَدَّم عزاءٌ فيمن صعد إلى عليين؟ هل يُقدم عزاءٌ فيمن زُفَّ إلى الحور العين؟ هل يُقدم عزاءٌ فيمن حضنته مصر في ترابها وربتت على كتفه قائلة: اهنأ فلا حزن بعد اليوم فقد أديت ووفيت.. إلا أن للفراق لوعةً وللدم حرارةً، وعلى هذا تُقَدَم المواساة، وإني أتقدم بالمواساة لأسرة الشهيد خاصةً وإلى كل مصري وكل شريف يحيى على هذه الأرض عامةً، ومع ما عليه من أمر الشهيد؛ إلا أنه يجب الأخذ بثأره، ورعاية أهله، والعمل على عدم تكرار مثل هذا المصاب.
دل استشهاد النقيب حازم محمود عزب على أنه من ضباط الشرطة الشرفاء وهم الأكثرية في هذا الجهاز، وهناك من يُرجَى صلاحه؛ لينضم إلى صفوف الشرفاء مُقدمًا ما لديه من خبراتٍ لخدمة دينه ووطنه، فيمضي مطمئن النفس في عيشه، راضيًا في مماته، سعيدًا حين يلقى ربه، وهناك ثلةٌ أمرها بين القدر والقضاء، وفساد النظام البائد عمل على أن يُظْهِر القلة الفاسدة على الكثرة الصالحة؛ لتتسنى له المظالم والظلمات، وهو بذلك قد ظلم الأكثرية الشريفة من الشرطة أكثر مما ظلم غيرهم، والأمل معقودٌ (بعد أن أزاحت ثورة الخامس والعشرين من يناير الستار) على هؤلاء الشرفاء للنهوض بجهاز الشرطة؛ ليكون عز الوطن والمواطن، خاصةً مع توافر الكفاءات وصلاح النيات.. وينبغي الإشارة هنا إلى أن التواني والتراخي عن ضبط المجرمين والخطرين على الأمن ربما يكون أكثر خطرًا على الشرطة من العامة.
مع وجود السياج الأمني القوي؛ تقع معالجة البلطجية والمنحرفين وإصلاحهم- في المقام الأول- على عاتق المؤسسات المصرية الدعوية والاجتماعية من أزهر شريف وإخوان وسلفية وجمعيات دينية والكنيسة المصرية؛ بل إن العمل على الاستفادة منهم لخدمة الدولة واجب لا يجوز التهاون فيه؛ فقد استطاع صلاح الدين الأيوبي رحمه الله أن يُكَوِّن فرقةً عسكرية من اللصوص بعد أن أعانهم ليتوبوا؛ فقد كانوا يخطفون له الأمراء الصليبيين من معسكراتهم بطرقٍ عجيبةٍ مبهرة.
لم تقف إبداعات قاهر الصليبيين على الخطط الحربية وكيفية استدراج العدو إلى حيث يكون له الظفر عليه فحسب؛ بل تعدت ذلك حيث كانت الاستفادة من جميع طاقات الأمة وتوجيهها للصالح واستخراج الكفاءات واستثمار الإبداعات حتى من الأشقياء، ولم يغب عن القائد المبدع رحمه الله أن الله يَزَع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، فلقد عين بهاء الدين قراقوش رحمه الله، والذي افترى عليه بعض المغرضين صاحب القوة والبأس والحزم- وزيرًا له ليُحْكِمَ الأمن الداخلي بقبضةٍ حديدية؛ فالدولة التي تَشب لقتال الصليبيين يجب أن تكون عزيزة النفس في أفرادها، وهذا يتأتى أولاً من إطعام المواطن من جوعٍ وتأمينه من خوف.
علاوة على أن الأمن الداخلي ركيزة أساسية لإنتاجية الدولة، ويجعلها متماسكةً مستقرةً لا تُؤْتى من داخلها. ومع ذكر صلاح الدين تشرئب أنفسنا لقائدٍ رباني عادل.. قائد يحمل الصلاح والحزم في قلبه، عليه محبة من الله، في روحه جمال، وفي نفسه نبل، وفي فكره إبداع، وفي رأسه علم، وفي نظره رؤية، وفي جسده قوة ونشاط، صقلته التجارب ولم تزده المحن إلا قوةً وإصرارًا.. رحيم بشعبه، شديد على أعدائه.
فهل يستجيب المولى عز وجل لنداء قلوبنا؟ هل يرحم ضعفنا؟ هل يجبر كسرنا؟
(إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (سورة الرعد: من الآية 11).