هذه دماء عصمها الله، وسفكت بغير حق؛ سواء أكانت دماء المتظاهرين الأقباط أم إخوانهم من الجنود المكلفين بحماية المظاهرة، ورغم هول المصاب، والقلوب المحزونة، والشباب القبطي الغض الذي ساقته الأحداث لتضعه في أسوأ المواقف؛ حيث يواجه جيش وطنه!، ليخرج الجميع بجراح عميقة في مواجهة الآخر... فضلاً عن جراح جسدية نالت المئات وأودت بالأرواح .

 

مع كل هذا... فإن بالمشهد خيطًا من نار ينبغي التوقف عنده؛ لأنه مرشح للاستمرار، وإنتاج أحداث أشد عنفًا وضراوة من حادث "ماسبيرو".

 

ذلكم هو: بروز مدرسة (الطائفة قبل الوطن) كقيادة كنسية للحدث:

وذلك بإعلان القس "فلوباتير" عن موعد التظاهر ومكانه، ثم تأكيده على الدخول إلى "مبنى ماسبيرو" نفسه! وسط هتافات الجماهير المكلومة في كنيستها بإدفو... وكذلك خروج الأب "ماتياس" في المظاهرة... ثم هذا التنظيم الذي يحشد متظاهرين في 8 محافظات في نفس الوقت ليتوجه إلى مبنى المحافظة، وفي الإسكندرية يتوجهون إلى مبنى القيادة العسكرية، (يبدو أنه لعدم وجود مبنى للمحافظة؛ حيث تم هدمه)، وفي القاهرة يتوجهون لمبنى الإذاعة والتليفزيون بدعوى أنه مكان "تضليل الرأي العام" و"تشويه" قضية "الأقباط" طبقًا لتصريح أكثر من واحد من القيادات الكنسية.

 

ولنا هنا ملاحظات:

- أنه لم يصدر أي تحذير من "البابا شنودة" للمتظاهرين بعدم ملاءمة الأجواء لمطالب "طائفية" في وقت ارتبكت فيه سفينة "الوطن" كله، وهددت مقدراته كلها، وكان حريًا بالقيادة الكنسية أن تهدئ نفوس الأقباط فيما يرونه "مظلمة" هدم الكنيسة، ليتم مناقشتها ضمن كل "المظالم" الأخرى حين استقرار الأوضاع.

 

- أن العقلاء من أمثال "الأنبا هيدرا" أسقف أسوان لم يكن لكلامهم تأثير رغم صدقه؛ ذلك أن الرجل أقر بمخالفات في بناء الكنيسة حدثت بحسن نية من (أبونا مكاريوس)، وشهد أنه لم تحدث أية تعديات من المسلمين على مبنى الكنيسة أو على الأقباط أنفسهم، ونفى إشاعة أطلقها "الأقباط" بأن المسلمين دمروا "الصليب" و"الجرس"، وقال بأنهم لم يكونوا قد "أشتروا الصليب والجرس أصلا"، وتألم من الذين لاموه على ذكره هذه الحقائق.

 

اختفت من الأجواء المشحوتة تلك النبرات المتسامحة للأنبا "هيدرا" وظهرت تهديدات "القس المشلوح" لمحافظ أسوان "بالموتة الشنيعة"، وتهديد المشير "طنطاوي" بأنه سيرى ما لا يتصوره... وأنكر "فلوباتير" على "القس المشلوح" أنه يرتدي "زيًّا كنسيا" رغم "شلحة"...فقط، ولم يستنكر كلامه، بل ثبت أنه كان يسير بجواره في إحدى المظاهرات.

 

وهكذا أصبح القس "فلوباتير" يحمل على أكتافه القيادة السياسية للمظاهرة والمطالب الطائفية وتوزيع الاتهامات على محافظ أسوان، وعلى الجيش، وعلى "د. ياسر برهامي" الذي زار أسوان قبل الحدث بأسبوعين، ولم يذكر أن "د. ياسر" أساء إلى الأقباط، ولكنه اعتبر أن مجرد زيارته لأسوان مبرر لاندلاع الفتنة!، ثم رأى أن ما حدث هو هدية "المحافظ الفاسد" (هكذا قال) لتكتل "محاربة الفساد" الذي توحدت فيه "الجمعية الشرعية" و"أنصار السنة" و"السلفيون" و"الإخوان"... ليظهر أنه (أي المحافظ) معهم ويكون الأقباط هم ثمن التوافق، وهكذا يضع "القس فلوباتير" "الأقباط" في موضع العداء لكلِّ أطياف التيار الإسلامي، بعد أن عادى بهم الشرطة والجيش وأفراد المسلمين والمحافظ والإدارة المحلية المتواطئة!.

 

أما الإعلام المصري الذي أظهر في جانب منه اعتداءات من المتظاهرين على الجنود، وحرق  مدرعات وممتلكات خاصة... فهو إعلام كاذب ومضلل (من وجهة نظر فلوباتير)، وبالرغم من أننا نوافقه في كون الإعلام المصري (عام وخاص) ما زال كاذبًا ومضللاً (في أغلبه) إلا أن الصور كانت حقيقية، بالرغم من عدم إظهار الصور الأخرى التي تمَّ فيها قتل المتظاهرين الأقباط، ولم نعرف من قتلهم أو ضربهم حتى الآن!!.

 

- ظهور مطالب (محاصصة)على لسان "فلوباتير" وغيره، سواء في عضوية مجلس الشعب أو المحافظين أو غيرها، وهي دعوة خطيرة تستغل رخاوة الدولة في الوقت الحالي لتسرب إليها نموذج "الطائفية السياسية" بدلاً من "مدنية الدولة" وساند هذه المطالب خطاب استعلائي واثق لا يعبأ باستفزاز الآخر الوطني أو قلم المحلل السياسي.

 

والسؤال الذي يقفز إلى الذهن من طلبات (المحاصصة) هو: ماذا يعني كون النائب أو المحافظ أو رئيس الجامعة أو مدير الأمن قبطيا؟

 

هل سيعني ذلك أن مرجعيتهم المهنية ستكون للكنيسة مثلاً؟

أم أن وجودهم يعني محاباة الأقباط أو رفع الظلم عنهم في مواجهة المسلمين؟!!

أم أنها مجرد طمأنة للأقباط بأن حقهم محفوظ في المشاركة في إدارة الوطن؟... جائز!.

 

والواقع أن الإصرار على استصدار قوانين و"انتزاع" حقوق في هذا التوقيت لن يكون في صالح الأقباط، ولكنه سيقوي شكوك عدم الإخلاص "للوطن" لحساب "الطائفة"؛ والذي- بدوره- سيؤكد شكوك الاستقواء بالخارج، كما سيدعم معسكر الغلو، وسيؤدى بنا إلى حالة "تربص طائفي" نخبوي ثم شعبي.

 

ودعونا نتصارح، فإن التربص بين المسلمين والأقباط ستكون نتيجته كارثية؛ لأن حقائق الوجود على الأرض ستحول الأقباط- في نظر المسلمين- من "مواطنين" إلى "خصوم" أو "أعداء محتملين" أو "وكلاء استعمار"، ولحظتها سيسهل وضع المسلمين في جبهة ضد جبهة "الأعداء"!!، وستتفاقم المشكلات الطائفية التي ستنتهي حتمًا بخسائر قبطية في كل الاتجاهات، حينئذ سيتقدم "أقباط المهجر" ليلعبوا الدور الذي يتشوقون إليه (وتستنكره الكنيسة رسميا!) وهو "تدويل القضية القبطية" للضغط على "مصر"- في إطار الضغوط المتزايدة عليها بقصد تركيعها أمام المشروع الصهيوني- لكن هذه المدرسة القبطية لم تضع في حسبانها أن الضغط الخارجي بسبب الأقباط سيخلق احتشادًا دينيًّا للمواطن المسلم لمجابهة المخطط، وسيجعل الحقوق القبطية محفوفة بالتهديد وعدم القبول الشعبي، وستفقد مصر-حينها- بكارة النسيج الموحد.

 

هذه للأسف هي المدرسة المسيطرة على المزاج "القبطي" الآن، ويصطف بجوارها اللاعبون السياسيون الذين لا يستندون إلى شعبية أو قدرات سياسية، ويناصرهم إعلام غير مسئول ينافق بلبس الأسود، ويمثل بذرف الدموع... وهو الذي يحرق الأرض.

 

إن الرجوع إلى مدرسة التسامح القبطي- بجوار التسامح الإسلامي- في وقت تتصالح مصر الثورة مع نفسها هو المنهج الأقوم لنيل الحقوق المشروعة، فإذا كان للأقباط "شكاية" فإن لكل المصريين "شكايات" و"مظالم"... ولا نظن أن مدرسة الاحتشاد السياسي الطائفي ستجلب خيرًا للأقباط ولا لمصر.

 

إن ما كسبه إخواننا الأقباط من تعاطف وحرص على حقوقهم بعد حادث "كنيسة القديسين" المشئوم، أخشى أن يكونوا خسروه بقيادة مدرسة "القس فلوباتير" في "ماسبيرو".

----------

Mohamedkamal62@ymail.com