في الوقت الذي كانت تتجه فيه كل قوى العالم لإنشاء ما يسمى بالتكتلات الاقتصادية الكبرى والتجمعات الهادفة لتحقيق القوة الاقتصادية لبلادها سواء في أوروبا أو في أمريكا كانت البلاد العربية- على ما تملكه من مقومات نجاح تلك الفكرة- تتجه بقوة إلى إفشال أي فكرة قد تطرأ في هذا المضمار.
ولطالما حلمنا ولطالما تحدث المتحدثون وخطط أصحاب الأفكار المخلصة لفكرة التكامل الاقتصادي بين الدول العربية وتضافرت جهود المفكرين والاقتصاديين في وضع التصورات والرؤى للربط بين أجزاء الوطن العربي المترامي الأطراف والمتعدد الخيرات، فهنا النفط وهناك الأرض الزراعية الخصبة، وفي دولة أخرى تتوافر المياه العذبة وأخرى غنية بالأيدي العاملة ثم الشطآن الممتدة من المحيط إلى الخليج، وبينما كانت الفكرة في طياتها رائعة وقابلة للتنفيذ كي تعبر بذلك عن أحلام كافة الشعوب العربية والمسلمة كانت هناك إرادة أخرى تفرض سيطرتها علي عقول أذنابها من الحكام الذين غرسوا ليديروا مصالحهم ومصالح غيرهم الخاصة.. تلك الإرادة هي الإرادة الاستعمارية الأمريكية والأوروبية والتي ما زالت لها اليد الطولى على حكامنا في المنطقة فأفشلت المشروع ليصبح مجرد كلمات وأحلام يتغنى بها الشعراء والكُتّاب.
ثم يفاجأ الربيع العربي العالم كله بانتفاضته وثورته على حقبة الظلم والتبعية الاستعمارية، تنتفض الشعوب ليكون شعار كل المنتفضين شعارًا موحدًا ربما تردده لأول مرة وهي "الشعب يريد......."، ولأول مرة تدرك الشعوب العربية أن إرادتها يمكن أن تنفذ وتحقق أحلامها في صناعة مشروع الأمة الموحدة التي تربطها الهوية والدين واللغة والمصير والتاريخ حتى لو كانت تلك الإرادة مبنية على دماء الشهداء، ويظهر في الأفق الأمل من جديد، أمل الوحدة العربية والتكامل بينها وتتضح معالم مشروع متكامل في الأفق، مثلث ينتظر فقط الإخلاص والعقول التي تفكر والإرادة التي صنعت حضارة من أعظم حضارات العالم، مصر، ليبيا، السودان، النفط والأرض والنيل والأراضي المترامية الأطراف، والعقول والسواعد الفتية، وكل مقومات إقامة حضارة جديدة يمكن أن تحيل تلك المنطقة إلى جنة في الأرض في وقت قياسي.
سقط الطاغية المصري الذي كان يمثل أداة قوية من أدوات العدو الصهيوني الذي كان يتلاعب في الحاضر والمستقبل المصري بكل ضراوة بإفساد كافة مقومات الاقتصاد المصري من زراعة دمرها ببذوره المسرطنة وإفساده للأرض الزراعية، وما مشكلة القطن المصري طويل التيلة عنا ببعيد؛ حيث قضى على تلك الزراعة الوطنية، وما يستتبعها من صناعة أقطان كانت في فترة من الفترات هي الأقطان الأولى عالميًّا ليستبدلها بالبذرة الإسرائيلية مدمرًا بذلك أهم مقوم من مقومات الزراعة المصرية، وليس الزراعة فقط ما تلاعب به الصهاينة بل استخدموا النظام المصري العميل في تدمير كل ما استطاعوا أن يدمروه حتى لقد وصلوا إلى تدمير الإنسان المصري الذي طالما بنى حضارات من أعظم حضارات العالم ودب في نفوس أبنائه اليأس في مستقبل يمكن أن يحمل لهم أي أمل لحياة أفضل، وأصبحت مصر وهي من أغنى الدول من حيث الموارد الاقتصادية التي يمكن أن تحقق لأبنائها مستوى من الرفاهية يمكن أن يفوق أغنى دول الخليج، لتصبح نسبة الفقر فيها من أعلى الدول، بل نسبة المرض والأمية كذلك تنافسها عليها أفقر الدول وأكثرها تخلفًا، باعوا مقدرات الشعب وأملاكه وأحلامه على مدى حقب متتالية، وما يقال عن مصر ينطبق كذلك على ليبيا؛ حيث يحكمها ديكتاتور لتتحول ليبيا في عهده إلى قرية يمتلكها، ليبيا التي تملك مساحة 2 مليون كيلو متر مربع بينما عدد سكانها لا يتعدى الثمانية ملايين نسمة، أرض خام لم تستخدم بينما كل شبر فيها هو عبارة عن كنز من الكنوز تمتلك النفط والسواحل المترامية والصحراء الغنية بالمعادن وما زالت كما قلنا كالأرض البكر التي لم يُستخدم منها شيء تحتفظ بكل ما فيها منتظرة لتلك السواعد والعقول التي تمتد لتبني وتعمر وتمهد وليس فقط كما يقترح البعض أو يكون كل طموحه إرسال عدة آلاف من العمال المصريين للمساعدة في الإعمار تاركين بذلك البناء والتشييد والمشروعات الكبرى والعملاقة لأيدي الاستعمار لتعيث فيها من جديد راضين بذلك بتسليم أراضي الأشقاء لعدو لا نعرف مدى أو ربما يدرك البعض مدى أطماعه في المنطقة وكأننا نعيد كتابة التاريخ القريب بنفس الصياغة من جديد.
إن ليبيا اليوم هي أرض جديدة ودولة شقيقة تولد من جديد وبها أهل لنا يتحدثون نفس اللغة ويدينون نفس الدين ولهم نفس التاريخ، ولا يفصلنا عنهم سوى بوابة يمكن أن يحطمها معول بناء لا معول هدم يحلمون مثلما نحلم بمستقبل نظيف يقوم على سواعد عربية مسلمة، وها هي مصر تملك أعظم العقول وها هم أبناؤها قد تفوقوا في الخارج في معامل أوروبا وأمريكا وقد آن الأوان لتعود تلك العقول المهاجرة لتأخذ حقها في التكريم وتعطي ما عندها من علم وخبرة وما أحسب أن أحدًا من هؤلاء يمكن أن يرفض نداء وطن ينتفض ليعيش أزهى عصور الحرية والبناء.
ثم السودان.. تلك الأرض الخضراء.. خصب وغني بثروة زراعية وحيوانية ومياه غزيرة تنتظر فقط من يبذر ليحصد فنكتفي ذاتيًّا في عام واحد وربما أقل من عام نكتفي من القمح والأرز والخضروات غير المهرمنة والمستوردة بذورها وشتلاتها من الكيان الغاصب والتي أمرضت شعبنا وأطاحت بصحة أطفالنا لتصبح مستشفيات الأورام- على كثرتها- غير كافية لروادها الذين يتزايدون بالآلاف عامًا بعد عام!.
تهاوت الأنظمة الفاسدة العميلة لتترك لنا الوطن الواهن ينتظر من يقوم على أمره ليعيد إليه عافيته، ويتحدث الخبراء عن الخير الوفير الذي يمتلكه هذا الوطن الغالي ولنبدأ بالمتاح الآن وفورًا بثلاثي الأمل لينضم إلينا بعد ذلك من يشاء من الدول العربية الشقيقة ولنحقق الحلم الرائع بإزالة كل الحدود وتمزيق كل جوازات السفر العربية لتكون هوية واحدة، وما ذلك على الله ببعيد ليصبح المسافر من أقاصي الخليج العربي إلى المغرب العربي لا يحمل في جيبه إلا بطاقة يفخر أمام العالم أنها مكتوب بها (عربي).