أتوجه إليك بهذا الخطاب بعد أن أوضحت في المقال السابق (دولة المواطنة ومواطن الدولة) من منظور السياسة كعلم أكاديمي، ومنظور الفلسفة الصينية القديمة، ومنظور إسلامي (فكر الإخوان نموذجًا)؛ أن المواطن هو أهم عنصر من عناصر تكوين الدولة، وأنه لا يمكن بناء دولة المواطنة أو الدولة الحديثة قبل بناء المواطن الصالح، وأعتقد أن هذا المفهوم محل اتفاق في العلوم السياسية والاجتماعية أيضًا.

 

أكتب هذه الرسالة إليك أيها المواطن المصري بكلِّ انتماءاته، مسلم أو مسيحي، يساري أو ليبرالي أو إسلامي، أكتب إليك بعد أن أبهرت العالم كله بأدائك في الثورة المباركة ثورة 25 يناير، فشهد لك الرئيس الأمريكي: "إن الولايات المتحدة الأمريكية يجب أن تربي أبناءها ليكونوا مثل الشعب المصري"، وقال رئيس وزراء إيطاليا: "المصريون كعادتهم يعيدون كتابة التاريخ"، وصرح الرئيس النمساوي: "إن المصريين هم أروع شعب على الأرض"، بينما قال رئيس وزراء بريطانيا: "علينا أن نفكر جديًّا في تدريس الثورة المصرية في المدارس الإنجليزية"، كما أعلنت شبكة (سي إن إن) الإخبارية الأمريكية "أنه ولأول مرة في التاريخ نجد شعبًا يقوم بثورة ويحقق أهدافه ثم ينظف الشوارع"، من خلال هذه الشهادات في حقِّ المواطن المصري نستطيع أن نقول إن أهم إنجاز أنجزته الثورة ليس إسقاط النظام أو محاكمة مبارك والمفسدين، ولكن أهم إنجاز هو أن المواطن أصبح الرقم الأهم في المعادلة السياسية، وأنه أصبح المحرك الرئيسي والفاعل الحقيقي في عملية صناعة القرار السياسي، ويجب أن يترجم ذلك على أرض الواقع إلى عقد اجتماعي جديد لا يستطيع أحد القفز عليه فيما بعد.

 

عزيزي المواطن:

يكثر الكلام عن تحركات من فلول الحزب الوطني المحظور، وإعادة إنتاج نفسه في أحزاب جديدة (الدكتور حسام بدراوي نموذجًا)، بالإضافة إلى أفعال البلطجة أمام المحكمة أثناء محاكمة مبارك، كل هذه التحركات وما يسمونها بالثورة المضادة لا تثير عندي الخوف، ولكن ما يثير القلق والرعب في نفسي وما أعتبره الثورة المضادة الحقيقية تلك الأفعال التي تُمارس الآن من أجل تصدير الخوف للمواطن، والعودة به إلى المربع الأول قبل الثورة، والقعود بهمته وإحباطه لكي يترك الساحة السياسية مرة أخرى؛ مما يساعد على فرض بيئة الاستبداد مرة أخرى، وهذا الخوف والقلق له عندي بواعثه ومبرراته.

 

عزيزي المواطن:

فمثلاً أنا لا أستطيع أن أتجاهل تصريحات الرجل الأول عن تنفيذ القانون في السلطة التنفيذية منصور العيسوي وزير الداخلية، عندما قال إنه أعطى أوامره بالضرب بالرصاص الحي على كل من تسول له نفسه بالتعدي على وزارة الداخلية أو أقسام الشرطة، والمصيبة في هذا التصريح أنه يجعل الدولة تأخذ حقها (بدراعها) متخطية بذلك السلطة الثالثة في الدولة وهي السلطة القضائية، وفي هذا السياق أيضًا فإن إرسال جامعة القاهرة تقارير عن مرشحي العمادة للكليات إلى أمن الدولة وتوقيف الدكتور عمرو الشوبكي بمطار القاهرة يعتبر باعثًا للخوف والقلق.

 

 ومن ذلك أيضًا استخدام العنف غير المبرر من قِبل الشرطة والجيش لاثنين من المواطنين المتهمين بالبلطجة وتجارة السلاح في قسم الكردي، كما يُظهره مقطع فيديو منتشر على الشبكة العنكبوتية (الإنترنت)، وأنا هنا لا أبدي تعاطفًا مع هؤلاء الخارجين على القانون، ولكن هذا العنف يُفقد التحقيق والاعترافات والأقوال مصداقيتها، وهل أعمال البلطجة التي تمت مع الدكتور أحمد أبو بركة المستشار القانوني لحزب الحرية والعدالة والتي أدت إلى إحداث إصابات بالغة به وسرقة حقيبة أوراقه، وخطف الدكتور محمد البلتاجي أمين عام حزب الحرية والعدالة بالقاهرة وسرقة سيارته بالإكراه، وخطف بعض القيادات من شباب الثورة والتحقيق معهم لساعات طويلة، أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر خطف طارق زيدان منسق ائتلاف مصر الحرة وعضو اللجنة التنسيقية لثورة 25 يناير من أمام مبنى اتحاد الإذاعة والتليفزيون، والمحاكمات العسكرية للمدنيين وعلى رأسهم الناشطة الشابة أسماء محفوظ، والتي خرجت بكفالة 20 ألف جنيه، في حين تحاكم عائشة عبد الهادي في محكمة مدنية، وتخرج بكفالة 10 آلاف جنيه فقط، وفرض قانون الطوارئ، وعدم التصريح بفتح قنوات فضائية جديدة، بل التلويح والتهديد بالغلق لبعض القنوات (قناة الجزيرة مباشر مصر نموذجًا)، ألا يعد كل ذلك باعثًا قويًّا للقلق؟ أعتقد أن هذه الشواهد تمارس من أجل إرعاب المواطن والعودة به إلى مربع الخوف، وعدم المشاركة في الحياة السياسية.

 

عزيزي المواطن:

لو طبقنا نظرية "ماذا لو..؟"، وهي من أحدث النظريات في التخطيط الإستراتيجي لاستقراء الواقع من أجل استشراف المستقبل، نقول: ماذا لو نجح هذا السيناريو في إبعاد المواطن عن العملية السياسية والتقاعس عن المشاركة في العمل السياسي؟ عندها ببساطة نكون قد خسرنا الثورة، بل أخشى أن يتحقق فينا قول "جان جاك روسو": "إذا عزف الناس عن المشاركة السياسية عندها يمكن القول بأن الدولة قد انتهت"، أو قول سقراط: "من لم يهتم بالمشاركة في الحياة السياسية فسوف يُعاقب بأن يُحكم بمن هم دونه ولا يعملون من أجل مصلحته"، ونعود لنُحكَم بنفس سياسة الحزب الوطني المحظور.

 

عزيزي المواطن:

هل تذكر معي غرق العبارة المصرية السلام 98 يوم 2 فبراير 2006م في البحر الأحمر وعليها 1410 مواطنين مصريين مثلي ومثلك، لم ينج منهم سوى 388 فردًا فقط، في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية، وكان ذلك في يوم مباراة مصر والكونغو في دور الثمانية لكأس الأمم الإفريقية، وذهب الرئيس وأولاده لمشاهدة المباراة وتُركت جثث القتلى تأكلها أسماك القرش، ولم تعلن حالة الحداد احترامًا لدم المواطن ومراعاة لأسر الضحايا، واستمر التليفزيون في مواصلة برامجه.. الأفلام والأغاني، وكأن الدولة ليس بها مصيبة كبرى.

 

هل تذكر معي عزيزي المواطن حريق قطار الصعيد رقم 832 المتجه من القاهرة إلى أسوان يوم 20 فبراير 2002م، وقُتل ما لا يقل من 350 كانوا عائدين إلى بلادهم لقضاء عطلة عيد الأضحى، وبالرغم من فاجعة الحادث ظلت الحكومة بقيادة الدكتور عاطف عبيد في مناصبها ولم يستقل منها أحد.

 

هل تذكر عزيزي المواطن كارثة حريق مسرح قصر ثقافة بني سويف يوم 5 سبتمبر 2005م أثناء عرض فرقة الفنون الشعبية بالفيوم لأحد عروضها المسرحية، والتي راح ضحيتها 52 شخصًا من بين ناقد وفنان وصحفي، وأصيب 17 آخرون، وبالرغم من ذلك برَّأت المحكمة قيادات وزارة الثقافة جميعهم (قيادات الحزب الوطني الحاكم آن ذاك).

 

عزيزي المواطن:

إذا كانت بضدها تتضح الأشياء، أسوق إليك واقعتين وقعتا متزامنتين في العام الفائت، ففي مثل هذه الأيام من العام الفائت وبالتحديد يوم الخميس 14 أكتوبر 2010م شاهدنا على شاشات التليفزيون الرئيس الشيلي وزوجته وعددًا كبيرًا من مسئولي دولة تشيلي، وهم يشرفون على عملية إنقاذ 33 مواطنًا من دولة تشيلي، كانوا عالقين لمدة 69 يومًا على بعد 600 متر من أعماق منجم سان خوس شمال تشيلي، وكيف سخرت الدولة كل إمكانياتها لعملية الإنقاذ، فاستخدمت ثلاثة حفارات لحفر البئر، ورافعات وكبسولات للإنقاذ صنعت خصيصًا في ورشة البحرية، وكان من بين العالقين عامل بوليفي، وجاء الرئيس البوليفي لزيارة مواطنه في تشيلي، وعاد به إلى بوليفيا، وصرح الرئيس البوليفي تصريحًا يدل على قيمة المواطن البوليفي في بلده حيث قال: "إن عملية إنقاذ المواطن البوليفي دينٌ في عنقه لدولة تشيلي لا يستطيع رده"، وللعجب وفي نفس الشهر تمَّ اختطاف السفينة المصرية (إم في السويس) من قِبل قراصنة صوماليين، وعليها بحارة ومواطنون مصريون، ولم تحرك الحكومة المصرية ساكنًا، وبعد مرور ثلاثة أشهر على الاختطاف رفض وزير الخارجية المصري آن ذاك أحمد أبو الغيط مقابلة أهل المخطوفين والسماع لهم قائلاً: إن هذا الموضوع ليس مهمًّا لأنه يتكرر كثيرًا!.

 

عزيزي المواطن:

هل لاحظت الفرق في تعامل دولتي تشيلي وبوليفيا مع مواطنيهما وتعامل النظام المصري السابق؟ هل تستشعر الآن مخاطر العودة إلى الخلف والتنازل عن المشاركة الإيجابية في العمل السياسي؟ إننا نريد أن نحافظ على أهم مكتسبات الثورة، والحفاظ على درجة الحيوية والذاتية والإيجابية للمشاركة في إعادة بناء مصر دولة المواطنة، والعودة بها إلى صفوف الدول المتقدمة.

 

دمت عزيزي المواطن نافعًا لنفسك، نافعًا لغيرك، نافعًا لوطنك، وشعارنا في المرحلة القادمة: "إيمان خالص لله، وعمل صالح للناس والوطن".

 

---------------

* أستاذ مساعد بجامعة المنصورة- دبلوم الدراسات العليا في العلاقات الدولية السياسية.