إن الأمم العظيمة تستفيد من انكساراتها كما تستفيد من انتصاراتها، ومصر أمة عظيمة وعريقة، تعرضت خلال تاريخها الضارب في أعماق الزمان لكلا الأمرين- الانكسار والانتصار- وفي كل مرة كان يحفزها الانكسار للقضاء على أسبابه، والنهوض والتحدي حتى تحقق الانتصار.
أقول هذا في ذكرى نصر أكتوبر العظيم، الذين نفضت فيه الأمة عن نفسها أسباب الضعف والوهن والفساد والانحلال، وانطلق جيشها العظيم لعبور القناة، وتدمير خط بارليف بخراطيم المياه وجحيم النيران، تلك الفكرة العبقرية العسكرية المصرية بعدما أشاع الأفاكون والمثبطون أنه يحتاج لقنبلة نووية لتدميره، وكانت أقوى منه سواعد الرجال الأبطال الذين دكوا الصروح، ودمروا العتاد، وحققوا النصر، ومحوا إلى الأبد عن العدو خرافة الجيش الذي لا يُقهر.
ووقف شعب مصر البطل في ظهر جيشه يقويه ويؤازره، ويمده بكلِّ أسباب النصر المادية والمعنوية، وإذا كنا نهنئ أنفسنا وكل فرد من شعبنا بهذا النصر المبين، فإننا نتقدم أولاً لكل أفراد جيشنا البواسل بالتهنئة والمحبة والتقدير في هذه المناسبة، فهم أبناؤنا وإخواننا، وهم جيش مصر، وجيش الشعب، الذين يحمون الوطن والتراب والديار، ويذودون عنه كل عدوان غَدَّار.
وإذا كُنَّا نريد أن نستلهم روح نصر أكتوبر 1973م، ونستبقي حالة النصر على الدوام، فما أحرانا أن ندرس أسباب هذا النصر، وفي نفس الوقت دراسة أسباب هزيمة 1967م.
مما لا ريب فيه أن الاستبداد والديكتاتورية كفيلان بتدمير البلاد إما في الحروب وإما بالفساد، والناظر في تاريخ العالم في العصر الحديث فقط ينتهي إلى هذه الحقيقة، فهتلر وموسوليني دمرا ألمانيا وإيطاليا وتركاهما دولتين محتلتين ممزقتين، كما أن سياد برى وصدام حسين فعلا نفس الشيء في الصومال والعراق، وهناك أمثلة أخرى تجري من حولنا الآن.
ومصر سنة 1967م كانت تحكمها ديكتاتورية فردية مستبدة، والديكتاتورية بطبعها تنتج شعبًا خائفاً متواكلاً يعتمد على الزعيم في كل شيء بدءًا من توفير ضرورات الحياة وحتى النصر على الأعداء، كما أنها أفرزت جيشًا انصرف قادته عن مهمتهم الأساسية في التخصص والتفرغ والتدريب والتسليح وأخذ الأهبة والاستعداد، انصرفوا واستغرقوا في السياسة، فالقائد العام للقوات المسلحة يرأس لجنة القضاء على الإقطاع ويحاكم المتهمين ويصادر أملاكهم، والبوليس الحربي يطارد الإخوان المسلمين ويعذبهم في السجون، ويحاكمهم كبار الضباط، ويصدرون عليهم أحكامًا يصل بعضها إلى الإعدام، وينشغل بعض القادة بالبحث عن مكاسب دنيوية، وينغمس الكثيرون منهم في الشهوات والملذات حتى الآذان.
وكانت وسيلة رفع الروح المعنوية للجنود في الجبهة هي توزيع صور الفنانين والفنانات عليهم!
أما في سنة 1973م فقد أسندت قيادة الجيش لقادة محترفين لا شأن لهم بالسياسة أخذوا بأسباب النصر من تخطيط وتسليح وتدريب، ترفعوا عن الشهوات وابتعدوا عن الموبقات، واعتمدت الروح المعنوية على الإيمان بالله والاعتماد عليه والتعلق به، وكان نموذج اختلاط دماء الجنود والقادة مسلمين ومسيحيين على أرض مصر وفداء لمصر، بل كان صيامهم مع زملائهم في رمضان رغم صدور توجيهات بالإفطار فرفض الجميع، وآمن الجميع بعدالة القضية وقداسة الأرض وتحرير الوطن، حتى كان شعارهم وقت الحرب (الله أكبر)، ولذلك فقد نصرهم الله عندما نصروه (إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)) (محمد: من الآية 7).
كما أزيلت في هذا الوقت مظاهر الديكتاتورية من اعتقال وتعذيب ومصادرة للحريات وعدوان على حقوق الإنسان، وتم استبعاد مراكز القوى وإصدار الدستور الدائم، ولا ريب أن الإنسان الحر هو القادر على التفكير والإبداع والإنجاز والمقاومة والانتصار بإذن الله؛ لأنه في ظل الديكتاتورية، فالزعيم وحده هو السيد، والشعب كله عبيد، أما في ظل الحرية والديمقراطية فالشعب هو السيد وهو مصدر السلطات، والحاكم ما هو إلا وكيل عن الأمة وأجير عندها، وهذا ما يجب أن نعتصم به الآن.
أما الدرس الثاني:
فهو أن النظم الديكتاتورية من شأنها أن تُقّرب أهل الثقة، وتستبعد أهل الخبرة والكفاءة، الأمر الذي يضعف كل مؤسسات الدولة، ويفتح باب الفساد على مصراعيه، ويوغر الصدور، ويمزق الشعب ويدفع أهل الكفاءة إلى الهجرة، ويكمم أفواه العلماء والمصلحين والمثقفين، ويصبح رأي الزعيم الأوحد هو الوحي والحكمة والإلهام، ولو كان يقود البلاد إلى الخراب، ولقد تمَّ إرسال الجيش المصري إلى اليمن ليحارب هناك على بُعد آلاف الأميال وفي بيئة جغرافية ومناخية ليس له بها سابق تجربة ولا خبرة، الأمر الذي أدى إلى خسائر فادحة في الرجال والعتاد وإهدار الرصيد الذهبي لمصر لشراء ولاء القبائل، مما أدى إلى ضعف الجيش المصري قبيل حرب 1967م مباشرة.
أما قبيل حرب 1973م فقد تم تغيير المناخ السياسي والاجتماعي والنفسي للشعب المصري، ما فتح أمامه آفاق الأمل ودفعه لاستعجال تحرير الأرض وحماية العرض، والإصرار على تحقيق النصر.
وهذا ما يدعونا إلى الالتزام بالديمقراطية وإسناد كل أمر لأكفأ من يقوم به وأكثرهم أمانة، بغض النظر عن اعتبارات الثقة والولاء، ولا يختصر أي أداء جماعي في فرد واحد.
الدرس الثالث:
أن النظام المصري سنة 1967م كان قائمًا على تقسيم العالم العربي إلى دول تقدمية ودول رجعية، وكان كل همه إسقاط الأنظمة في الدول التي يعدها رجعية بكلِّ الوسائل، ومن ثَمَّ قامت مهاترات إعلامية وحروب باردة وساخنة أحيانًا، مما كرس العداوات بين الحكومات والشعوب، واعتبر تغيير الأنظمة الرجعية- حسب وصفه- مهمة مقدمة على تحرير فلسطين، بل على الاستعداد الحقيقي للتصدي للعدو الصهيوني، ومن ثمَّ راجت مقولة أن تحرير فلسطين يمر عبر العواصم الرجعية أولاً، وهذا التنازع أدى إلى الفشل والضعف والهزيمة في نهاية المطاف.
أما في حرب 1973م فقد تمت المصالحة مع جميع الدول العربية، الأمر الذي أدى إلى وقوفها في جانب مصر وسوريا في الحرب ودعمهما المادي والمعنوي، وكان هذا من أسباب تحقيق النصر.
وهذا يهدينا إلى ضرورة التعاون مع جميع الدول العربية، وعدم التدخل في شئونها الداخلية وكذلك التعاون مع الدول الإسلامية، ودول العالم الثالث وعدم الانحياز، والدول المحبة للسلام والمؤيدة للحق العربي.
الدرس الرابع:
ارتمى النظام قبل 1967م في أحضان الاتحاد السوفيتي، وتبوأ اليساريون المناصب العليا في السلطة التنفيذية والإعلام، وراحوا يروجون للأفكار اليسارية وينتقصون من هوية الأمة الإسلامية، ويصفون أفكارهم بالتقدمية، والإسلام والإسلاميين بالرجعية والرجعيين، ويقصون الإسلام من الحياة الاجتماعية والثقافية، وأنشئوا منظمات الشباب والتنظيم الطليعي لنشر الفكر اليساري بين الشباب والشابات، وبعد الهزيمة استقدم النظام عددًا كبيرًا من الخبراء العسكريين الروس الذين هيمنوا على قواعد عسكرية في مصر، حتى أصبح الأمر أشبه باحتلال ينتقص من استقلالنا، إلى أن تمَّ طردهم والاعتماد على العسكريين المصريين الذين أثبتوا عبقرية وكفاءة منقطعة النظير، وأن مصر لن يحررها إلا أبناؤها ولن يحميها سوى جيشها، وهذا يثبت أن الاستقلال من الاحتلال المباشر والتحرر من التبعية للغير إنما هما قيمتان من أعظم القيم إذ هما الحرية والعزة والكرامة، فيجب الحفاظ عليهما والتضحية من أجلهما بالغالي والنفيس.
كانت هذه بعض الدروس التي ينبغي استحضارها في كل وقت، والاهتداء بها في كل طريق حتى نحافظ على حالة النصر.
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37)) (ق).
----------------
*عضو مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين.