الشيخ عمر مكرم يعرفه كثير من المصريين بمسجده الشهير، والبعض ما زال يذكر دوره في مقاومة الحملة الفرنسية؛ ولكن الكثيرين لا يعرفون قدر هذا الشيخ العالم السلفي الشهير الذي قام بواجبه الشرعي في مقاومة الظلم والفساد والاستبداد ربما لأنه لم يترك كتبًا مشهورةً، فلم يعرفه الشباب السلفي ولكنه ترك صفحات ناصعة كتبها التاريخ بأحرف من نور لعالم أزهري سلفي كان في مقدمة المجاهدين الثوار ضد الظلم والاستبداد، وقد تقلد منصب نقيب الأشراف وعمره أربعة وأربعين عامًا وكان يتمتع بمكانة عالية عند العامة والخاصة.

 

وقد ظهر العالم العامل الثائر المجاهد "عمر مكرم" كقائد للشعب المصري المسلم عندما قاد حركة شعبية ضد ظلم الحاكمين المملوكيين "إبراهيم بك" و"مراد بك"، عام (1210هـ = 1795م) ورفع لواء المطالبة بتطبيق الشريعة والتحاكم إليها في كل أمور الحياة كمطلب أساسي كما طالب برفع الضرائب عن كاهل الفقراء وإقامة العدل في الرعية. (وهنا أتوقف هل يعلم شباب التيار الإسلامي هذا الموقف التاريخي للشيخ عمر مكرم أم ما زال بعضهم يهتم بشيخ أجاد في كتابة مسألة علمية كتب قبله الكثيرون كتبًا فيها).

 

ولقد تميزت حياة الشيخ الثائر عمر مكرم بالجهاد المستمر ضد كل محتل أجنبي سواء الفرنسيين أو الإنجليز، وشهد الشعب والتاريخ نضاله الدءوب ضد كل استبداد للولاة وظلمهم، وكان ينطلق في هذا وذاك من وعي وفهم إسلامي عميق للإسلام وحق الشعوب والجهاد بطريقة وواقع عملي فذ لا نظير له.

 

مثال ذلك عندما اقترب الفرنسيون من القاهرة سنة 1798م قام الشيخ المجاهد عمر مكرم بتعبئة الجماهير للمشاركة في القتال ومقاومة العدو إلى جانب الجيش النظامي "جيش المماليك في ذلك الوقت"، وفي هذا الموقف يقول الجبرتي: "وصعد السيد عمر مكرم أفندي نقيب الأشراف إلى القلعة فانزل منها بيرقًا كبيرًا أسمته العامة البيرق النبوي فنشره بين يديه من القلعة إلى بولاق وأمامه ألوف من العامة"، ويعلق الرافعي على ذلك بقوله: "وهذا هو بعينه استنفار الشعب إلى التطوع العام بعد هجمات الغازي المغير والسير في طليعة المتطوعين إلى القتال".

 

وعندما سقطت القاهرة بأيدي الفرنسيين، عرض عليه الفرنسيون عضوية الديوان الأول (عضوية المجلس الرئاسي أو الوطني قل ما تشاء) إلا أنه رفض ذلك، بل فضل الاختباء من أمام أعين الفرنسيين حتى لا يظل تحت رحمة الفرنسيين.

 

ولم يهدأ الشيخ عمر مكرم فقد عاد إلى القاهرة لتنظيم المقاومة وقام بإعداد العدة مع عدد من علماء الأزهر وزعماء الشعب لثورة كبرى ضد الاحتلال الفرنسي تلك الثورة التي اندلعت في عام 1800م.. فيما يعرف بثورة القاهرة الثانية، وكان الشيخ عمر مكرم من أكبر زعماء تلك الثورة، فلما عرف الفرنسيون أنه أحد زعماء الثورة قاموا بمصادرة أملاكه بعد أن أفلت هو من أيديهم (بما يعني أنه كان رجل أعمال له ممتلكات لم يحافظ عليها بل حافظ على الأمانة التي أعطاها الله للعلماء بالقيام بأمر الدين من حماية للشريعة ومقاومة الظالمين والأعداء)،
ولم يتوقف جهاد الشيخ عمر مكرم بل عاد للظهور بقوة مع حملة فريزر الإنجليزية 1807م، فقاد رحمة الله عليه المقاومة التي نجحت في هزيمة فريزر في الحماد ورشيد مما أضطر فريزر على الجلاء عن مصر.

 

وفي هذا يقول الجبرتي: "نبه السيد عمر النقيب على الناس وأمرهم بحمل السلاح والتأهب لجهاد الإنجليز، حتى مجاوري الأزهر أمرهم بترك حضور الدروس، وكذلك أمر المشايخ بترك إلقاء الدروس". (وهنا وقفة هامة أين بعض المشايخ من هذا الفقه العالي الفريد النظير لفقه ابن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ).

 

وقد علـق الرافعي على ذلك بقوله: "فتأمل دعوة الجهاد التي بثها السيد عمر مكرم والروح التي نفخها في طبقات الشعب، فإنك لترى هذا الموقف مماثلاً لموقفه عندما دعا الشعب على التطوع لقتال الفرنسيين قبل معركة الأهرام، ثم تأمل دعوته الأزهريين إلى المشاركة في القتال تجد أنه لا ينظر إليهم كرجال علم ودين فحسب بل رجال جهاد وقتال ودفاع عن الزمان، فعلمهم في ذلك العصر كان أعم وأعظم من عملهم اليوم".

 

أما عن مقاومته للحكام الظلمة والمستبدين في مصر فحدث ولا حرج وقل الله أكبر سبحان الله هذا هو العلم وهذا هو العالم فقد قاد الشيخ عمر مكرم النضال الشعبي ضد مظالم الأمراء المماليك عام 1804م، وكذا ضد مظالم الوالي خورشيد باشا سنة 1805، ففي يوم 2 مايو سنة 1805م بدأت تلك الثورة، حيث عمت الثورة أنحاء القاهرة واجتمع العلماء بالأزهـر وأضربوا عن إلقاء الدروس (وهنا وقفة ولنتأمل إضراب العلماء عن الدروس فالعلم بدون عمل لا قيمة له).

 

وأقفلت دكاكين المدينة وأسواقها، واحتشدت الجماهير في الشوارع والميادين يضجون ويصخبون، وبدأت المفاوضات مع الوالي للرجوع عن تصرفاته الظالمة فيما يخص الضرائب ومعاملة الأهالي، ولكن هذه المفاوضات فشلت، فطالبت الجماهير بخلع الوالي، وقام السيد عمر مكرم وعدد من زعماء الشعب برفع الأمر إلى المحكمة الكبرى وسلم الزعماء صورة من مظالمهم إلى المحكمة وهي ألا تفرض ضريبة على المدينة إلا إذا أقرها العلماء والأعيان، وأن يجلو الجند عن القاهرة وألا يسمح بدخول أي جندي إلى المدينة حامـلاً سلاحه.

 

وفي يوم 13 مايو قرر الزعماء بقيادة عمر مكرم في دار الحكمة عزل خورشيد باشا وتعيين محمد علي بدلاً منه بعد أن أخذوا عليه شرطًا: "بأن يسير بالعدل ويقيم الأحكام والشرائع، ويقلع عن المظالم وألا يفعل أمرًا إلا بمشورة العلماء وأنه متى خالف الشروط عزلوه".

 

ولكن محمد علي التف على هذا الأمر وأفرغه من مضمونه فيما بعد، وكان له مخطط خبيث لعلمنة مصر وإبعاد الإسلام عن حكم مصر.

 

وقد قال الرافعي عن عمر مكرم: "كان للشعب زعماء عديدون يجتمعون ويتشاورون ويشتركون في تدبير الأمور، ولكل منهم نصيبه ومنزلته، ولكن من الإنصاف أن يعرف للسيد عمر مكرم فضله في هذه الحركة فقد كان بلا جدال روحها وعمادهـا".

 

والشيخ عمر مكرم لمن لا يعرفون فقه وعلمه وكان يملك وعيَا إسلاميًا فذًّا ومتقدمًا، ويظهر ذلك من خلال حواره مع مستشار الوالي خورشيد باشا، ووفقًا لرواية الرافعي فقد التقى السيد عمر مكرم يومًا بعمر بك مستشار خورشيد باشا فوقع بينهما جدال.. فكان مما قاله عمر بك: " كيف تنزلون من ولاه السلطان عليكم؟ وقد قال الله تعالى (أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) (النساء: من الآية 59)، فأجابه السيد مكرم: "أولو الأمر هم العلماء وحملة الشريعة والسلطان العادل، وهذا رجل ظالم حتى السلطان والخليفة إذا سار في الناس بالجور فإنهم يعزلونه ويخلعونه". فقال عمر بك: "وكيف تحصروننا وتمنعون عنا الماء والأكل وتقاتلوننا؟ أنحن كفرة حتى تفعلوا معنا ذلك؟". فقال السيد مكرم: "قد أفتى العلماء والقاضي بجواز قتالكم ومحاربتكم.

 

وبعد انفراد محمد علي بالحكم أدرك "محمد علي" أن "عمر مكرم" خطر عليه أمام أحلامه في الاستفراد بحكم مصر؛ فمن استطاع أن يرفعه إلى مصافّ الحكام يستطيع أن يقصيه، ومن ثم أدرك أنه لكي يستطيع تثبيت دعائم ملكه وتجميع خيوط القوة في يده لا بد له أن يقوم بإقصاء "عمر مكرم" من زعامته الشعبية.

 

فعمل محمد علي على التآمر مع بعض "مشايخ الفتة"- كما نقول الآن- الحاقدين من مكانة عمر مكرم وعزل "عمر مكرم" عن "نقابة الأشراف" ونفاه إلى دمياط في (27 من جمادى الآخرة 1224هـ = 9 من أغسطس 1809م)، وقبض العلماء الثمن في الاستحواذ على مناصب هذا الزعيم الكبير؛ ومن هنا جاءت تسمية الجبرتي لهم بـ"مشايخ الوقت". وكم من مشايخ للوقت في زماننا هذا.

 

توفى الشيخ الفاضل الثائر المجاهد عمر مكرم في (جمادى الآخرة 1237هـ = مارس 1822م) عن عمر يناهز اثنين وسبعين عام قضاها في كفاح وجهاد ونضال من أجل ترسيخ الإسلام في مصر عملاً وقولاً وتحقيق الحق في الحرية والعدالة للشعب المصري المسلم رحمه الله رحمة واسعةً وجمعنا الله وإياه في الفردوس الأعلى.

 

وكان من حسن طالع للثورة المصرية في 25 يناير حتى 11 فبراير أن تنطلق وتظل مشتعلة بجانب مسجد حمل اسم عمر مكرم الشيخ الثائر المجاهد الذي لم يعطه التيار الإسلامي ولا الشعب المصري المسلم حقه حتى الآن.

----------------------

* elsharia5@hotmail.com