على غرار قصة أنيس منصور "مَن الذي لا يحب فاطمة".. أكتب هذا المقال وقد أسرتني عدة مشاهد لها دلالتها الواضحة، فمع أحداث الثورة وسيولة موقف الدولة وتحلل أنظمتها ساءت أوضاع عديدة وهو أمر طبيعي في انتظار تماسك الدولة واستقرار النظام.. وكان مما أصاب الناس من ذلك هو تفشي الغلاء وانفلات الأسعار.

 

ولقد أدهشني مشاركة العديد من الشباب في العمل الدءوب لإعداد أسواق مخفضة للأهالي في جميع الأحياء ثم الوقوف لساعات طويلة بعد ذلك لاستقبال المواطنين باشين هاشين؛ فأقاموا أسواقًا للخضراوات والفاكهة، ويوم آخر لبيع اللحوم الطازجة بأسعار تتجاوز بقليل نصف سعرها في الأسواق ثم مع اقتراب موعد دخول المدارس وجدناهم في معظم أحياء المدينة يقيمون أسواقًا مماثلةً لبيع الأدوات المدرسية بأسعار مخفضة بل وملابس المدارس أيضًا.

 

إنني كمواطن من أهالي دمياط أعرف معنى وقيمة يوم الخميس عند الدمايطة حيث هو يوم ختام عمل الأسبوع وتجميع أرباح وأموال العمل وهو يوم الأجور والمستحقات، وهو أكثر أيام الدمياطي ازدحامًا وهمومًا وهو ينهي يومه المرهق هذا بالتسوق وشراء ما لذ وطاب لأسرته وبيته.

 

وإن كان جهد الشباب وتحضيرهم للأسواق من أجل مواطنيهم ثم مثولهم بها لساعات طويلة قد دفعني لتقديرهم والإعجاب بهم إلا أن اضطرارهم لأداء ذلك أيام الخميس هو ما أدهشني أكثر، فيوم الخميس هو يوم التسوق لدى شعب دمياط على وجه خاص، وكثير من الشباب المشارك فيه من العمال أو أصحاب الصناعات الصغيرة الذين يحتاجون الساعات القليلة في هذا اليوم لجني نتاج الأسبوع، وهذا ما دفعني للتساؤل حول روح هؤلاء الشباب وقيمة التضحية والإيثار لديهم.

 

ربما لن يكون هذا مدهشًا كثيرًا أن ينتشر هذا النوع من الشباب في ربوع مصر بعدما رأيناهم وأقرانهم يواجهون في أحداث الثورة الحديد والنار بصدور عارية ويهتفون باسم مصر، لن يكون مستغربًا أن نعرف أن أمثال هؤلاء الشباب هم من اندفعوا إلى ميادين مصر يلبون نداء الواجب والوطن دون تفكر في نتائج المغامرة.

 

لن يكون عجيبًا كذلك أن منهم ومن أصدقائهم من نال شرف الإصابة أو الشهادة. ولن تتعجب أكثر عندما تعرف أنهم هم أنفسهم من خرج في العهد المظلم للطاغية المخلوع ليواجه صلف قوات أمنه وظلم حكمه وقساوة وسائله في الانتخابات المختلفة ودفعوا من أجل ذلك الكثير.

 

ولم يكن مستغربًا بعدها حين حانت الواقعة أن يندفع هؤلاء الشباب مع أصوات طالبتهم بنجدة الثوار في ميدان التحرير ليهبوا ألوفًا وعشرات الألوف من جميع المحافظات يقهرون الصعاب والمخاطر حتى يصلوا في إصرار رغم الحصار الأمني والمواجهات القاسية إلى قلب ميدان التحرير نصرة لأوطانهم ونجدة لإخوانهم من الشباب.

 

إن قيام هؤلاء الشباب الآن على خدمة مواطنيهم في مشاهد الأسواق وفي أوقاتهم الحرجة وعلى هذا النحو المؤثر لغيرهم على حساب أنفسهم ولو كان بهم خصاصة لهو أمر يحرك العواطف ويشي بالزهو بأمه هؤلاء فريق من شبابها.

 

تساءلتُ وأنا أرقب هذه المشاهد: مَن الذي لا يحب أحمد ورفاقه من شباب الإخوان المسلمين؟!.