نعيش الذكرى الـ38 لانتصارات حرب العاشر من رمضان السادس من أكتوبر، وانتهز هذه الفرصة وأتقدم بالتهنئة الخالصة لكل أبناء الشعب المصري، ولكل أفراد وقيادات القوات المسلجة، جيش مصر الباسل خير أجناد الأرض، هذا اليوم الذي عبرت فيه مصر من الهزيمة إلى النصر، ومن اليأس والإحباط إلى العزة والكرامة، يوم حطمنا فيه أسطورة الجيش الذي لا يقهر وسحقنا فيه كبرياء اليهود الصهاينة، يوم أعاد مصر إلى الأمجاد ورد المجد إلى المصريين، في ذلك اليوم المجيد ظهر فيه أطيب ما في الشعب المصري الأصيل.
تمامًا كما حدث في ثورة 25 يناير، ظهر الشعب المصري متماسكًا مترابطًا محافظًا على وحدته الوطنية وجبهته الداخلية، وبدأ للعالم كله بشعور القلب الواحد والصف الواحد وتلاحم الشعب مع طلائع أبنائه المقاتلين على جبهات القتال، وظل متماسكًا حتى تحقق النصر ولحقت الهزيمة بالعدو الصهيوني الذي انكسرت شوكته أمام جيش مصر.
روح أكتوبر
لقد كان للنصر العظيم روحٌ جبارة- روح أكتوبر- سرت في وجدان الشعب المصري حينًا من الدهر أحيت فيه معاني العزة والكرامة وغرست في نفوس أبنائه قيم الوطنية والمجد، لكنَّ هذه الروح لم تدم طويلاً، وتبددت بعد أن سلك قادة البلاد وقتها سبيلاً آخر بعيدًا عن المصلحة العُليا للبلاد، وتعرَّضت مصر وقتها لحربٍ جديدة من نوعٍ أخطر من الحرب القتالية، وكانت مرحلة المفاوضات ودخول الولايات المتحدة الأمريكية على الخط وممارسة سياسة السيطرة على الشرق الأوسط، وساعدها في ذلك قادة البلاد ثم كان عصر الانفتاح وتوقيع معاهدة كامب ديفيد، ودخول مصر في نفقٍ طويل مظلم لم تخرج منه إلا على وقع أقدام الشعب المصري في 25 يناير 2011م بعد أكثر من 32 سنة.
كان الأمل معقودًا على روح أكتوبر أن تدفع الشعب المصري إلى بناء دولة عصرية حديثة تليق بمصر التاريخ والحضارة، مصر الإنسان والمقدارات والموارد الطبيعية التي حباها الله تعالى لمصر، مصر العروبة والإسلام فأفلتت الفرصة من بين أيدينا وضاعت أكثر من ثلاثين عامًا سبقتنا خلالها دول كثيرة ما كانت تطمح أن تتذيل مصر وتسير في ركابها، ضاعت الفرصة الذهبية كما ضاعت فرصة 1954م حين أطاح الضباط الأحرار وجمال عبد الناصر بأمال الشعب في الحرية والكرامة والحياة النيابية وبناء مصر النهضة والتقدم، فبدلاً من إقامة حياة ديمقراطية يكون الشعب فيها مصدر السلطات وتكون له السيادة وتعلو إرادته على إرادة الحاكم والمحكومين إذا بنا ننحدر إلى الدرك الأسفل من الديكتاتورية والاستبداد وقهر الشعب وسلب إرادته، وتكرست الدولة البوليسية في مصر بأبشع صورها التي عرفتها البشرية، رأينا المشانق تُنصب ويُساقُ اليها خيرة أبناء مصر من العلماء والمفكرين والمجاهدين الذين ضحوا من أجل نيل مصر استقلالها من براثن المحتل الإنجليزي، وقد سطروا بدمائهم على ضفاف القناة أروع ملاحم العزة والبطولة وجسدوا معنى نموت نموت ويحيا الوطن.
ليس بي الرغبة أن أسترسل في الحديث عن الماضي المؤلم، ولستُ باكيًا على حرق الفرص الذهبية التي أُتيحت لبلادنا أكثر من مرة، لكنني نذيرٌ مبينٌ لأمتي العظيمة، فإنني أرى مصر مقبلة على مرحلة خطيرة تشكل فرصة ذهبية نادرة الحدوث عزيزة الوجود شحيحة التكرار، ألا وهي فرصة بناء مصر الحديثة عقب تورة الشعب وإذا كان الشعب المصري قد سرت فيه روح جديدة في أعقاب النصر على الكيان الصهيوني، روح أكتوبر فإنَّ روحًا عظيمة ينبغي أن تتولد فينا جميعًا روح الثورة روح مصر الدستور روح مصر النهضة والتقدم، روح مصر الوحدة والترابط، روح مصر العمل والإنتاج والتنمية، روح مصر العلم والتعليم والبحث العلمي، مصر الزراعة والصناعة والتجارة والحضارة والمنارة.
إنَّ مصر التي في خاطري وخاطر كل محب عاشق لها- مصر قوية متقدمة عملاقة في محيطها العربي وجوارها الإفريقي وعالمها الإسلامي وقضائها الإنساني، تكون لها ريادة حقيقية وسبق بين الأمم في مجالات رفيعة تليق بمصر، لستُ حالمًا بمستحيل بل متوثبًا لمكانة كانت لنا حينًا من الدهر فغفل أسلافنا عنها فمضى إليها أخرون واعتلوها، من ليس حالمًا لا ينتظر مكانًا مميزًا في المستقبل، ولا ننسى أن أحقائق اليوم كانت أحلام الأمس، وأنَّ أحلام اليوم حقائق الغد ولتعلمنَّ نبأه بعد حين.
وندائي يوم احتفالنا بنصر بلادنا على أعدائنا:
يا أبناء مصر اتحدوا وكونوا صفًّا واحدًا في هذه المرحلة العصيبة من تاريخ أمتنا المرحلة تحتاج إلى توافق وتعاون كل القوى والأحزاب والتيارات السياسية والفكرية، لن يبني مصر إلا المصريون، لن تنزل ملائكة من السماء تقول لكم استريحوا أهل مصر نحن نبني لكم وعنكم، ولن يأتي شرقٌ أو غربٌ ليحدث في مصر نهضة وتحضرًا، إنما يبني مصر أهلها كما ثاروا غضبًا على النظام البائد.
تحتاج مصر إلى هذه الروح القوية التي تغلب مصلحة البلاد العُليا، وتعلي مصر فوق كل اعتبار، هذا التوافق الوطني الذي ينبغي أن يتسع لكل التيارات الوطنية في البلاد ولا ينحصر في تيار واحد إسلامي أو غيره، بل ندائي إلى أبناء التيار الإسلامي، وفي طليعته والقلب منه الإخوان المسلمون "أن يحافظوا على تيار التوافق والتعاون من أجل مصر فهذا هو الحل العبقري لهذه المرحلة الحرجة.
إنّ نسق التحالف الديمقراطي من أجل مصر بكل ما يشمله من تحالفٍ سياسي على أسس نهضة البلاد وتأسيس الدولة ووضع الدستور، وكذا التحالف الانتخابي للوصول إلى برلمان توافقي يضمن تمثيل عادل وتواجد فعال لكل القوى والأحزاب السياسية بُغية العبور الى وضع دستور يلبي طموحات الشعب المصري، ويحقق أهداف الثورة ويحجز مكانًا مرموقًا لمصربين الأمم المتقدمة.
وختامًا.. سبق مني تهنئةٌ مخلصة لأبناء القوات المسلحة جيش مصر البواسل، وأختم حديثي إلى قادة القوات المسلحة المجلس الأعلى- أنتم اليوم تصنعون مجدًا لبلادكم وتُضيفون إنجازًا إلى سجل الإنجازات التاريخية للجيش المصري، ولا أبالغ إذا قلت إنَّ العالم اليوم يكتم أنفاسه ويقف مشرئبًا مترقبًا ماذا يحمل المستقبل القريب لمصر، وكيف تجتاز مصر شعبًا وجيشًا هذه المرحلة الأصعب في تاريخ البلاد، وكيف يتخذ قادة الجيش المصري القرار الأهم في تاريخ الجيش وهو تسليم البلاد لسلطة وطنية منتخبة وفقًا لما تعهَّد به قادته ونطق به الإعلان الدستوري الصادر من المجلس الأعلى للقوات المسلحة.
كل عام ومصر بخير، كل عام ومصر منتصرة قوية عزيزة متقدمة، وكل نصر ومصر بخير وشعبها بخير وجيشها بخير.