أدرك الإخوان المسلمون الخطر الذي تشكله الحركة الصهيونية على مصر، وأن نجاح المخططات الصهيونية في فلسطين يشكل تهديدًا خطيرًا لمصر ليس فقط من الناحية الأمنية بل في كلِّ المجالات الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، وقد عبر الإخوان عن هذه المخاطر وأوضحوا أن فلسطين هي خط الدفاع الأول عن مصر، وأن "قيام دولة يهودية على حدود مصر الشرقية ليهددنا في كياننا وفي استقلالنا وفي تجارتنا وفي أخلاقنا وفضائلنا..".

 

وقد أدرك حسن البنا حقيقة نظرية الأمن القومي المصري؛ فكتب عام 1945م، مؤكدًا أن صيانة الحقوق الوطنية لوادي النيل تتطلب تأمين حدود مصر من جميع الجهات؛ فمن الجهة الغربية رأى أن الأمر يتحقق "يوم تسلم ليبيا لأهلها العرب الذين جاهدوا في سبيلها عشرات السنين.. وتقوم فيها حكومة عربية مستقلة وتظل وطنًا موحدًا حرًّا مستقلاً".

 

ومن الجهة الشرقية لا يتحقق الأمر إلا "بحل قضية فلسطين حلاًّ يحقق وجهة النظر العربية ويحول دون تغلب اليهود على مرافق هذه البلاد".

 

أما من الجهة الجنوبية فقد رأى أن تأمين حدود وادي النيل يكون "بأن تحفظ حقوقنا في إريتريا ثم زيلع ومصوع وهرر وأعالي النيل تلك المناطق التي اختلط بتربتها دم الفاتح المصري وعمرتها اليد المصرية ثم اغتصبت من جسم الوطن ظلمًا وعدوانًا..".

 

ويؤكد حسن البنا تأمين الحدود المصرية بتأمين الأنظمة المجاورة لمصر من مختلف الجهات "ومن واجبنا ألا نتلقى حدود بلدنا عن غيرنا وأن نرجع في ذلك إلى تاريخنا لنرى أي ثمن غالٍ دفعناه من الدماء والأرواح في سبيل تأمين حدودنا لا لمطامع استعمارية ولا لمغانم جغرافية؛ ولكن لضرورات حيوية لا محيص منها".

 

وقد أولى البنا اهتمامًا خاصًّا بتأمين الحدود الشرقية؛ حيث جاءت معظم الغزوات التي تعرضت لها مصر على مدار تاريخها؛ فقد حذر الحكومة المصرية من الأطماع الصهيونية في سيناء وطالب الحكومة باتخاذ عدة خطوات لتأمين سيناء منها:

- سرعة نقل الجمرك من القنطرة إلى العريش.

- إقامة منطقة صناعية على الحدود.

- إنشاء جامعة مصرية عربية بجوار العريش.

 

ولكن الحكومات المصرية المتعاقبة لم تصغ إلى صوت العقل والمنطق واجتاح الكيان الصهيوني سيناء دون أي معوقات في العام 1967م، وبذلت مصر الكثير من التضحيات حتى عادت سيناء كاملة مرة أخرى لأرض الوطن في عهد الرئيس السابق مبارك تطبيقًا لاتفاقية كامب ديفيد التي وقعها السادات مع الكيان الصهيوني.

 

وجاءت الفرصة سانحة لمصر لتدارك أخطاء الماضي وعمل نهضة وتنمية حقيقية في سيناء من خلال استغلال مواردها الاقتصادية وتخفيف العبء السكاني عن الدلتا والوادي، فضلاً عن الهدف الرئيسي بإيجاد تجمعات بشرية تشكل موانع وعراقيل في وجه أي اجتياح صهيوني لسيناء، خاصة في ظل القيود التي فرضتها معاهدة كامب ديفيد على وجود الأسلحة والقوات المسلحة المصرية في سيناء، وكثر الحديث عن مشروع تعمير سيناء وتنميتها، ولم يتم عمل شيء على أرض الواقع، وحتى مشروع ترعة السلام، فقد تم اختيار مسار خاطئ لها رغم تحذير الخبراء والمتخصصين، واختزلت سيناء في عهد الرئيس السابق في شرم الشيخ وبعض القرى السياحية في الوقت الذي تم فيه إهدار المليارات في مشروعات عديمة الجدوى، وقد قدم المهندس حسب الله الكفراوي الإجابة عن السؤال الحائر حول سبب عدم إعمار سيناء؟ ومن الذي يقف وراء ذلك؟ والذي اتضح أنه الرئيس السابق نفسه وهي إحدى الجرائم الكبرى التي ينبغي أن يحاكم عليها.

 

إن أي حكومة منتخبة مقبلة عليها أن تضع على رأس أولوياتها تعمير سيناء الذي ينبغي أن يكون المشروع القومي الأول الذي يلتف حوله الجميع.

---------------------

* مدرس التاريخ الحديث والمعاصر بكلية التربية- جامعة دمنهور

Dsafouthousin20020@gmail.com