من يتابع الفضائيات والصحف العامة والخاصة والندوات والمؤتمرات التي تعقدها جهات رسمية أو مؤسسات أهلية؛ يستشعر أن الإسلام يمثل المشكلة الأولى في مصر، وأنه بدونه تتحول الحياة إلى حالة أفضل من الجمال والرخاء والسلام، وباستمراره فإن الحياة تسوء، ويندر العثور على أنبوبة بوتاجاز أو صفيحة بنزين أو عشرة أرغفة من الخبز أو تشغيل ملايين العاطلين أو الحفاظ على كرامة المعتمرين الذين افترشوا مطاري جدة والقاهرة بحثًا عن طائرة تحملهم إلى بلادهم أو عن حقائبهم التي ضاعت ولا يعرفون مصيرها ولا يسأل فيهم أحد، أو تحقيق الأمن للسياسيين المصريين الذين يتم توقيفهم وتثبيتهم وهم سائرون في سياراتهم أو على أقدامهم و"تهليب" ما معهم من نقود وأوراق وسيارات، أو حماية عامة الناس في بيوتهم والشوارع والأماكن العامة..

 

بعض الناس يرى في الإسلام كارثة قدرية يجب التخلص منها بكل السبل والوسائل، ويعد ذلك حقًّا تفرضه حرية الفكر والتعبير والاستنارة والتوافق مع الآخر، حتى لو كان الإسلام دين الأغلبية الساحقة في مصر، وأعني بالأغلبية الكثرة التي تؤمن به دينًا وعقيدةً، ومعها الأقلية التي تؤمن به حضارة وثقافة، وللأسف بعد أربعة عشر قرنًا من الزمان، فإن بعض الناس لا يرى إلا قندهار ونميري وإيران رموزًا للإسلام وتعبيرًا عن تجلياته الحقيقية!

 

قندهار المدينة الجميلة التي عبر عنها الشاعر الأفغاني الراحل خليل الله خليلي بأعذب الأشعار غزلاً في سمائها وأرضها وجبالها وبطولاتها التي دوخت الغزاة السوفيت الذين أمطروها بالمطر الأصفر- الغازات السامة- فصمدت وحاربت حتى خرجوا من أفغانستان مهزومين مدحورين، قندهار رمز البطولة والكرامة صارت عند بعضهم رمزًا للتخلف والظلام؛ لأنها مسلمة وجاهدت بالإسلام من أجل الحرية والاستقلال والعزة.

 

نميري كان يريد أن يبقى في الكرسي إلى الأبد، وطبق الإسلام بطريقة رفضها معظم علماء الإسلام الأحرار، ورأوا فيها انتهازية لا تليق بحاكم مسلم، ينهج الطغيان سبيلاً، ويحرم شعبه الحرية، لأن الإسلام يرفض الطغيان، ويؤمن أن المسلم الحر، بل الإنسان الحر أيًّا كان معتقده؛ هو أساس بناء الحياة والحضارة والأمل.

 

أما إيران فهي شيعية الهوى والمذهب وتؤمن بولاية الفقيه، وعلينا مع ذلك أن نعترف أن الإيرانيين يطبقون العدل بين شعبهم، وحكامها لا يسرقون ولا ينهبون كما حدث في مصر المحروسة، ثم إنهم تفوقوا علينا في المجالات العسكرية والزراعية والصناعية والاكتفاء الذاتي من القمح، وأحمدي نجاد لم يغير سيارته البيجو مذ كان أستاذًا في الجامعة، ويتناول الشطائر التي تعدها زوجته في البيت، ويتناولها في مكتبه قبل أن ينام فترة القيلولة!.

 

أهل الهوى في مصر مصرون على تنحية الإسلام وتصويره وحشًا دمويًّا كاسرًا من خلال أفلام المهرجين وتجار الفن والمسلسلات والبرامج الحوارية المسائية التي لا يدعى إليها في الغالب إلا كل ذي هوى وكل خصم عنيد لمبادئ الإسلام وقيمه، وكل محب للسادة الأمريكان والغرب والتطبيع مع الصهاينة!

 

بعضهم يطرح المسألة طرحًا فيه تدليس وتضليل وتزوير، فيقول إن مصر متدينة قبل الأديان، وإنها لا تعرف التشدد ولا التطرف وإن ما لقيصر لقيصر وما لله لله وهذا كلام فيه خطأ وفيه صواب، ولكن دلالته النهائية أن مصر ليست في حاجة إلى الإسلام الذي يسبب لبعض المترفين قلقًا وخوفًا وذعرًا، لأنه قندهار ونميري وإيران. إذًا الإسلام مذنب ومتهم ويجب استئصاله، لأنه يعني التشدد والتزمت والتطرف والإرهاب والظلام..!!.

 

هناك من يطرح أسئلة الخوف والفزع من خلال بعض الجماعات الإسلامية في مصر، ويرى أنها الصورة التي يتجلى فيها تغوّل الإسلام وتوحشه الذي سيقضي على الفن وأهله وسيحرم السياحة ويمنع البكيني على الشواطئ ويكسر التماثيل والأهرامات، وسيحول النساء إلى خيام سوداء تتحرك على الأرض!.

 

لقد عاش الإسلام في مصر أربعة عشر قرنًا من الزمان لم يقمع فنًّا ولم يمنع أحدًا من ممارسة السلوك الذي يريد ولو كان مجافيًا للأخلاق والقيم والعقيدة إلا ما يطاله القانون، ولم يهدم أحد تمثالاً أو هرمًا، وكانت المشكلة الحقيقية في اللصوص الكبار والصغار الذين يسرقون التماثيل والآثار ويبيعونها للأجانب ولا يطالهم القانون.

 

ثم رأينا من يوجه أسئلة فيها استعلاء وتحدٍّ وامتهان للعقل والشعور العام، ومنها ما يوجه إلى بعض الجماعات الإسلامية عن الجهود المبذولة في التقارب بين الجهات المختلفة وهل تهدف إلى المصلحة العامة للوطن أم هي مناورات من أجل تحقيق مكاسب سياسية شخصية بحتة بعيدة عن الشعارات البراقة التي تطالعنا بها الصحف؟ وهل الجماعة الفلانية تؤمن تمامًا بالحرية الشخصية في ممارسة العبادة سواء أكان المعتقد يهوديًّا أو مسيحيًّا أو إسلاميًّا أو غير ذلك؟ وهل تعتقد في ضرورة فصل الدين عن السياسة والاقتصاد والعلم والرياضة، بحيث تكون العبادة مسألة شخصية بحتة بين الإنسان وخالقه؟ وهل تؤمن بأنه لا سيطرة لأي شخص على أي شخص آخر في المسائل الدينية؟ وهل ترفض حقيقة أسلوب خداع البسطاء بمقولات دينية من أجل كسب الأصوات في الانتخابات؟ وهل تعترف بأنه في عمليات التحالفات التي تتم حاليًا ينبغي أن يذوب الكل في الواحد الذي هو الوطن مصر؟ وهل تعتقد الجماعة أنه لا يجوز التهكم على أصحاب الديانات الأخرى وأنهم شركاء حقيقيون في الوطن من حيث الحقوق والواجبات؟

 

ل تؤمن بأن حرية المواطن لا يجوز الاعتداء عليها واحترام الحريات الشخصية؟ وهل ما تعلنه اليوم من بيانات هي إعلانات صادقة مخلصة فالله وحده هو العالم بخفايا الضمائر؟ وما هي الضمانات في الاستمرار في تطبيق المنهج المعتدل والمتوازن بين الجميع؟

 

وأتصور للإجابة على مثل هذه الأسئلة المستفزة المتعجرفة التي لا تعرف شيئًا اسمه التسامح، أن يأتي الشعب بقادة هذه الجماعة أو غيرها ويطرحهم أرضًا على ظهورهم في ميدان التحرير ويتم شق صدورهم وبطونهم للتأكد من صدق كلامهم الذي ليس مناورةً أو بحثًا عن مكاسب سياسية، لكي يطمئن السادة المستفزون المتعجرفون الذين ينظرون إلى الإسلام والمسلمين بوصفهم دخلاء على هذا الوطن الذي أضاعه بعض بنيه بالفساد والقهر والظلم والطغيان ومحاربة الإسلام!

 

هل سمع أحد عن تدخل إسلامي في ممارسة اليهود لعباداتهم على مدى تاريخ الإسلام؟ وهل سيطر أشخاص مسلمون على غيرهم في مسألة العبادات أو الأمور الدينية؟ الإسلام ليس فيه كهنوت، ولا يحمل أحد وزر أحد، ولا يملك أحد غفرانًا أو حرمانًا لأحد، وكانت قضية المسئولية في الإسلام واضحة وضوح الشمس: (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا (13) اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14)) (الإسراء).

 

لم يعرف الإسلام السيطرة على المسلمين في عباداتهم من قبل أشخاص أو حكومات، أيضًا لم يعرف السيطرة على غير المسلمين على امتداد تاريخه الطويل. السيطرة موجودة لدى غيرهم على النحو الذي يعرفه الناس جميعًا!.

 

مربط الفرس في أسئلة الصلف والتحدي يمثل في رفض الإسلام ما يسمى بفصل الدين عن الدولة، والمسألة في ظاهرها تهدف إلى إبعاد علماء الدين عن السلطة، ولكن البعد المقصود هو إلغاء الإسلام من التعليم والإعلام والثقافة والتشريع والمجتمع والحياة، وهذا أمر غير ممكن إلا باستئصال الإسلام وإلغائه تمامًا، ولكن القوم في أسئلتهم المتعجرفة يطلبون الفصل بين الإسلام والسياسة، وإن كانوا لا يطلبون من شرائع أخرى مثل هذا الطلب، فالسياسة اليهودية في فلسطين المحتلة مثلاً تفاوض بالتوراة، وتطرح على الطرف الآخر مقولات دينية في تمسكها بأراضٍ ليست لها، ومقدسات لا تملكها، وتشريد شعب ضعيف بائس في أرجاء الأرض، بل إنها في طلب تحرير أسراها تطرح مقولات الشريعة حول ضرورة تحرير الأسير أو نقل جثة الميت اليهودي حتى يتم تحديد موقف الزوجة والورثة، ومن المفارقات أن بعض الشرائع الأخرى التي تفرض الابتعاد عن السلطة الزمنية يمارس أتباعها من رجال الدين السلطة الزمنية، ويرفضون تنفيذ القانون العام وأحكام القضايا لأنها من وجهة نظرهم تخالف التعاليم الدينية!.

 

الإسلام أعطى أهل التخصص وأهل العلم وأهل الخبرة أو أهل الذكر حق الرأي في العمل العام، وضرورة الاحتكام إليهم؛ لأنهم أعرف بشئون ما يسند إليهم من أمور، وعلماء الدين المسلمون ليسوا وكلاء عن الله كما نرى في بعض الشرائع الأخرى.. تنحية الإسلام أمر جلل، لسبب بسيط وهو كون الإسلام كله سياسة لأنه منهج حياة بالمفهوم العام الشامل!.

 

القوم يتسامحون مع الشرائع كافة، ومع عباد البقر، وعباد الشيطان، ولكنهم لا يتسامحون مع الإسلام، لماذا؟!.

 

نقول لهم: تسامحوا مع الإسلام وكونوا أكثر إنسانية مع المسلمين!.