لا يمكن لسلطة أن تحكم إلا بالحرية أو بالديكتاتورية..

الحرية تعني: أن الشعب هو مصدر السلطة، والديكتاتورية تعني: أن الحاكم هو مصدر السلطة، وفي هذه الحالة لا بد للحاكم من كبت حرية الشعب؛ مما يستلزم أدوات شاذة كثيرة؛ منها قانون الطوارئ، ونلاحظ أن المخلوع لم يحكم مصر يومًا واحدًا إلا بقانون الطوارئ لثلاثة عقود.

 

والأصل أن قانون الطوارئ لا يُستخدم مطلقًا إلا لمصلحة البلاد، وبسبب حدث جلل طارئ (غير مستمر)، مثل الحرب، أو زلزال مدمر، وخلافه، واستمرار هذا القانون لا يمثل إلا نمطًا شاذًّا بلا مثيل عالمي, وهو لا يمثل مواجهة للإرهاب، ولكنه يمثل الإرهاب في حد ذاته, كما يعتبر الحاكم الأعلى لكل القوانين والقضايا، والمؤشر العام للحالة السياسية والاجتماعية وأساس العلاقة بين السلطة والمجتمع.

 

- الفلسفة الأمنية سابقًا كانت تمثل أمن الحكام والنظام، وليس أمن البلاد والعباد، والمطلوب هو استمرار هذه الفلسفة استنادًا إلى تمديد المخلوع لهذا القانون من 2010م إلى 2012م، وكأننا انتفضنا في معظم المدن الرئيسية ضد المخلوع كشخص وليس كنظام وسياسات، وما قامت الثوره أصلاً إلا لننتقل كمجتمع من الحالة غير الطبيعية الطارئة المستمرة إلى الحالة الطبيعية المستقرة.

 

- ولذلك كل الجدال عن قانونية استمرار هذا القانون لا داعي له؛ لأنها إشكالية سياسية، وليست قانونية؛ فالمطلوب فرض الطوارئ بتفصيل أي وضع قانوني دون سند منطقي؛ لدرجة استناد تمديده لشرعية النظام السابق!!.

 

- الانتخابات البرلمانية وفقًا للاستفتاء الدستوري هي الخطوة الأولى في بناء النظام الجديد، والبرلمان هو الذي يختار أعضاء الجمعية التأسيسية التي تصدر الدستور الجديد، ثم تأتي الانتخابات الرئاسية؛ فهل يُعقل أن يحدث كل ذلك تحت الطوارئ، وماذا لو تمَّ رفع دعوى قضائية لعدم جواز البرلمان الجديد؛ لأنه انتُخب تحت الطوارئ؛ فهل تتحوَّل مصر إلى فوضى؟ وهل يجهل المجلس العسكري ذلك؟

 

- المجلس العسكري فرض قانون منع الإضرابات، وكانت النتيجة هي زيادة الإضرابات لمعظم فئات الشعب، كما قام المجلس ببناء الجدار العازل أمام السفارة الصهيونية فقام الشعب بهدمه أمام أعين العالم؛ فهل هذا يكفي لاستشعار نتيجة الإصرار على قانون المخلوع المسمَّى بالطوارئ؟!

 

- كان لعدم وفاء المخلوع بوعده للشعب بإلغاء قانون الطوارئ تأثيرٌ سلبيٌّ كبيرٌ عندما قام بتمديده من 2010م إلى 2012م؛ مما يعني أنه لم يعطِ أي قدر من الاهتمام بمصداقيته عند الشعب، وبالرغم من ذلك أصرَّ على الاستمرار في كرسي الحكم، وقام بتزوير آخر انتخابات برلمانية بقسوة؛ مما استلزم قانون الطوارئ لدعم الجهات الأمنية لقهر الشعب والقوى السياسية التي قامت بإنشاء البرلمان الشعبي، وكان إصرار المخلوع على موقفه لا يُنسى عندما صرَّح: "خليهم يتسلوا"، وكان ذلك ضمن المحطات الأخيرة بينه وبين الشعب، والتي أدَّت لانضمام الشعب لدعوة احتجاج عادية 25 يناير؛ التي تحوَّلت لثورة دخلت التاريخ؛ فهل هناك من يفقه ذلك أم أن المطلوب هو تزوير الانتخابات البرلمانية القادمة؟

 

- قانون الطوارئ هو الفعل الطارئ المستمر (الشاذ)، ولا يجهل أحد القاعدة التاريخية الهندسية: لكل فعل رد فعل، مساوٍ له في القوة والنوعية، ومضاد له في الاتجاه"، و"البادئ أظلم"؛ فهل يكفي كل ذلك؟

 

- نحيِّي بشدة جميع المشاركين في جمعة "استرداد الثورة"، ونتفهَّم موقف القوى السياسية التي لم تشارك لإعطاء المجلس العسكري الفرصة لإعادة الحسابات وفقًا للإرادة الشعبية، ونتوقع أن تقوم هذه القوى بمعاودة الانضمام للقوى الثورية إذا لم تتم الاستجابة الفعلية لمطالب مليونية "استرداد الثورة"؛ حيث إن معظم نتائج الاجتماع الإيجابي الأخير بين المجلس والقوى السياسية  عبارة عن أفكار وحسن نوايا لا بد أن تتحول إلى قرارات وواقع تنفيذي يفضل تأجيل تقييمه قليلاً.

 

وعلى أي حال إذا استمر الضغط السلمي الشعبي لإلغاء قانون الطوارئ من المرجَّح أن يتم إلغاؤه؛ لأنه لا يمثل إلا أول وأسهل محطة من محطات الكفاح الثوري، خصوصًا بعد زيادة نشاط الفلول المضادة للثورة؛ لدرجة التهديد بالإخلال بالأمن القومي.

 

أمامنا محطات أخرى، مثل قانون العزل والحظر السياسي المطلوب لمنع الفلول من المنافسة في الانتخابات البرلمانية، وغيرها، وكذلك قانون الغدر المطلوب لمحاكمة المخلوع محاكمةً عادلةً، تتناسب مع ما اقترف على مدى ثلاثة عقود، وتتوالى المحطات، لكن المؤكد يقينًا أنه.. ما ضاع حق وراءه مطالب.

--------

* رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار- hassanelhaiwan@hotmail.com