أوضح أعضاء المجلس العسكري في عدة مناسبات أن الجيش كان ضد توريث الحكم من مبارك إلى نجله جمال، وكانت تلك أول إشارة عن موقف الجيش في هذه القضية، وكان معنى التوريث أن يأتي نجل الرئيس بعده بترتيبات تصل إلى حدِّ القرار، ولكن رفض الرئيس السابق تعيين نائب له يصبح رئيسًا بشكل آلي وفق نظام الاستفتاء كما حدث معه أيضًا كان يعني أن الرئيس السابق أضمر تعيين نجله وليًّا للعهد، وأنه ادَّخر المنصب له وفق خطة شاملة شاركت فيها كل أجهزة الدولة، فإذا كانت كل هذه الخطة قد اعترض عليها الشعب المصري كله، وظل يقاوم خطة التوريث؛ مما بدا أن الجيش كان هو الآخر يؤيد الشعب في هذا المسعى، ولم يكن ممكنًا أن يقف التوريث بغير الثورة على الحاكم التي أفسدت هذه الخطة، وأوقفت طموحات تمدد النظام.

 

 

والحق أن إقرار مبدأ الاستفتاء عبر ثلاثة من الرؤساء ذوي الخلفيات العسكرية قطع فجأة قرار مبارك عام 2005م بأن يتحول النظام من الاستفتاء إلى الانتخاب عبر نظام يتعدد فيه المرشحون ولو بطريقة شكلية كمقدمة ليدخل ابنه إلى الرئاسة بهذه الطريقة.

 

مؤدى انتقال السلطة منذ عام 1952م حتى 2011م إلى عسكريين كان سيقطعه نقل السلطة توريثًا من مبارك إلى نجله المدني، وربما كانت تلك إحدى التكهنات بأن الجيش لن يسمح بنقل السلطة إلى مدني، ثم أكدت تصريحات كل أعضاء المجلس العسكري بأن الجيش يستعجل تسليم السلطة إلى حكومة مدنية منتخبة، كما أكد أنه لا ينوي طرح أيٍّ من العسكريين الحاليين أو السابقين لمقعد الرئاسة، يقابل ذلك اضطراب موقف النخبة حول هذه المسألة، اتجاه يرى أن العسكر تاريخيًّا لا يتركون السلطة، فلماذا يتركونها هذه المرة، خاصة بعد أن استمروا فيها بلباس مدني منذ عام 1952م حتى الآن، وأن سمعة الجيش وحمايته للثورة توفر أرضية لاستمرارهم، واتجاه ثانٍ يطالب برئيس عسكري لضبط الأمور بعد اضطرابات الثورة وتقلبات الأحوال في مصر، بينما يطالب اتجاه ثالث باستمرار المجلس العسكري سنوات أخرى حتى تستتب الأمور، ويبدو أن هذا الاتجاه يفضل استمرار المجلس العسكري على نظام يغلب فيه حكم التيار الإسلامي.

 

لكل هذه الاعتبارات نحن نعتبر أن أيَّ مرشح عسكري هو محاولة لتوريث الحكم ليستمر الحكم العسكري منذ 1952م؛ لأن الرئيس العسكري لا يمكن أن ينشئ حكمًا ديمقراطيًّا، كما يناقض ذلك إصرار الثورة على حكم ديمقراطي مدني.

 

والمرشح العسكري السابق أو من الخدمة قد يكون ممتازًا وحائزًا لجميع المواصفات التي تجعله رئيسًا مفيدًا وناجحًا، ولكن القضية لا تتعلق بشخص المرشح وإنما بالمرحلة، فقد يجوز أن يترشح عسكري في مرحلة لاحقة ضمن نظام ديمقراطي.

 

وإذا كان ترشيح العسكري ممكنًا من الناحية القانونية فلا أظن أنه مقبول من الناحية السياسية والنفسية في ظلِّ الجدل حول دور الجيش في السلطة والتخوف من عدم نقل البلاد بسهولة إلى حكم مدني ديمقراطي.

 

وأخيرًا فإنه يتعين الإسراع في تطهير البلاد من رموز النظام السابق؛ حتى لا يتسللوا إلى النظام الجديد في الانتخابات التشريعية والرئاسية.