ما إن قرأت مانشيت الصحيفة الذي يشير إلى قرار المجلس الأعلى للقوات المسلحة إعلان الحرب حتى باغتني جرسون المقهى بخبر انتهاء وقت العمل وما يعنيه ذلك من ضرورة انصرافي مع سائر الزبائن.. شعور غريب انتابني لحظتها أو ربما كان مزيجًا من المشاعر المختلطة، هل أنا سعيد لأن حياتنا قد عرفت النظام أخيرًا؟.. أم أنني مستاء لأنني مضطر أن أعيد الجريدة لكشك الصحف الذي لمحته في زاوية الميدان يغلق بابه مؤذنًا بالرحيل.. تحركت مسرعًا نحوه لكنه بادرني مبتسمًا: خليه معاك.. بس أمانة بعد ما تخلصه أنت عارف تلاقيني فين.. شكرته وانطلقت نحو محطة الحافلات في طريقي للبيت.. تذكرت وأنا انتظر "الباص" أنني منذ سنوات عديدة لم أركب أي مواصلات عامة.. ربما سوء حالتها كان السبب أو التزامها بخط سير طويل يختصره التاكسي، جاء "الباص" ولاحظت منذ دخوله تغيرات واضحة فمقاعد المسنين مخصصة فعلاً لهم وأرض الباص خالية من المخلفات ونوافذه تشبه نوافذ المقهى نظيفة ولامعة، والركاب عليهم مسحة هدوء وسكينة.. كل ذلك شجعني لأعيد فتح الجريدة وأطالع قرار الحرب الذي توقفت عنده في المقهى..

 

بكل التركيز واصلت قراءة التفاصيل: (شهد الشارع المصري مظاهر عديدة للفوضى وغياب الحزم بعد انهيار نظام مبارك وما تبعه من غياب أمني لذلك قرر المجلس الأعلى للقوات المسلحة إيمانًا منه بمسئوليته الوطنية إعلان حالة الحرب على كل مظاهر الفوضى والتسيب والوقوف بحسم أمام كل صور الجريمة وإعادة الانضباط للشارع المصري).

 

هكذا تقول تفاصيل الخبر.. وفي سبيل تحقيق هذه الغايات تقرر ما يلي:

أولاً: تشكل غرفة عمليات مركزية بالعاصمة تتبعها فروع في جميع المحافظات تتولى متابعة أداء كافة المرافق.

 

ثانيًا: يتم استدعاء قوات من الاحتياط تشارك مع الشرطة في ضبط إيقاع الشارع المصري في مجالات المرور وشرطة المرافق وشرطة الانضباط- التي كان معمولاً بها قديمًا– وذلك تصديًا لمظاهر البلطجة والتحرشات وقيادة المركبات بصورة غير آمنة، أتاري الشوارع هادية!!! وحركة المرور مفيش أجمل من كده؟؟ (دا أنا اللي باقول لنفسي!!).

 

ثالثًا: يتم دعم فرق النظافة والتجميل بأفراد وسيارات من الأمن المركزي (أكثر من نصف مليون عاطل مركزي)!!، ويتم منع مصادر التلوث والضجيج، ونقل الصناعات والحرف الملوثة للبيئة خارج نطاق المدن، كذلك يمنع استخدام مكبرات الصوت في غير الأماكن المرخص لها وفي حدود الاحتياج، ويستثنى من ذلك (سماعات) لرفع الأذان وليس ميكرفونات.

 

رابعًا: تقرر وضع لائحة لسير مركبات النقل الثقيل تحدد مواعيد سيرها وحدود سرعتها وحمولاتها والمسارات المصرحة لها والأماكن التي يحظر سير النقل بها، على أن يلغى تمامًا جر مقطورات خلفها، وتكون مصادرة المركبة هي عقوبة المخالفة.

 

رابعًا مكرر: يحظر سير مركبات الدواب- النقل البطيء- داخل جميع المدن المصرية ويصرح بها في القرى فقط.

 

خامسًا: يتم إلزام جميع الهيئات والمؤسسات والشركات العامة والخاصة بمواعيد العمل ويلغى ترخيص المخالف.

 

خامسًا مكرر: يتم تقسيم جميع أماكن العمل إلى ثلاثة مجموعات يحدد لكل منها موعد لبداية العمل ونهايته؛ فتبدأ المجموعة الأولى عملها في تمام الـ7 صباحًا وتنتهي الساعة 13 وتبدأ الثانية الساعة 8 ص وتنتهي الساعة 14 والمجموعة الثالثة تبدأ عملها الساعة 9 ص حتى الساعة 15، وذلك منعًا من التكدس والزحام الناتج من النظام الموحد.

 

سادسًا: تحدد مواعيد للبث الإذاعي والتليفزيوني بالنسبة للقنوات الحكومية، ويستثنى من ذلك القنوات الخاصة.

 

سابعًا: تتم دراسة الخطة الإعلامية من خلال وزارة الإعلام- المؤقتة- وذلك لإرشاد المواطنين وتوعيتهم، كذلك تخصص قناة لمحو الأمية وقناة لتعليم اللغات وقناة للتثقيف السياسي.

 

ثامنًا: يتم عزل جميع رؤساء الأجهزة المحلية ويحل نوابهم محلهم بمسمى قائم بالأعمال لحين صدور قرارات التعيين.

 

تاسعًا: يتم عزل مجالس إدارات النقابات المهنية والجمعيات الأهلية وإعادة انتخاب مجالس إدارة خلال 60 يومًا.

 

عاشرًا: تشكل لجنة عليا من وزارة الإسكان وجهاز الخدمة الوطنية وكليات الهندسة تتفرع منها لجنة بكل محافظة؛ لتقديم دراسة عن حالة الطرق ومقترحات تطويرها وموازنات التكلفة لكل طريق ومصادر ومقترحات التمويل.

 

حادي عشرَ: تدعيمًا لموارد الدولة يتم تنظيم مزايدة لمنح حق امتياز إدارة وتشغيل المواقع السياحية لمدة 3 سنوات، وذلك للشركات المصرية المتخصصة وتحت إشراف وزارتي السياحة والداخلية.

 

ثاني عشرَ: تقرر فتح باب الترشيح لانتخابات رئيس الجمهورية لمدة أسبوع على أن تجرى الانتخابات بعد شهر من غلق باب الترشيح، وتعلن النتيجة في اليوم التالي ويعقب ذلك اجتماع لحلف اليمين أمام مجلس الشعب، وبذلك تنتهي ولاية المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي يعلن ولاءه لمصر وشعبها ودستورها وحكومتها ورئيسها المنتخب.

 

عاشت مصر حرة أبية قوية.. وعاش شعبها البطل عزيزًا..

 

ثالث عشرَ: اتناشر إيه وتلاتشر إيه يا راجل انت... انت بتتكلم وانت نايم؟... الصوت دا أنا عارفه كويس... لكن إيه علاقته بالخبر والقرارات الفورية والعاجلة؟... ما ترد يا راجل انت مبتسمعش...آه... دا صوت مراتي...

اتلفت حولي فسألتني:

- بتدور على إيه؟؟

- مشفتيش جرنان قديم؟؟

- جرنان إيه؟؟ مشفتش جرايد

- الآن تأكد لي أنني كنت مستغرقًا في حلم... صحيح كان حلم ميري... بس جمييييل بشكل
نهضت من فراشي مسرعًا وارتديت ملابسي ونزلت مهرولاً إلى عملي يصدمني الزحام والضجيج وكل مظاهر التلوث السمعي والبصري بل والميكروبي كمان... وبعد رحلة الشقاء... وصلت منهكًا إلى مكتبي أحاول تذكر بنود القرار العسكري الخاص بترتيبات المرحلة الانتقالية ولجنة إدارة الأزمة التي شكلها خيالي في المنام وألبسها الزي الميري.

 

لم أتمكن من تذكر التفاصيل لكن التساؤلات ظلت طول اليوم مسيطرة على ذهني:

- لماذا لا تصدر مثل هذه القرارات؟ أم أنها ضرب من الخيال المستحيل؟!.

- أليست مصر بلد المعجزات؟ وجيشنا هو صانع التاريخ؟؟

إن كل الأعمال العظيمة تبدأ بفكرة..

 الثورة نفسها كانت حلمًا أراد الله أن يتحقق.

هل هذا الحلم بحاجة إلى تفسير؟ وهل منكم من يستطيع ذلك؟

أم أن الأيام القادمة تحمل الأمل لمصر الحبيبة وشعبها العظيم؟

باحلم معاك ببكرة جاي... ولو ما جاش... إحنا نجيبه بنفسنا.