لا يستطيع أحد أن ينكر ما أنجزته الثورة حتى تاريخه وإن كان كل ما تحقق يصب في خانة إسقاط النظام وحبس رموزه وتقديمهم للمحاكمة، وهذا يعتبر ربع ثورة أما الذي نريده وكنا نأمل خيرًا في المجلس العسكري، وكذلك حكومة الثورة أن يمد يد العون ويبذل قصارى جهده من أجل المرحلة التي تسبق بناء نظام جديد يحقق لمصر شعبًا ودولةً أن تكون بحق دولة الحرية والعدالة، وهذا لن يتأتى إلا بتفكيك النظام القديم بكل أشكاله داخل مؤسسات الدولة.

 

الكل يعلم أن الثلاثين عامًا الماضية تشكلت قيادات لها ولاؤها الكامل لمن وضعها في مناصب قيادية فمنذ تولي الرئيس المخلوع رئاسة مصر عام 1981م كان هناك ملازم شرطة وملازم جيش ووكيل نيابة ومعيد في كلية.. إلخ

 

هؤلاء جميعًا أضحوا لواءات جيش وشرطة وعمداء كليات ورؤساء جامعات وقضاة وسفراء ووزراء ومحافظين.. إلخ

 

ولا شك أن القوانين الجاهز منها والتفصيل، والتي شرعت وفصلت بأيدي ترزية قوانين محترفين خلال الثلاثين عامًا من أجل شراء الولاءات وقهر المعارضة والشرفاء زرعت في كل المؤسسات قيادات لا تعمل بحرية ولا تفكر بعقلها ولا تحسن الإبداع ولا تتقن الأفعال؛ ولكنها تسعى بكل ما أوتت لإرضاء سيدها وولي نعمتها حتى تقولوبوا تحت جملة حسب توجيهات السيد الرئيس، والمجلس سيد قراره، ومع استمرار قانون الطوارئ، وادعاءهم المخادع أن الديمقراطية لا تؤخذ جرعة واحدة.. إلخ في مقابل أن تجني لنفسها الثروات والعقارات والشهوات.

 

كل ما سبق صنع شبكة عنكبوتية انتشرت في كل ربوع مصر فأفسدت العباد والبلاد وتحللت منظومة القيم والعادات فنخر سوس الفساد في الأجسام لحمًا وعظمًا فطال الضمائر والذمم؛ ولأن الله لا يصلح عمل المفسدين انتفض الشعب كله بحول الله فأسقط النظام في 18 يومًا.

 

لا أنس أبدًا في التدليل على هذه الشبكة الفاسدة المنافقة ما رأيته حقيقةً من رئيس حي يعطي تعظيم سلام لسكرتير عام إحدى المحافظات في التليفون قائلاً: "سيادتك يا افندم أنا ماسك سماعة التليفون بإيد وتعظيم سلام بالإيد التانية ومستني أسمع أوامر سيادتك!!".

 

وأذكر ما رواه مدير إدارة المرور بإحدى المحافظات مستغربًا ومحبطًا إذ كيف يطبق القانون على المواطنين وعنده في التعليمات 18 فئة مستثناة ومعفاة من توقيع الغرامات عليها منها على سبيل المثال كل الأجهزة الأمنية والعسكرية وأعضاء مجلسي الشعب والشورى والهيئات القضائية والدبلوماسية.. إلخ.

 

نعم تفكيك النظام به الكثير من المطبات الصعبة والمنعطفات الخطيرة.. لكن الشواهد جميعها تسير في اتجاه الإبقاء على النظام السابق بل وتقويته على حساب الثورة، وإلا ما معنى الموافقة على ثمانية أحزاب وأكثر لفلول الحزب الوطني الفاسد والمحظور، دون أي اعتبار بالمطالبات الملحة لتفعيل قانون الغدر وملاحقة الذين أفسدوا الحياة المصرية في كل مجالاتها.

 

وماذا يعني أن كل الحركات التي تمت بحق الوزراء والمحافظين يغلب عليها قيادات تدين بالولاء للنظام المخلوع وإن تنكرت له ولبست ثوب الثورة والعفة والطهارة والشفافية.

 

ماذا يعني مد قانون الطوارئ المنتهي دستوريًّا وثوريًّا؟! وكأننا لا نعيش ثورة.

 

ماذا يعني قرار الحكومة بشأن تشكيل المجالس المحلية المؤقتة بعد صدور حل المجالس المحلية السابقة والمزورة؟!.

 

ماذا يعني صدور إعلان دستوري يفرض قسرًا آليات وكيفية انتخاب مجلسي الشعب والشورى؟! بما يقوي من شوكة الفلول وعودة النظام الفاسد للحياة السياسة مرة أخرى.

 

ماذا يعني اقتحام قناة (الجزيرة مباشر) ثلاث مرات خلال شهر واحد؟!.. والجميع يعلم أنه إذا كان الشعب المصري الأصيل ووجه الشكر والتحية للجيش في حمايته ومساندته للثورة فإنه وجهها كذلك وبنفس القوة لقناة الجزيرة التي كانت الشريك الإعلامي الصادق والموضوعي للثورة، وهل ما يحدث لقناة الجزيرة عقاب لها لصالح النظام المخلوع، ورسالة مفادها أنه "لن يسمح لك مستقبلاً بالمشاركة في تفكيك النظام"، ما يشير إلى أن القادم مجهول وسيئ ولا ينبغي نقله على الهواء مباشرةً!! أنا حقيقة أود أن أفهم!!.

 

لكن يبقى الأهم في الدور الشعبي صاحب الإرادة الذي يجب أن يعي أن الواجبات القادمة أكثر من الأوقات، وأن تفكيك النظام ضرورة ثورية وفريضة بشرية، فمشوار الثورة ما زال في أوله حتى يتم تفكيك النظام القديم وبناء نظام ديمقراطي مستقر، وأن يصدر الشعب قرارته القوية في فرض آليات انتقال السلطة إليه عاجلاً ودون تباطؤ وأن يمارس قانون الفضح والعزل الشعبي من خلال القوائم السوداء ثم عبر صناديق الانتخاب، وعلى مستوى مؤسسات الدولة ألا يسكت عن كشف أي فساد أو فاسد وأن يكون آلة التطهير من كل بطانات السوء والفساد والضغط من أجل إستبدالها كفاءات أخرى بها تراعي مصلحة البلاد والعباد، أما عن التهديدات الأمريكية بين الحين والآخر بشأن المساعدات فهذا أمره في إنشاء صندوق شعبي يعلن عنه من قبل حكومة الثورة أو التحالف الديمقراطي ويخاطب كل شعوب العالم وأحرار العالم من رجال الأعمال أن يمدوا يد العون بالمشاركة من أجل تدبير بديل المساعدات الأمريكية حتى تسترد مصر عافيتها ودون أي ضغوط خارجية لصالح الأمريكان أو غيرهم ومن المعلوم أن 5% من زكاة مال العرب تفوق أضعاف أضعاف ما يُسمَّى بالمساعدات الأمريكية وإن كنا لا نقبل الزكاة فالقرض الحسن دون فوائد أو شروط يمكن سداده مستقبلاً وخلال خمس سنوات.. والله مع مصر وشعبها حتى تزاح الغمة ومن أغمها أو يعمل على غمها.

--------------------

* أمين عام حزب الحرية والعدالة بالبحيرة