على المستوى الرسمي كان الحكم بإعدام سبعة من الإخوان عام 1966م، أما الذين لقوا ربهم تحت وطأة التعذيب بالعشرات، وقد عدل الحكم بالنسبة لأربعة من السبعة إلى المؤبد، ونفذ الحكم في الثلاثة الأوائل، وحديثنا عن ثاني الثلاثة، وهو الشهيد محمد يوسف هواش، الذي قصَّ على إخوانه رؤياه في الليلة البارحة، وقبل تنفيذ حكم الإعدام فيه بأيام قلائل.. رأى نفسه في جمع من الناس يسلم على الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، فلما جاء دوره وسلم على الحبيب قال: يا رسول الله: هل بدلنا؟ هل غيرنا؟ فكان رد المصطفى صلى الله عليه وسلم: لا بل أمناء.. بل أمناء.. بل أمناء (ثلاث مرات).

 

* والآن كيف نكون أمناء على هذه الدعوة الغالية؟، سوف أسرد بعض النقاط التي أراها من لوازم هذا الأمر.

 

- توريث الفهم الصحيح الصافي الشامل الكبير للإسلام، الفهم الذي ينفذ إلى أعماق الأمور وينزل كل أمر منزله بلا إفراط ولا تفريط، وصحة الفهم نور يقذفه الله في قلب العبد يميِّز به بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، ونذكِّر بقولة رسول الله صلى الله عليه وسلم العظيمة لقبيلة بني شيبان بن تعلبة عندما كان يعرض نفسه على القبائل في مكة عندما حاولت هذه القبيلة أخذ الذي لا تكرهه الملوك من هذا الدين؟ فأجابها صلى الله عليه وسلم بقوله من حديث طويل: "ما أسأتم الرد أفصحتم بالصدق.. إنه لا يقوم بهذا الدين إلا من أحاطه من جميع جوانبه"، وقوله صلى الله عليه وسلم: "فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد"، وجاء في الأثر "لموت ألف عابد قائم بالليل صائم بالنهار أهون من موت العاقل البصير بحلال الله وحرامه"، وأذكر بقول الله عزَّ وجلَّ لنا جميعا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)) (الأنفال).

 

- التربية.. التربية.. التربية، ولن أَمَلَّ إذا كررتها عشرات المرات؛ فالتربية من أهم الثوابت في دعوتنا، وهي سبيلنا إلى تكوين القاعدة المؤمنة الصلبة التي تتحمل الصعاب، وتشري نفسها ابتغاء مرضات الله؛ لتكون كلمة الله هي العليا، ولتسعد البشرية جمعاء.

 

ماذا نريد بالتربية؟

إن التربية في أبسط معانيها هي تنمية الشيء تدريجيًّا حتى يبلغ درجة كماله، فيكون معنى التربية: التنمية، وما دامت التربية هنا تنحصر في التربية الإسلامية، والإسلام في مفهومنا شامل يتناول مظاهر الحياة كلها، وعليه فالتربية لا بد أن تكون شاملة شمول الإسلام الذي يتناول أمور الدنيا والآخرة، وللتربية وظائف تقوم بها ألا وهي:

أ- تثبيت وتأصيل وتعميق صفات موجودة لدى الضرورة أو الأفراد، تتفق مع منهج الإسلام، والعمل على تنميتها وتوظيفها لمصلحة الدعوة والجماعة.

 

ب- التخلص من صفات موجودة في الفرد أو الأفراد لا تتفق مع منهج الإسلام.

 

ج- اكتساب صفات جديدة لا تتوافر لدى الفرد، يتطلبها منهج الإسلام والعمل له، وكل الوظائف التي تقوم بها التربية لا يمكن أن تتم إلا بالمعايشة وبدونها تصبح التربية عاجزة عن بلوغ كمالها، وقد لا ينبئ مظهرها عن حقيقة مخبرها، وأختم هذه النقطة ببعض ما ذكره الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله: إن معركتنا معركة تربوية، إن التهاون في البناء والتربية يعرض الجماعة لهزات وفتنة داخلية.

 

- الحفاظ على الجماعة والذوْد عنها، والعيش في ظلالها والجهاد تحت لوائها، ودوام الالتزام بها الذي هو سر بقائها ومكمن قوتها(1).

 

- يجب أن ننتبه إلى أن العمل العلني والانطلاق في المجتمع والحركة بين الناس خاصة في المجال السياسي يحتاج إلى حذر ومراقبة لتطلعات النفس، فهذا ميدان يختبر فيه إخلاص المرء وصدقه، ويحضرني ما نزل من القرآن يوم غزوة أحد، ومنه قوله تعالى: (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ) (آل عمران: من الآية 152).

 

قال السدي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ما كنت أرى أن أحدًا من أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى نزل فينا: (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ) (آل عمران: من الآية 152).

 

وأنقل عن أستاذنا الفاضل السيد نوح رحمه الله النقطتين التاليتين.

 

* التخطيط الواعي الدقيق المبني على دراسة الواقع وفهمه باستمرار، ثم التعامل معه بناء على هذه الدراسة وهذا الفهم.

 

* التأني والتريث والتروي وعدم الاستعجال، ذلك أن الباطل لم يفرض سلطانه في يوم وليلة، وإنما احتاج إلى زمن طويل يخطط وينفذ ويتابع؛ لهذا لا ينتظر أن يتم البناء في يوم وليلة، وإنما لا بد من وقت كافٍ وزمن طويل، لا سيما والبناء أشد وأصعب بكثير من الهدم، ولنا فيما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لخباب بن الأرت المثل والقدوة.

 

* الصلة بالله عزَّ وجلَّ، والحرص على دوامها وزيادتها وتقويتها، ويهمنا في هذا المجال محوران من محاور التربية، ألا وهما: التربية الإيمانية والتربية العبادية.

 

ففي التربية الإيمانية في مرحلة من المراحل يشترط في الفرد أن يؤمن بقضاء الله وقدره فيما يقع له في حياته من خير أو شر، ثم يصل إلى التسليم المطلق لقضاء الله وقدره بمنتهى الرضا، وليُوِقن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوه بشيء لن ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له، وأن الأمة لو اجتمعت على أن يضروه بشيء لن يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه.

 

وأما التربية العبادية فتعمل على الترقي في مدارج الكمال في تأديتها؛ فمثلاً الصلاة تتدرج من مداومة أدائها في أوقاتها في جماعة، ومحاولة أن تكون الجماعة في المسجد، والحرص على الجماعة الأولى، أي في أول الوقت؛ فقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أي الأعمال أفضل؟ فقال: "الصلاة لوقتها"، ثم يجتهد في تحقيق معنى أن الصلاة صلة روحية بين العبد وربه، وأن ليس للإنسان من صلاته إلا ما عقل حتى يصل إلى الدرجة التي يكون فيها العبد ممن يعبد الله كأنه يراه "اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، والصلة بالله وتقواه زادنا.. (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) (البقرة: من الآية 197).

 

وسر صمود المؤمن في أوقات المحن والشدائد وأمام عوارض الدنيا وتقلباتها من هذا الزاد، وأنعم به من زاد، مثول العبد بين يدي ربه في جوف الليل؛ حيث تنزل الرحمات وتستجاب الدعوات، وتصفو النفوس، وتمثل الذنوب بارزة أمام أصحابها، ويحدث المرء نفسه: يا نفس، ماذا بك من أمراض النفوس والقلوب التي تحبط الأعمال وتنقص الإيمان؟ وطوبى لمن رأى نفسه من داخلها وألمَّ بأمراضها وجاهدها جهادًا كبيرًا؛ ليلقى ربه بقلب سليم وعقل حكيم ولسان صدوق.. (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)) (العنكبوت).

 

اللهم طهر قلوبنا، وزكِّ نفوسنا، واجعلنا من عبادك المخلَصين المخلصين الذين يشرون أنفسهم ابتغاء مرضاتك وطمعًا في جنتك وثوابك وخوفًا من نارك وعقابك.

 

وصلاةً وسلامًا على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد قائدنا وزعيمنا ومرشدنا وهادينا إلى صراط الله المستقيم (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ (53)) (الشورى).

------------------------

الحواشي:

(1) يرجع إلى مقالة "الإخوان المسلمون.. الالتزام أهم عوامل البقاء".