أقول دائمًا: إن الأستاذ هيكل صحفي عالمي، وكاتب مرموق، ومثقف كبير، بيد أنه في النهاية بشر، تحكمه عواطف الحب والكره في بعض مواقفه، ولا سيما الحقبة الناصرية، التي كان فيها العقل المفكر للنظام، والفيلسوف اللامع الذي يرسم له السياسات، ويضع له المواثيق والمناهج والخطابات، ومن ثَمَّ فهو ما انفك يدافع عن أخطائه وخطاياه التي نتجرع مرارتها حتى اليوم، كل ذلك بدافع الحب لتلك الحقبة وقائدها، ويدفعه الكره للإخوان المسلمين إلى الافتئات عليهم- الذي يصل إلى حد الافتراء- لأنهم كانوا خصومًا لعبد الناصر، ومن ثَمَّ تفتقد- للأسف الشديد- كتاباته في هذين الموضوعين الحيادية والمنهجية والموضوعية.
أقول هذا بين يدي تعليق لي على ما قاله عن الإخوان في حديثه إلى "الأهرام"، والمنشور يوم الثلاثاء 20/9/2011م، حيث يقول الأستاذ هيكل:
"ذلك أن التجديد الحديث في الفكر الإسلامي قام به الشيخ محمد عبده، لكن التنظيم الإسلامي المستجد قام به الأستاذ حسن البنا، ولم يحدث أن التقى فكر محمد عبده مع تنظيم حسن البنا، ولو حدث لكان للإخوان المسلمين الآن شأن آخر يفوق ما تطورت إليه التنظيمات الإسلامية في تركيا مثلاً".
ولا ريب أن الأستاذ الإمام محمد عبده؛ مفكر ومجدد إسلامي عظيم، مارس السياسة مع أستاذه جمال الدين الأفغاني، وحينما لسعته نارها بالنفي خارج الوطن تبرأ من السياسة ولعنها وهجرها إلى الأبد، وعندما عاد انتهج منهج إصلاح التعليم والقضاء؛ سبيلاً إلى نهضة الأمة، وقد توفي رحمه الله قبل ولادة الأستاذ البنا بسنة واحدة فلم يلتقيا، ولذلك فقد تواصل الإمام البنا في شبابه مع التلميذ الأنجب للشيخ محمد عبده، ألا وهو الشيخ رشيد رضا، الذي كان يُصدر مجلة المنار، التي كان يُصَدِّرها بتفسير أستاذه محمد عبده، الذي تلقاه عنه في جامع الأزهر الشريف.
واستفاد الأستاذ البنا من الشيخ رشيد رضا خلاصة أفكار الشيخ محمد عبده، وعندما توفي الشيخ رشيد رضا، تولى الأستاذ البنا إصدار مجلة المنار، وأصدر منها ستة أعداد- من العدد الخامس في يوليو 1939م إلى العدد العاشر في سبتمبر 1940م من المجلد 35- بل استأنف تفسير القرآن من حيث توقف الشيخ رشيد رضا، ففسر جزءًا من سورة الرعد، ولكنه كان تفسيره الشخصي، وإن كان على منهج الشيخين محمد عبده ورشيد رضا في التفسير.
وإذا كان الشيخ محمد عبده قد جدد في إصلاح التعليم والقضاء الشرعي، إلا أنه اكتفى بالكلام والكتابة في هذين المجالين، فالأستاذ البنا جدد في الفكر الإسلامي كله، وأوضح للناس حقيقة الإسلام، وشموله لكلِّ مناحي الحياة، وتكلم عن مبادئ الحكم الدستوري فقال: "ولهذا يعتقد الإخوان المسلمون أن نظام الحكم الدستوري هو أقرب نظم الحكم القائمة في العالم كله إلى الإسلام، وهم لا يعدلون به نظامًا آخر".
وتكلم عن الحريات العامة؛ حيث ذكر أن الحرية فريضة من فرائض الإسلام، وتكلم عن انتخاب الحكام ومراقبتهم ومحاسبتهم، وبالجملة تحدث عن النظام السياسي، ثم تحدث عن الإصلاح الاجتماعي والأخلاقي، والإصلاح الاقتصادي، وإصلاح التعليم والإعلام والفن والعناية بالصحة العامة، وتكلم عن تحرير الوطن من الاستعمار بكلِّ أشكاله، وتحرير العالم الإسلامي، وتكلم عن الوطنية والقومية، والعلاقات الخارجية، والوحدة العربية، والوحدة الإسلامية.
ولم يكتف الأستاذ البنا بالتنظير لكل هذه الموضوعات، وإنما جمع المؤمنين بها في جماعة الإخوان المسلمين، وسار يطبق كل ما يمكن تطبيقه بطريقة عملية، ابتداء من تربية الأفراد على الإيمان والأخلاق، إلى الإسهام في نهضة الأمة في كل هذه الجوانب، ومن ثَمَّ عُدَّ في نظر كثير من المفكرين والباحثين المحايدين مجدد القرن العشرين.
أما المقارنة مع الحركات التركية، فالفارق بيننا وبينهم شاسع، فهم مضطرون إلى الالتزام بالعلمانية التي فرضها عليهم أتاتورك بالحديد والنار، وفرضها عليهم الدستور نفسه، ونحن نسعى إلى نهضة الأمة على أساس الإسلام.
ثم يقول الأستاذ هيكل: "لكن الإخوان المسلمين في مصر عَرَّضوا أنفسهم أولاً، ثم تعرضوا هم ثانيًا لكوارث، والسبب أنهم مع وجود خلفية إسلامية لها قيمتها، وإن كانت غير محددة ولا متجددة وراءهم- وفي اللحظة نفسها مع وجود تنظيم قوي بناه حسن البنا- وقعوا في مآزق كثيرة.
أولها: أن هناك من حاول في البداية استعمالهم في معركة الخلافة بين الطامعين فيها من العرب بعد سقوطها في (إسطنبول) يستوي في ذلك ملوك مصر من أسرة (محمد علي) أو ملوك السعودية، وأسرة (عبد العزيز) فالطرفان حاولا: الملك فؤاد بقوة النفوذ، والملك عبد العزيز وخلفاؤه بقوة المال.
والثاني: أن الإخوان حين حاولوا أن يثبتوا أنفسهم طرفًا لا بد أن يُحسب له حساب- فعلوا ذلك بقوة التنظيم السري- اختصارًا للطرق، وذلك أدخلهم في غياهب العنف، وقادهم ذلك إلى صراع مع النظام الملكي في مصر، وصل بعد اغتيال (النقراشي باشا) أواخر 1948م إلى أمر ملكي- باغتيال مرشدهم الشيخ حسن البنا أوائل سنة 1949م، ثم إلى أول حملة اعتقالات وتشريد لحقت بهم في وزارة إبراهيم عبد الهادي في تلك الفترة".
وهذا الكلام غير صحيح من الناحية التاريخية والناحية الموضوعية؛ فالخلافة أُسقطت 1924م، وسعى الملك فؤاد إلى الترشح للخلافة، واجتمع العلماء برئاسة شيخ الجامع الأزهر في مارس 1924م، وقرروا دعوة ممثلي جميع الأمم الإسلامية إلى مؤتمر يُعقد في القاهرة برئاسة شيخ الإسلام؛ للبتِّ فيمن يجب أن تُسند إليه الخلافة الإسلامية، وحددوا شهر شعبان من العام التالي موعدًا لانعقاده (مارس 1925م)، ولكنه لم ينعقد إلا في مايو 1926م، وكان اجتماعًا فاشلاً لم يسفر عن شيء.
في هذه الفترة كلها؛ كان الأستاذ البنا طالبًا في دار العلوم، إذ إنه تخرج فيها سنة 1927م، وبالتالي لم تكن جماعة الإخوان المسلمين قد تأسست بعد، إذ إنها تأسست في الإسماعيلية سنة 1928م، وكانت نبتة صغيرة لم يسمع عنها فؤاد ولا أعوانه، ثم إنها انتقلت إلى القاهرة في عام 1932م، وكانت لا تزال جماعة صغيرة، فكيف تمت محاولة استخدامها في معركة الخلافة، وهي لم تكن قد وُلِدَت بعد؟
ثم إنه في هذه الفترة كان الملك عبد العزيز آل سعود يقاتل من أجل توسيع ملكه، واستقرار عرشه، فلم يستسلم له الشريف حسين أمير الحجاز ويغادره إلا في يناير 1926م، ولم نسمع أنه حاول تولي الخلافة، وإنما الذي كان ينافس عليها هم الملك فؤاد والملك حسين، وأمان الله خان ملك الأفغان في ذلك الحين، كما أن الإخوان لم يتلقوا أموالاً من أية حكومة أو ملك أو رئيس، فهم أصحاب مبادئ، وإذا كان لدى الأستاذ هيكل دليل على غير ذلك فليخرجه لنا إن كان من الصادقين.
وأما قضية إثبات الذات بالنظام الخاص والعنف وما إلى ذلك، فهو خلط للأمور، فالأستاذ لا يستطيع أن يتصور الفرق بين أناس يعملون لله، ويحملون دعوته ورسالته لهداية الناس، ومن ثَمَّ ينكرون ذواتهم، وبين أناس همهم الأكبر هو الدنيا والمكانة والسلطان والمنافع، ومن ثَمَّ يسعون إلى إثبات ذواتهم، ثم إن اختزال دور النظام الخاص في عملية اغتيال النقراشي والخازندار ظلم ما بعده ظلم، فدوره في حرب فلسطين الذي أشاد به اللواءان صادق والمواوي قائدا الحملة المصرية في حرب فلسطين، ودوره في معارك القناة ضد الإنجليز التي عجلت برحيلهم عن مصر، ودوره الذي حمل القاضي في قضية السيارة الجيب على أن يستقيل بعد المحاكمة ويقول: (كنت أحاكمهم ثم صرت منهم)، كما أن ذِكْر حادثي الاغتيال دون بيان ملابساتهما- وإن كُنَّا نستنكر الاغتيال واستخدام العنف ضد المصريين- ظلم كبير.
ثم ذكر الأستاذ هيكل الصدام الذي حدث بين الإخوان وضباط ثورة 1952م، وزعم أن الإخوان حاولوا اغتيال عبد الناصر في المنشية سنة 1954م حينما طالبوا بحقوق لم تكن لهم، وعندما لم يستجب عبد الناصر لهم، حاولوا اغتياله، وزعم أن هناك مِن أهل الاستقامة منهم اعترفوا بذلك- هكذا مُجَهَّلين- ومن ثَمَّ تعرضوا لمحن قاسية، وقال: إنه في هذه النقطة بالتحديد متعاطف معهم!.
أما أنهم طالبوا بحقوق لم تكن لهم، وأن عبد الناصر لم يستجب لهم، فهو كلام غير دقيق، فالذي طالبوا به هو أن يُوفِّي عبد الناصر وزملاؤه- عبد الحكيم عامر، وخالد محيي الدين، وكمال الدين حسين، وأنور السادات- بعهدهم مع الله، ثم مع الإخوان- حيث كانوا جميعًا من الإخوان- وتعهدوا بتحكيم شرع الله في مناحي الحياة، ولما تنكروا لعهدهم حدثت الجفوة.
أما محاولة الاغتيال فهي تمثيلية مكشوفة- ويعلم الله أننا ما كُنَّا نُحب أن نخوض في هذه الأحداث حرصًا على علاقات مودة جمعتنا بعديد من محبي عبد الناصر، لولا أن هيكل أثارها الآن- ولا نستند في قولنا هذا لأحد من الإخوان المسلمين، وإنما نستند إلى:
1- الدكتور أحمد شلبي أستاذ التاريخ الإسلامي بدار العلوم سابقًا- رحمه الله- في الجزء التاسع من موسوعته في التاريخ الإسلامي، فقد انتهى إلى أنها تمثيلية، وأقام على ذلك الأدلة والبراهين.
2- الدكتور زكريا سليمان بيومي، أستاذ التاريخ الحديث في جامعة المنصورة في كتابه المعنون (الإخوان بين عبد الناصر والسادات من المنشية إلى المنصة)، والذي انتهى إلى النتيجة نفسها.
3- ما ذكره السيد حسن التهامي، مدير مكتب عبد الناصر لمدة طويلة؛ من أن عبد الناصر استدعى خبيرًا أمريكيًّا في العلاقات العامة؛ كي يصنع له شعبية كبيرة بعدما لاحظ أن الرئيس محمد نجيب- رحمه الله- يستحوذ على حب الشعب وإعجابه، فاقترح عليه أن يصطنع محاولة تمثيلية لاغتياله، فأحضروا له قميصًا ضد الرصاص، ثم تمت التمثيلية بنجاح، وضرب بها عصافير كثيرة.
4- قبيل وفاة الأستاذ مأمون الهضيبي- رحمه الله- طلب مقابلة السيد حسين الشافعي في منزله، وهناك سأله- باعتباره كان أحد القضاة في هذه القضية- عن قصة المسدسين، المسدس الذي وُجِدَ مع المتهم محمود عبد اللطيف في محاولة الاغتيال ، ولم تطلق منه طلقة واحدة، ومن عيار يختلف عن المسدس الذي أطلق منه الرصاص، وقصة المدعو (خديوي آدم) الخرافية التي زعموا فيها أن الأخير سقط على قدمه مسدس ساخن وسط الجموع، فأخفاه في ملابسه، وقرر ألا يُسلمه إلا لعبد الناصر، ولما كان لا يملك ثمن تذكرة القطار من الإسكندرية إلى القاهرة، سار على فلنكات السكة الحديد، ولما كان مفلسًا فإنه باع جلبابه في الطريق ليشتري طعامًا، ووصل القاهرة بعد عدة أيام، والمسدس في "الصديري" على صدره، وسروال يغطي نصفه الأسفل، وذهب لمجلس قيادة الثورة، وقابل عبد الناصر، وأعطاه المسدس، فكافأه الأخير بمائة جنيه، ثم اختفى هذا الرجل فلم يسمع به أو يعرفه أحد، فقال له السيد حسين الشافعي: إن المحاكمة كانت سياسية، ولم تكن قانونية، فاكتفى الأستاذ الهضيبي بهذا واستأذن وانصرف.
5- أن هذه المحاكمة رأسها السيد جمال سالم، وهو شخص غريب الأطوار، لدرجة أنه كان يطلب من الإخوان المتهمين أن يقرءوا الفاتحة بالمقلوب، كما أن الأستاذ عبد القادر عودة كان في سجن عبد الناصر من قبل الحادثة بعدة أشهر، وأثناء الحادثة، ومع ذلك قُدِّمَ للمحاكمة وحُكم عليه بالإعدام ونُفِذَ الحكم.
أما أن الأستاذ هيكل كان متعاطفًا مع الإخوان في محنتهم القاسية، فللأسف الشديد فإن سيادته يعتمد على ضعف ذاكرة الناس، ألم يقابل السيد محمود عبد اللطيف، المتهم بمحاولة الاغتيال، ورآه ممزقًا من التعذيب، وخرج ليكتب إن صوته كفحيح الأفاعي؟! ألم يحمل عليهم ويحرض عليهم سنة 1965م؟
ما رأيناه استنكر مرة واحدة الاعتقالات والمحاكمات العسكرية والتعذيب الذي وصل إلى حدِّ القتل والإصابة بالجنون، ومحاولة تجويع الأسر لإجبار نسائها على الانحراف، بل لم نسمع منه استنكارًا لجريمة سبِّ الذات الإلهية التي كان يفعلها (حمزة البسيوني) من ضباط الثورة في السجن الحربي، وهي مشهورة ومنشورة، بل لم يستنكر مرة واحدة اعتقال 45 ألف شخص من الإخوان أثناء حكم مبارك، وتقديم مئات منهم للمحاكم العسكرية، والحكم على قادتهم بالسجن الذي وصل إلى عشرة أعوام، وسقوط أفراد منهم شهداء تحت التعذيب، ولو بعبارة واحدة.
ثم يقول سيادته: "عاد الإخوان المسلمون إلى الساحة ساكتين ومنتظرين ولا يتحركون إلا بحذر، ثم إنهم راحوا في الانتظار والتربص ينقسمون على أنفسهم، ويخرج منهم الفوج بعد الفوج، من (الجماعة الإسلامية)، إلى (الجهاد)، إلى (طالبان)، إلى (القاعدة)، إلى (جماعات أخرى) شطحت بها السبل، فإذا بها تظهر في حكاية (الجهاد الإسلامي) في أفغانستان، وفي (القاعدة)، وفي (قاعدة السودان)، وفي (قاعدة اليمن).. وغيرها".
وهنا تتجلى الفرية الكبرى، لأنني لا يمكنني تصور أن الأستاذ هيكل يجهل حقيقة هذا الموضوع، ولكي يعلم الجميع كيف نشأت الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد في مصر، أقول: إنه في السبعينيات انتشرت الدعوة الإسلامية في الجامعات المصرية كلها انتشار النور في الظلام، وعندما وجدنا أن الأعداد بلغت مئات الألوف، وأننا نود تجميعهم بعد التخرج، وأننا كشباب غير قادرين على قيادة هذه الأعداد الغفيرة، بدأنا نبحث في الجماعات والجمعيات الإسلامية الموجودة في الساحة، فاستقر رأينا على الارتباط بجماعة الإخوان المسلمين، وكان قادتها خارجين من السجون وقتئذ، فدارت بيننا لقاءات ونقاشات انتهت بالانتماء إلى الجماعة، وكنا كقادة للشباب عددًا قليلاً في كلِّ جامعة، ثم رحنا نقنع إخواننا بدعوة الإخوان، فاستجاب معظمهم إلا بعض جامعات الصعيد- المنيا وأسيوط- الذين كانوا يؤمنون باستخدام العنف في التغيير، فرفضوا الانضمام إلى الإخوان، وكونوا الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد، فلم يدخلوا الإخوان أصلاً حتى يزعم الأستاذ هيكل أنهم خرجوا منها أفواجًا.
أما كلام سيادته عن طالبان والقاعدة وخروجهما من الإخوان، فلا أدري أجاد هو في هذا القول أم أنه يهدف إلى إحياء فكرة الفزاعة من الإخوان والتحريض عليهم في الداخل والخارج، والحقيقة أنني في غاية الإشفاق على مصداقيته حتى لدى محبيه الذين لديهم أدنى إلمام بالحركات الإسلامية.
ثم راح يصف الجماعة بما لعله يتمنى لها فقال: "وفي لحظات قريبة قبل الثورة، بدا وكأن الجماعة تتفكك، وتدفقت أحداث وأحداث- ليس هذا مجالها- وفوجئ الإخوان بالربيع العربي الذي لم يكونوا قد لحقوا به عند البداية، بل إنهم تحفظوا عليه بسياسة (محظور الاصطدام بسلطة الدولة)، وفجأة هرولوا إلى الميدان عندما بدا أن نظام مبارك يتهاوى".
أما عن قوله إن الجماعة بدت وكأنها تتفكك، فهو ترديد لكلام خصومها الذين يجهلون طبيعة الروابط التي تربط أفرادها.
أما أن الإخوان ظلوا ساكنين- كما ذكر آنفًا- ثم تحفظوا على الربيع العربي بسياسة (محظور الاصطدام بسلطة الدولة) فالإخوان لم يكونوا ساكنين، وإنما قاموا بمظاهرات بعد مظاهرات لأسباب سياسية محلية وقومية، مثل الاحتجاج على تمديد الطوارئ، والاعتراض على التمديد والتوريث، والمطالبة باستقلال القضاء، والاعتراض على العبث بالدستور، ومساندة غزة في عدوان الصهاينة عليها، والاحتجاج على تهديد المسجد الأقصى نتيجة للحفريات الصهيونية، وفي كل مرة قدمنا مئات المعتقلين، والمشاركة في الانتخابات البرلمانية والمحلية التي فضحت النظام وكرست الكراهية والاحتقان ضده، حتى وصل عدد المعتقلين من الإخوان خلال السنوات العشرين الأخيرة 45 ألف شخص، وقد كان ذلك كله بهدف تحريك الشعب لاستعادة حريته وحقوقه، وكان شعارنا (أننا لسنا بديلاً عن الشعب).
أما ثورة 25 يناير فقد شاركنا فيها من أول يوم، وقمنا- بفضل الله- بدور غير منكور في حمايتها ونجاحها بجانب قوى الشعب الوطنية، وسيأتي اليوم الذي نتحدث فيه عن الإخوان والثورة بإذن الله.
أما استنكار الأستاذ هيكل لنبرة الثقة التي نتحدث بها، فهي نفس النبرة التي كنا نتحدث بها ونحن في السجون والمعتقلات، فثقتنا أساسًا في الله رب العالمين، وثقتنا في سمو دعوتنا؛ لأنها دعوة الإسلام، وثقتنا في قادتنا، وثقتنا في أنفسنا، وثقتنا في شعبنا الذي يثق فينا، ويتعاطف معنا.
ثم استنكر سيادته تصريحات الإخوان بأنهم لن يرشحوا أحدًا منهم للرئاسة، ولن ينافسوا إلا على ثُلث البرلمان، محملاً هذه التصريحات معنى أن في متناول الإخوان الحصول على كل ذلك لو أرادوا، ولكنهم يتركون ما يتركون تعففًا للآخرين.
والحقيقة أن سيادته أخطأ الفهم، فمعنى هذه التصريحات؛ أن الترشيح للرئاسة ولكل مقاعد البرلمان حق لنا، وليس لأنه في متناول يدنا، كما أنه حق لكل الأحزاب والقوى السياسية، ولكننا لن ننافس على أكثر من ثلث عدد مقاعد البرلمان، وذلك لطمأنة الجميع من أصحاب الفزاعات بأن الإخوان يريدون الاستئثار بكلِّ المناصب والمقاعد؛ لنثبت لهم أننا لسنا كما يزعمون، وليس معنى تصريحاتنا أن نضمن كل المناصب والمقاعد إذا أردنا، بل إننا لا نضمن حتى الثلث من المقاعد التي نسعى إليها، أما أن النسب قد تغيرت فأعتقد أن الأستاذ يعلم جيدًا أنه لا يوجد حزب يحصل على 100% من المقاعد التي يريدها، فإذا كُنَّا نسعى للثلث، فعلينا أن نرشح ما بين 45–50% من عدد المقاعد.
أما بخصوص إخواننا الأقباط، فهم شركاء الوطن، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، والتاريخ يشهد بأن علاقات الإخوان بهم منذ بداية الدعوة حتى الآن تقوم على المودة والبر، كما أن برنامج حزب "الحرية والعدالة" قد فصل حقوقهم باعتبارهم مواطنين مثلنا.
أما التصريحات التي تتحدث عن أن مصر دولة إسلامية، ومن لم يعجبه ذلك فليرحل منها فهذا لم يصدر عن أحد من الإخوان قط، ونرجو التثبت من الأخبار قبل إيرادها.
كان هذا تعليقًا على ما جاء في حوار الأستاذ هيكل عن الإخوان، أما رأيي الخاص في حواره مع الأهرام فهو يذكرني بمقال له، عنوانه (تحية إلى الرجال)، كتبه منذ ما يقرب من أربعين سنة عن خط بارليف، ووصل إلى حدِّ استحالة اختراقه إلا بقنبلة نووية- على ما أذكر- الأمر الذي ألقى شعورًا بالإحباط في نفوس المصريين، ثم دمرته العبقرية العسكرية المصرية بخراطيم المياه، وسواعد الرجال الأبطال الذين لا يحسنون تحليلات المثقفين.
----------
*النص الكامل للمقال الذي نشرته "الأهرام" مختصرًا في 2/10/2011م.
* عضو مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين.