أبطال ليبيا:
- ميليشيات القذافي استخدمت نساءً وأطفالاً دروعًا بشرية
- تدربنا على السلاح في أتون المعارك الدامية
- الحرب مستمرة حتى اعتقال القذافي أو قتله
تحقيق: إيمان إسماعيل والزهراء عامر
بطولات لَخَّصَت في نحو ستة أشهر حكاية عمرها آلاف السنين، وصُور رسمت ببراعة مستقبل شعب وأمة؛ لذا لم ينحصر انبهار العالم في تفجير الثورة لأسوار الصمت بليبيا، ولكن امتد إلى كلِّ صورة وبطولة كتبها أحفاد المختار ومقاتلو الصحراء.
(إخوان أون لاين) التقى عددًا من أبطال الشعب الليبي ممن حاربوا وتصدوا لميليشيات الديكتاتور معمر القذافي؛ وذلك إبَّان علاجهم في مصر؛ للاستماع إلى شهادتهم على الثورة الليبية وبطولات أبنائها.
وأد وفرم!
في الطابق الرابع بمستشفى دار الشفاء في شارع رمسيس، لاحظنا أحد أولئك الأبطال، يبدو ذلك من مظهره، فرجلاه الاثنتان مكسورتان ويتكئ على عُكَّازتين؛ ليمر على زملائه المصابين ليطمئن عليهم.
اسمه جمعي، وهو أحد مصابي بنغازي، ويبلغ من العمر 21 عامًا، ويدرس في كلية الاقتصاد، استقبلنا بابتسامة واسعة قبل أن يتغير وجه ويقول: عايشنا أسوأ حقب تاريخنا في عهد القذافي، وشهدنا إجرامًا ليس له مثيل، فكان من يذكر القذافي بسوء، تختطفه الجهات الأمنية لتضعه في حفر تحت الأرض، أو ترمي به في آلة فرم، أو تقيده في منزله مع أسرته وتمنع عنه الطعام والشراب حتى الموت.
ويحكي عن إصابته: كنت في مطاردة مجموعة من الطابور الخامس التابعة لكتائب القذافي وهي تحاول تهريب خمور على الحدود الشرقية لمدينة "سرت"، وأثناء المطاردة انقلبت بنا سيارة الدورية.
ويضيف بتحدٍّ: لن نُفرِّط في دم حوالي 50 ألف شهيد، ولن نتراجع حتى يُقدم السفاح معمر القذافي للمحاكمة، ولن نترك شبرًا من أرض ليبيا في يد هذا الطاغية وعصابته.
بطولة أب
ويشاركه الحديث خليل محمد، والد المصاب زياد أحد أفراد جيش التحرير الوطني، فيقول: ابني أصيب في الحادث نفسه الذي أُصيب فيه "جمعي"، وهو الآن في العناية المركزة بين الحياة والموت مصاب بكسر في الرأس، وإذا قدَّر الله له الشفاء ولم يتمكن الثوار من القبض على رأس الفساد والطاغوت سأرسله مرةً أخرى للمقاتلة في الصفوف الأولى، فأنا كنت أشجعه للخروج كلما رأيت بشاعة جرائم كتائب القذافي تزداد، وعندما وجدنا الحدود الشرقية لمدينة "سرت" خاليةً من الجيش وتحتاج إلى مساعدة شباب الثورة أرسلته على الفور لها واستودعته الله.
ويضيف أن اختفاء القذافي ومسئولي نظامه الفاسد أخطر شيء على الشعب الليبي؛ لأنهم يدبرون مكائد ضد الثوار ويثيروا "بلبلة" من وقت لآخر، متمنيًا أن يلقي الثوار القبض عليهم سريعًا؛ حتى يقدموا إلى محاكمة عادلة.
الحرب مستمرة
![]() |
|
ثوار ليبيا يصرون على دحر كتائب الطاغية القذافي |
ويؤكد عبد السلام صالح بقرف، أحد شباب الثورة الليبية، أن ثورة الشعب الليبي لن تنتهي قبل اعتقال الطاغية معمر القذافي وذيوله ومحاسبتهم على جرائمهم، وإرساء حكم رشيد في ليبيا.
ويقول: شاركت منذ بداية اندلاع الثورة الليبية، وحين تحولت إلى حرب تقدمت إلى الصفوف الأمامية رغم جهلي بفنون الحرب، فقد كانت الشهادة هي أملي.
ويتابع: خرجت مع مجموعة كبيرة من شباب مدينة "مصراتة" متجهين إلى مناطق القتال في سرت وغيرها، ولمواجهة كتائب القذافي والتي كلما أطلقت علينا الرصاص ازداد الشباب حماسة ورغبة في الدفاع عن ليبيا وتحريرها من الطاغية.
ويضيف: ركبنا العربات المجهزة بالأسلحة الثقيلة، وبدأت المناوشات مع قوات القذافي التي بادرتنا بنيران كثيفة، ونحن نرد بما معنا من أسلحة، موضحًا أن الذين يمتلكون السلاح في ليبيا كانوا معدودين؛ حيث لم يتجاوز عدد رشاشات "الكلاشنكوف" التي كانت بحوزتهم الـ 100 رشاش فقط، ويضيف: واستطعنا بفضل الله تحقيق النصر، وأصابني الرصاص إصابات بالغة في قدمي.
حرب الشوارع
ويشارك أخوه قائلاً: "بداية الثورة الليبية كانت في "مصراتة" يوم 19 فبراير، وكان وقتها أهل المدينة عُزَّل، ليس لديهم سلاح، ورفعوا المطالب بالتغيير والإصلاح، وعندما بدأت كتائب القذافي قتل الأبرياء تمركزت المطالب في إسقاط النظام، وبدأ الشباب في إقامة "حرب الشوارع"؛ لمحاربة كتائب القذافي؛ حيث كنا نأخذ السلاح من شباب منطقة شرق بنغازي".
ويستمر في شهادته قائلاً: إن كتائب القذافي كانت تحاول تقسيم مصراتة إلى 4 فرق لتقضي على الثورة، فجاء جيش من "طرابلس"، وآخر من "بني الوليد"، ووصلاً إلى وسط السوق بمصراتة، وتمَّ فصل "سرت" الساحلية ومنطقة السوق عن مصراتة بأكملها، ولا يوجد في منطقة "سرت" الساحلية مقاومة؛ لأنها منطقة ساحلية، ويصعب وصول المقاومة إليها.
ويتابع: وقامت كتائب القذافي بقتل الأولاد، وهتك أعراض النساء، وشق بطون الحوامل، وفي شارع طرابلس وسط السوق زرعت قوات القذافي قناصة على سطح البيوت، وكانت ترمي الرصاص العشوائي على الأهالي من الصباح حتى الليل، ووقت المغرب كان القتل يزداد إلى حلكة الليل؛ حتى يتسنى لهم القضاء على أكبر كم ممكن من الثوار!
جحيم القذافي
وفي الغرفة المجاورة قابلنا جمعة سالم عاشور، أحد المصابين الليبيين من مدينة مصراتة، والذي أصيب بمدينة "سرت" أثناء محاولتهم الدخول لتحرير بعض عائلات "مصراتة"، وإنقاذهم من أيدي كتائب القذافي الذين يستخدمونهم كدروع بشرية في مواجهة الثوار.

ويروي تلك اللحظات الحرجة قائلاً: "اقترفت ميليشيات القذافي كل الجرائم لضرب الثورة، وحين قرر الثوار في مصراتة التوجه إلى مدينة "سرت"؛ لتحريرها، فوجئوا بكتائب مسلحة بأحدث الأسلحة تواجههم بشكل غير مباشر من خلال سيطرتهم على مساكن المواطنين وبيوتهم؛ لإحداث نوع من الخديعة والتمويه، ولأنهم يعلمون أن الثوار لن يهاجموا المواطنين ولن يهاجموا منازلهم.
ويضيف: كان الرصاص ينهال علينا من داخل المنازل ومن فوق الأسطح بمدافع "أر بي جي" و"هاون"، وحين دخلنا المنازل لإنقاذ المواطنين وجدنا الكتائب مختبئة داخلها، وتسيطر على النساء والأطفال والشيوخ تحت تهديد السلاح؛ فاضطررنا إلى الدخول في مواجهات عنيفة مع بعضهم أسفرت عن إصابة الكثير من الثوار".
وعن إصابته يوضح أنه أصيب بطلق ناري حين كان يقود سيارة الأسلحة الخاصة بالثوار، وجاء إلى مصر لاستكمال علاجه؛ بسبب ضعف الإمكانيات داخل المستشفيات الليبية.
الجهاد "يناديني"!
"متى ستجري العملية يا طبيب؟.. أبغي الخروج في أسرع وقت؛ حتى أنضم إلى الثوار في الجبهة لنحرر ليبيا من أزلام الطاغية".. بتلك الكلمات استقبل محمد أبو بكر، أحد ثوار مصراتة ويبلغ من العمر 30 عامًا، طبيبه؛ ليعجِّل علاجه من إصابة بطلق ناري في الفخذ اليمنى وخرجت من الفخذ اليسرى، نتج عنها كسر في القدم اليسرى واستقرار رصاص فيها، وذلك أثناء قيام مجموعة من الثوار بتعبئة الذخيرة بعد نفادها أثناء اقتحامهم مدينة "سرت" عن طريق البحر، فهاجمتهم كتائب القذافي، وأصيبت معظم المجموعة، ولم يتمكنوا من الفرار.
ويوضح أن الثورة الليبية بدأت متزامنة مع الثورة المصرية والتونسية؛ ولكن القذافي قابلها بمضادات الطائرات والأسلحة الآلية، وحاصر "مصراتة"، و"بنغازي"، وعندما وجد الثوار هذا الرد اتجهوا إلى حمل السلاح، موضحًا أنهم لو لم يستعينوا بالسلاح، لأباد القذافي الشعب الليبي بالكامل.
ويؤكد أن غالبية ثوار ليبيا كانوا يجهلون التعامل مع السلاح؛ وكانت حرب القذافي أول تجربة لحمل السلاح في الميدان بقلب المعركة؛ لأن القذافي كان يرفض حصول أي مواطن على تصريح حمل السلاح؛ حتى وإن كان بغرض الصيد، وبذلنا جهودًا كبيرة في تدريب المتطوعين، وكانت المعارك الدامية هي ساحات التدريب.
زغاريد القتل!
ويشاركه الدكتور عبد الهادي أحمد، خاله والمرافق له، فيقول: عشنا في جحيم القذافي 40 سنة، ورأينا أبشع الجرائم، وقد عاينت في مرة جريمة بجامعة "بنغازي" التي أعمل بها؛ حيث كان هناك مجموعة من الطلاب في شهر رمضان الماضي يوزعون المنشورات داخل الجامعة، فقامت قوات القذافي بمداهمة الجامعة والقبض عليهم جميعًا وإعدامهم في بيوتهم أمام أعين ذويهم، وليس هذا فحسب؛ بل كانوا يرغمون الوالد على قتل ابنه بيده وضربه على وجه، وكذلك إجبار والدته على أن تزغرد!!

ويلفت النظر إلى الدور النسائي في الثورة الليبية ممن ساندن الثورة وشجعن أولادهن وأزاوجهن على الخروج إلى ساحات القتال، وكانوا يعدون برامج تنسيقية ووجبات للثوار، فضلاً عن دعوات الأمهات الثكالى التي قضت على سطوة القذافي.
تكافؤ معدوم!
ويروي الطالب خليفة عبد الله قصته حين ذهب إلى "مصراتة" مع الثوار؛ لتحريرها بعد سماعهم ما دار فيها من ذبح وقتل وتقطيع للمواطنين الأبرياء، فاقتحموا "سرت"، وكان عددهم يفوق 5 آلاف مواطن؛ ولكنهم اصطدموا بالميليشيات المسلحة التي كادت تقضي عليهم؛ لأنهم كانوا يستخدمون قذائف وقنابل ورشاشات حديثة.
ويضيف قائلاً: "تعرضت أنا و10 آخرين لقذيفة "أر بي جي" واحدة، قتلت عددًا منا وأصابت الباقين، وأصبت أنا بشظايا في مختلف أنحاء الجسد، وتم نقلي إلى مصر لسوء حالتي.
"غسل الخرش"!
أما الشاب محمد منير فيحكي أن أمه قالت له إن لم يذهب إلى الجبهة ويقاتل مع الثوار، سيجلس في "الحوش ويغسل الخرش مثل أخته"- أي سيقوم بأعمال المنزل من إعداد طعام وغسل الملابس، موضحًا كيف كانت أمهات ليبيا يشجعن أولادهن وأزواجهن على النزول.
ويروي كيف رأى صديق عمره تناله رصاص غدر كتائب القذافي ويلقى الله؛ ما ضاعف من إصراره ومقاومته حتى أصيب ونقل إلى القاهرة.
وحيدًا وسط الأشلاء
ثوار ليبيا يؤدون الصلاة طالبين النصر من الله
ويلتقط منه أطراف الحديث سليمان حيدر، من مدينة مصراتة وهو طالب في كلية الإعلام وأحد شباب الثورة الليبية، فيروي تفاصيل إصابته التي جعلته يستعين بمن حوله كلما أراد أن يتقلب في فراشه أو حتى يحرك إحدى قدميه قائلاً: إن البداية الحقيقية كانت من مسقط رأسه؛ حيث تجمع شباب مصراتة والمدن المجاورة، وبدءوا يتسلمون الأسلحة ومعدات الحرب، وركبوا سيارتهم المسلحة، وبدءوا يقاتلون فحرروا مصراتة، ثم اتجهوا إلى طرابلس، واشتد القتال وعلت أصوات الطلقات والمدافع ولم يهيبهم المشهد؛ بل دافعوا عن أنفسهم، وتقدم هو إلى مقدمة المقاتلين؛ حيث كان يضرب ويناور ويجول وسط الثوار، إلى أن تحررت طرابلس ثم اتجه إلى "سرت".

ويضيف: "ولكن الحرب كانت عنيفة في معقل الطاغية والكتائب موجودة وتدافع عنه بأرواحهم، ولكني لم ينتابني اليأس ولو للحظة، فوضعنا خطة مع الثوار لمهاجمة "سرت" فنزلت من السيارة حاملاً سلاحي، وتبادلنا إطلاق الرصاص والصواريخ، وأصبت برجم صاروخي في قدماي على مشارف منطقة "بوهادي" بسرت واستشهد في هذه العملية 17 شابًّا، وهناك 34 إصابات بالغة تم تحويل معظمهم إلى العلاج في مصر.
وامتلأت عيناه بالدموع عندما ذكر أصحابه الذين استشهدوا برصاص الطاغية أمام عينيه أثناء محاولته الاتصال بالإسعاف؛ لتنقله للمستشفى الميداني بعد إصابته، وبعدها وجد نفسه وحيدًا أمام أشلاء أصحابه المتناثرة هنا وهناك، فلا مغيث ولا مجيب له إلا الله، فبدأ الزحف على بطنه حتى وصل إلى المستشفى الميداني!
البطل المُسن
بطل آخر هو فرج عثمان، في الستينيات من عمره وأصيب أيضًا في معركة سرت، لم يمنعه كِبَر سنِّه أن يشارك شباب الثوار في محاربة الطاغية؛ بل دفع نفسه وأولاده، وقدَّم أرواحهم في سبيل تراب وطنهم، وظل مع الثوار من أول يوم بدأت فيه الثورة.
يقول: القذافي أحيا الشعب الليبي في كذبة طوال الأربعين عامًا خلال فترة حكمه؛ وكنا بلا جيش ولا مؤسسات مجتمع مدني ولا شرطة، وثورتنا قامت في ذكرى مجزرة 17 فبراير التي قام بها المجرم القذافي ضد الشباب الليبي في عام 2006م، حين خرجوا للتنديد بالإساءة الدنماركية للنبي "صلى الله عليه وسلم".
ويضيف أن الثورة المصرية ثورة متحضرة وعلمتنا الكثير، وتعتبر من أرقى الثورات في المنطقة العربية، وكانت الثورة التونسية والمصرية بمثابة صفارة الانطلاق لثورة ليبيا.
