من الصعب تعريف الدولة تعريفًا جامعًا مانعًا في السياسة؛ ولذا فإن هناك تعريفات عديدة لمفهوم الدولة، فهناك تعريف للدولة كحقيقة سياسية، وآخر بناء على كونها فكرة فلسفية مجردة، كما نجد تعريفًا للدولة كمفهوم قانوني، وآخر بوصفها كيانًا اجتماعيًّا، وعلى الرغم من هذه الصعوبات فإن جُل التعريفات تتفق على أن الدولة تتكون من أربعة أركان: مجموعة من البشر لديهم الرغبة في العيش المشترك، وإقليم محدد جغرافيًّا، وحكومة لديها سلطات عليا تعمل على إدارة الصراع وتوزيع الموارد بين الجماعة البشرية، وسيادة دولية تستند على اعتراف المجتمع الدولي بهذه الدولة.

 

وتُعتبر الجماعة البشرية أهم عنصر من عناصر تكوين الدولة، بل هو المكون الحقيقي للدولة ومادة وجودها وهدف سعيها، كما تُعتبر الجماعة البشرية من أهم المؤثرات في قوة الدولة وفي سلوكها السياسي وفي جغرافيتها السياسية وفي علاقاتها بغيرها من الدول. وانطلاقًا من هذا المفهوم فقد صاغ "راتزل" المؤسس الحقيقي للجغرافيا السياسية نظرية للدولة تقوم على أنها كائن حي يمر بدورة حياة: ميلاد ونشأة ونمو واضمحلال.

 

وأكد هذا المعنى المفكر كونفوشيوس (أكبر مفكر أنجبته الحضارة الصينية القديمة)، فأوضح أن وظيفة الحكومة ومهماتها تتلخص في تحقيق الرفاهية، وتحسين أحوال المعيشة، وتحقيق الاستقرار، والأمن الداخلي والخارجي، ويتصدر هذه المهام تعليم الناس الفضيلة.

 

وظل هذا المفهوم المعني بقيمة الإنسان في الدولة في بؤرة الاهتمام لدى الأمم الإنسانية الراقية على مدار التاريخ، كما نجده كذلك في الفكر السياسي الإسلامي الحديث، فقد أوضحت جماعة الإخوان المسلمين على لسان أحد مفكريها الدكتور توفيق الواعي- أن الإنسان هو محور هذا الكون؛ ولذا يجب أن تكون سعادته هي هدف كل تنمية؛ لأنه هو وسيلة تحقيق هذه التنمية، وهذا يستوجب تزكية كل ما يسمو بإنسانية الإنسان ويرتفع بخصائصه التي يتميز بها عن غيره من المخلوقات.

 

وكان أهم محور في مبادرة الإصلاح، التي قدمها فضيلة المرشد السابق محمد مهدي عاكف في 3/3/2004 بنقابة الصحفيين، محور بناء الإنسان المصري.

 

وأكثر ما أعجبني في برنامج حزب "الحرية والعدالة" اهتمامه بهذا الجانب؛ حيث جاء في البرنامج أنه يعتمد في المقام الأول على تزكية النفوس وتطهير القلوب وترقية المشاعر وتهذيب الطباع؛ حتى تستيقظ الضمائر وتتكون المراقبة الذاتية، وتستقر قيم الخير في النفوس وتنفر من الشر ودواعيه، ويتكون المناخ الصالح الذي يحض على الاستقامة والصلاح، وهذا ليس بمستغرب على جماعة فهمت عن نبيها صلى الله عليه وسلم: "لزوال الدنيا جميعًا أهون على الله تبارك وتعالى من دم امرئ مسلم يسفك بغير حق"، أو قال: "يقتل بغير حق"، وما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إليَّ من أن اعتكف في المسجد شهرًا، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظًا ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضا يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له أثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الأقدام، وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل".

 

وحقيقة الأمر فإن الموروث النبوي في هذا المعنى كثير لا يتسع المقال لسرده، ولكن حسبي أن أكون أوضحت المعني الذي أريد إيضاحه.

 

ورغم وضوح معنى أن المواطن هو العنصر الأساسي في الدولة، وأنه يجب أن يكون محور اهتمام الحكومة؛ إلا أنه من العجب العجاب أن ترى حكوماتنا المتتالية في الثلاثين عامًا الفائتة قد أسقطت المواطن من كل معادلاتها، وتعاملت مع المواطنين على أنهم مجموعة من القُصر أو على أنهم شعب "لقطة" (سوف أوضح هذا المعني في المقالة القادمة إن شاء الله)؛ فاستحوذت ليس فقط على اتخاذ القرار السياسي وصنعه؛ بل استحوذت على الفعل السياسي ذاته. فعلى سبيل المثال لا الحصر وجدناها ترشح مواطنين لمجلس الشعب، وتقوم هي بإنجاح هذا وإسقاط ذلك.

 

وزاد هذا التجاهل والإبعاد فتعاملت الحكومة مع المواطن كما يتعامل الوصي الخائن المستبد الذي يتصرف في أموال الأيتام وأنفسهم كما يهوى- ما داموا ضعافًا قاصرين- دون حسيب أو رقيب، فكما أنه ليس من مصلحة الوصي أن يبلغ الأيتام رشدهم، كذلك وجدنا هذه الحكومات لا تهتم برفع الوعي والذاتية عند المواطنين.

 

لقد خرج جُل الشعب المصري في الخامس والعشرين من يناير 2011م في كل ميادين مصر، فوجدنا في ميدان التحرير الرجل والمرأة، الشيخ والشاب، والطفل والطفلة، والعالم والعامل، وكان هناك الكثير من المصريين متعلقين بأستار الكعبة يبكون ويدعون الله بإسقاط النظام؛ خرجوا ليعبروا عن مكنون أنفسهم بعبارات قصيرة لكنها معبرة غاية التعبير، خرجوا ليعبروا عن موقفهم من النظام بقولهم: "الشعب يريد إسقاط النظام".. وخرجوا ليعبروا عن رغبتهم في الكرامة والعزة وعن رغبتهم في حقوق المواطنة بقولهم: "ارفع رأسك فوق أنت مصري"، وعلى هذه الجُمل القصيرة المعبرة يجب أن تعمل الحكومات القادمة؛ فيجب أن تعمل الحكومة على كل استحقاقات المواطنة، وأن تكون مصر لكل المصريين، وليست حكرًا لفئة دون فئة أو فصيل دون آخر، وأن يكون المواطنون هم أصحاب الكلمة العليا وأصحاب القرار الحقيقي لا الحكومات؛ لأن الحكومات ما جاءت إلا باختيارهم، ولتحقيق أهدافهم ورؤيتهم للمستقبل.

-----------

* أستاذ مساعد – جامعة المنصورة- دبلوم الدراسات العليا في العلاقات الدولية السياسية