يبدو أن الثورة حتى الآن ثورة الشعب فقط الذي يبحث عن رموز وقادة تمثله وتنهض به وله.. لا يمكن أن تحدث النهضة إلا بالتوافق على طبيعة وهوية المجتمع والدولة (إسلامية أم علمانية)، ولا يمكن ذلك إلا بالحريات أولاً حتى يكون التوافق على الهوية هو الاختيار الشعبي الحر، ولا حرية تحت مظلة الطوارئ.

 

الخلاصة: فرض الطوارئ يستهدف منع الشعب من اختيار هويته ونواب برلمانه ورئيس دولته الذين ينتمون لهذه الهوية، الترابط وثيق وهو لب الموضوع!!!

 

- ثورة يناير، أعظم ثورة شعبية حتى الآن تستهدف (الحرية) والمساواة والعدالة الاجتماعية (الهوية).. فالحرية مطلب كل البشر، والمثال هو نجاح الحضارة الغربية العلمانية في تحقيق قدر من الحرية والديمقراطية لشعوبها لكنها تجبرت على الآخر الحضاري (المسلمين).. أما المساواة والعدل (مبادئ الهوية الخاصة بالتعامل مع الآخر)، فالإسلام منفردًا هو الذي أقر منظومة إستراتيجية الهوية تستوعب الجميع من ذوي العقائد والثقافات المختلفة بالمساواة المطلقة (وليست الانتقائية مثل الغرب).

 

- الواقع المصري يشير إجمالاً لتقدم كبير في جانب الحرية منذ 25 يناير، مهما كانت السلبيات؛ ما أظهر قوة وتأثير التيار الإسلامي لأنه يمتلك الشعبية والتواصل مع المجتمع الذي تفتقر إليه الاتجاهات الأخرى (اتجاهات لرموز لها كل الاحترام) لكننا نجد تكالب الفريق العلماني، حيث النفوذ المالي والإعلامي والعلاقات مع الغرب، على الإسلام (وليس فقط الإسلاميون، ولذلك يلزم التوضيح) للتخويف من الدولة الدينية (الهوية)؛ الأمر الذي يعمل على تشتيت الإجماع الوطني، لأننا ننتمي لمجتمع يستند إلى الدين فإذا تم الربط بين دين المجتمع والدولة (الإسلام)، وبين تجربة أوروبية عنصرية فلا يمثل ذلك إلا تدميرًا ممنهجًا للأفراد والمجتمع والدولة والوطن مما ينعكس على ممارسات سياسية ينتج عنها انفلات أمني وتأخر اقتصادي، فهل هذا التشتيت والتدمير يحتاج لفرض الطوارئ أم لفهم الخلط المتعمد لتشويه التيار الشعبي حتى لا يستطيع أخذ نصيبه المستحق بالانتخابات البرلمانية وخلافه من التوافق على هوية الدولة وتأسيس نظامها السياسي؟

 

- المشغولون بالمقارنة بين الديني والمدني (قضية الهوية) للتخويف من الإسلام لم ينشغلوا بتحقيق الحرية التي ينادون بها، وهم أصلاً من مشاهير دعاة العلمانية، وقرروا أن يختبئوا خلف مصطلح "المدنية" بدلاً من العلمانية المعدومة الفرصة بمصر، هذه الرموز العلمانية تهاجم الإسلام بدعوى أنه مصدر لإرهاب الطوائف الأخرى، ولم نسمع مطلقًا بأن أحدًا اتهم دينًا أو فكرًا في حد ذاته بالإرهاب لمجرد أن بعض أتباعه قاموا بأعمال إرهابية بل يتم توجيه الاتهام فقط لهؤلاء الإرهابيين كأشخاص، هؤلاء الرموز عبارة عن مترجمين للنقد الغربي للفكر الديني الكنسي بالعصور الوسطى بأوروبا، ومتفرغين لإسقاط هذه الترجمة على الإسلام دون فهم القرآن والسنة (المنظومة المذكورة)، ولا دراسة محايدة للحضارة الإسلامية.

 

مثل الطبيب الذي يستخدم دواء مريض القلب لمريض آخر، لا مجال للتفصيل، لكننا فقط نحدد أن الإسلام هو الوحيد على الإطلاق الذي هو "دين وهوية" وليس دينًا فقط، للمسلم يمثل الدين والهوية، ولغير المسلم يمثل هوية فقط على أن يحتفظ غير المسلم بدينه (اختيار مكرم عبيد كان، مسيحي الديانة ومسلم الهوية والحضارة).

 

- الدولة الدينية تجربة أوروبية عنصرية فاشلة خاصة بإقصاء الدين المسيحي ولا مجال للمقارنة بالإسلام (لا نظريًّا فكريًّا ولا عمليًّا تاريخيًّا)؛ لأن الإسلام انفرد باستيعاب كل الناس، لأنه الدين الخاتم، ولم يجرؤ أحد في التاريخ الإسلامي أن يقول إنه يحكم باسم الله وأن كلامه مقدس (مثل ما حدث في الدولة الدينية بأوروبا) حتى الرسول، صلى الله عليه وسلم، كان قاطعًا في تحديد أن له جانبين، الأول مقدس كمبلغ عن الوحي الإلهي، وهو أمر خاص به فقط يستحيل أن يكون لإنسان غيره.. والجانب الثاني للرسول هو البشري كأي قائد أو داعية يجتهد ويصيب ويخطئ، والأمثلة كثيرة للصحابة الذين أقنعوا الرسول بتغيير بعض آرائه وقراراته وصولاً للاجتهاد الأنفع.. أما نظام الحكم بإيران (مهما كانت سلبياته) الذي يتحججون به فهو بعيد تمامًا عن الدولة الدينية، فالناس في إيران ينتقدون المرشد الأعلى ولم يدافع عنه أحد لأن رأيه مقدس كما أن صلاحياته أقل بكثير من صلاحيات مبارك بدستور 1971م، ولا خلاف عالمي على أن نظام الحكم بإيران منتخب ديمقراطيًّا (الحرية) ويعبر عن توجهات الشعب (الهوية)، نحن بمصر نتطلع لنظام غير الإيراني تمامًا لكن يلزم توضيح الخلط المتعمد بين القضايا لضرب الإجماع الوطني على التيار الشعبي، وعلى هوية المجتمع والدولة مما يمثل خدمة مجانية لإسرائيل.

 

- لا بد من الاستمرار على طريق الثورة حتى يتم بالحرية (وليس الطوارئ) استكمال هدم بقايا النظام البائد، لكن بناء النظام الجديد لا بد أن يكون، بالحرية والهوية، والبداية بالانتخابات البرلمانية وفقًا للشرعية الشعبية.

----------------

* رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار- hassanelhaiwan@hotmail.com