![]() |
|
المستشار فؤاد راشد |
سمعت قصةً في طفولتي عن تاجر ورث عن عائلته ثروة هائلة، وأنه كان حسن النية يسهل خداعه، وأن بعض الناس قد سلب بعض ماله مرات عديدة، وأن أحدهم كان يسلب ماله ثم يعود إليه بعد حين وقد أطلق لحيته أو تزيَّ بزي يشي بالورع فيقتنع الرجل بصلاح حاله ويتعرض للنصب من جديد، فإذا حُذِّر التاجر من التعامل معه ردَّ في حزمٍ أنه واثقٌ من صدقه هذه المرة.
ولقد ذكرت الحكاية المحفورة في أعماق الذاكرة وأنا أتابع المشهد المصري بعد الثورة، تلك الثورة التي بتُّ أخشى أن يتغير جوهرها ومسارها وحتى اسمها لتصبح انتفاضة وربما "هوجة"، ولِمَ لا، ألم يُسمِّ الناس الثورة العرابية بمسمى "هوجة عرابي" حتى إنهم يؤرخون لبعض حوادث حياتهم بها فيقال وُلد فلان قبل أو بعد "هوجة عرابي"!.
ولم تكن ثورة عرابي "هوجة" بل إن التسمية قاسية ظالمة كاذبة، وللنظر إلى مادة الاشتقاق لنري أنها الهوج، ومنه صفة الأهوج، ونحن نصف به غير العاقل ومَن لا يُحسن الفهم والتدبر ومَن يندفع بلا تبصر للعاقبة، بينما رفع عرابي شعارًا ثوريًّا عظيمًا قائلاً: "إن المصريين وُلدوا أحرارًا ولن يُورثوا بعد اليوم"، وتحمَّل في شجاعةٍ تبعة موقفه، ولولا تكالب الخونة من كل صوبٍ وحدبٍ لكان حال مصر على يديه غير الحال.
كانت الخيانة هي التي قصمت ظهر ثورة عرابي وظهره شخصيًّا، وانتهت به إلى المنفى بعد انكسار ثورته العظيمة، ولقد أثرى كبار خونة عرابي ثراءً ما زال أحفادهم ينعمون به حتى اليوم؛ لأن كبار الكبار من الخونة نالوا إقطاعيات ما زالت تحمل أسماءهم، وما زال الأحفاد يتباهون بالثراء السحت؛ من جرَّاء خيانات الأجداد، فلم يكن خنفس باشا قائد حامية القاهرة وحده قد خان عرابي، بل هناك مَن لا يحصون من "الخنافس" الخونة!
والمتتبع لملكيات بعض الأسر ذائعة الصيت ينتهي إلى أنها كانت الثمن من جرَّاء خيانة القائد العظيم أحمد عرابي!، ويوم أن تنشط الذاكرة الوطنية سوف يحصي هؤلاء ويعدون عدًّا وتلاحق ذكراهم بما يستحقون من العار.
كان هذا جزاء الخونة، أما عرابي نفسه فقد انتهى أمره إلى التشريد منفيًا، وانتهى إلى إهالة السواد على تاريخه لحقبٍ متتالية، حتى إن أحمد شوقي هجاه في قصيدةٍ منكرة يقول مطلعها:
صغار في الذهاب وفي الإياب أهذا كل شأنك يا عرابي!
وحاشا لله أن يكون بعرابي صغار وقد كان مخبرًا ومنظرًا بهيئة أسد مهيب!
على مدار التاريخ الإنساني لم تقم ثورة يؤيدها جميع أهل البلد الثائر؛ لأن المعادلة باختصار تفترض فرضًا بديهيًّا، وهو وجود ظالمين ومظلومين مما يولد سخطًا يتراكم منتظرًا شرارة الانفجار ليقع بركان الثورة، وإلا فلو ساد العدل في مجتمعٍ ما لانتفت دواعي الثورة من الأساس.
ومن البديهي أن مَن تضار مصالحه من الثورة فهو ضدها على طول الخط, فهناك قوى تتربص سواء كمنت حتى تمر عاتيات الريح أو أعلنت التحدي، ولكنها في كل الأحوال تبقى متأهبة متربصة تتحين فرصة الانقضاض.
وعلى هذا الأساس فإن كل ثورة لا بد أن تتبنى منطق التطهير مع اختلاف المنهج من القتل إلى الإزاحة عن مراكز التأثير، كما أن أي ثورة لا بد أن تترجم نفسها إلى قيمٍ جديدة، ولعل الفارق بين الثورة والهوجة يكمن هنا، بمعنى أن قيام الثورة دون تطهيرٍ ودون قيم جديدة يعيد إنتاج ما كان مع اختلاف الأسماء لا أكثر.
ولننظر إلى الساحة المصرية، ونسأل هل تم تطهير مؤسسات الدولة وأجهزتها من عملاء النظام السابق؟ وما منظومة القيم التي تتبناها الثورة؟
أليس ما يجري اليوم هو إعادة إنتاج ما كان مع تغيير الأسماء؟ ألم يبعث جهاز أمن الدولة للعمل، وعاد بعض الضباط إلى نفس مواقعهم السابقة به؟ وهل هناك أي ضمان على الإطلاق لعدم توحش الجهاز وقد أرانا عينه الحمراء في موقعة اقتحام قناة (الجزيرة) التي أدرك حكام مصر- فجأة ً- أنها تبث بشكلٍ غير شرعي رغم أن بعضهم قد تكلَّم عبرها مرارًا وتكرارًا، ورغم أنها لا تهمس وإنما تهدر ليلَ نهارَ.
ألم يكن من الطبيعي حتى لا تكون الثورة هوجةً كما يريد جيوشٌ من أعدائها أن توضع ضماناتٍ كتبعية جهاز الأمن الوطني للقضاء كما تفعل بعض الدول بدلاً من الضحك على الذقون والاكتفاء بتغيير الاسم، وقد سبق تغييره لسوء صيته من القسم المخصوص بوزارة الداخلية إلى البوليس السياسي ثم إلى المباحث العامة ثم إلى أمن الدولة، وصولاً إلى الأمن الوطني، وفي كل مرة كان يُعاد الضحك على الناس بتغيير المظهر على طريقة التاجر حسن النية والنصاب!
ما الذي تغيًّر جذريًّا؟ أليس بعض الوزراء هم من أعضاء لجنة السياسات؟ بالله هل عقمت مصر إلا من هؤلاء؟ قد يُقال إنهم لم يلوثوا بمالٍ ولا بدم أحد، ولكن أليست لجنة السياسات- كما يعلم سكان زحل- هي باب التوريث الواسع؟ أليست الموافقة الضمنية القاطعة على التوريث إهدار للنظام الجمهوري أمرًا ملوثًا لصاحبها ولتاريخه؟
ما الذي تغيَّر بحق الله ونحن نتابع دعاوى قضائية حول رفع صور مبارك وامرأته من المنشآت العامة باعتبار أنهما كانا قد ورثا مصر من عليها وما عليها؟، وهل الأمر مما تختلف فيه وجهات النظر؟ وهل قيادة الثورة حائرة في التمييز بين الحق والخطأ فتركت الأمر للقضاء ليحسم لأن الحق والباطل غائمان لا فاصل بينهما؟!
وهل يدير القضاء الثورة وكأنَّ جرائم مبارك خلت من جانب سياسي، وهو مَن أهدر الدستور واعتدى على النظام الجمهوري الذي أقسم أن يحافظ مخلصًا عليه، فراح يرهن كل قرار فاعل في نطاق ما يخدم التوريث لولده المرفوض من طوب الأرض، وأحال الجهاز التشريعي إلى صكاكة قوانين تُشرِّع للنهب العام والحكم الأبدي له ولعائلته؟
وهل في التاريخ ثورة تختزل جرائم نظام حكم على مدى ثلاثين عامًا في محاكمات جنائية وكأنَّ المخلوع قتل جاره في مشاجرةٍ على أسبقية ري أرضه الزراعية؟ أين قانون الغدر يا سادة؟ لماذا تبادرون في سرعة البرق في كل حركةٍ نشم منها رائحة ووقع تصرفات المخلوع كمعركة اقتحام مقر (الجزيرة)، بينما تترددون في محاسبة سياسية كاملة شاملة للمفسدين بدلاً من اختزال الأمر في شقٍّ جنائي ومحاكمات تأخذ مجراها وتستغرق أمدها بينما ما زال المتربصون يعبثون بأمن الوطن ويدبرون المكائد والفتن هنا وهناك؟ وهل يعقل أن تختزل جرائم مبارك وعصابته في قتل المتظاهرين أيام الثورة؟
أين نبذ المفسدين ومتى تنبذون؟ وأين تطهير أجهزة الدولة ومتى يتم التطهير؟ وهل تسير الثورة بخطى ثورية أم بروحٍ بيروقراطية متباطئة مترددة؟ وما منظومة القيم الجديدة التي تسود المجتمع وتحل محل منظومة المظالم وقيم الثراء السريع والنهب العام المنظم؟
ألا يتعرض الشعب المصري لنكبةٍ تجري بهمة لتحيل ثورته إلى "هوجة" لنكتشف في النهاية أننا حللنا الماء بعد الجهد بالماء فأعدنا إنتاج نظام مبارك بكل مفرداته بمسميات جديدة؟!!
