هناك أناس لا يستطيعون العيش في الحياة إلا متسلقين على أكتاف الآخرين.. يحصدون ما يزرعه غيرهم، ويجنون ثمار ما تعب فيه الناس وبذلوا في سبيله العرق، ويسرقون جهود الناس ونجاحاتهم.. إنهم كالنباتات المتسلقة لا تستطيع أن تشق طريقها إلى عنان السماء إلا اعتمادًا على غيرها.. فهي ترتفع مع الأشجار العالية والنخيل الباسقة، وتقصر مع الأشجار القصيرة.. وتعيش على الأرض إذا لم تجد ما ترتفع عليه.. ولذلك يُسمى هؤلاء المتسلقين.. وما أدراك ما المتسلقون؟ إنهم أناس محترفون.. يظهرون في أماكن النجاح وأوقات الفوز؛ ليخطفوا الأضواء من أصحاب الجهد الحقيقيين.
وبالحكايات تتضح الأفكار.. والشيء بالشيء يذكر.. وإذا بحث كل منا في حياته سيجد عشرات القصص للمتسلقين من حوله.. فليست صورة الصاحب الذي لا يذهب لزيارة أصحابه إلا مع مَن يحملون الهدايا ببعيدة عنا.. فتختلط الأمور ويقدم حاملو الهدية هديتهم.. ويُقدم الشكر للجميع بما فيهم المتسلق.. وليس ببعيد أن يتطوع المتسلق قرب بيت المزور بحمل الهدية إشفاقًا على من يحملها؛ هذا ما يحدث من المتسلق الماهر والمحترف في اللحظات الأخيرة.
أذكر عندما عينت معيدًا في الجامعة اختارني رئيس أحد كنترولات الكلية لأساعده في عمل "الكنترول"، وضمني إلى مجموعة من مجموعات العمل.. وكان معنا في هذه المجموعة أحد المتسلقين الماهرين المحترفين.. حضر في أول يوم من أيام العمل.. وقام بكتابة أسماء الطلاب بخطه الجميل في (شيت الكنترول).. ولم نر وجهه بعد ذلك في العمل الذي استمر قرابة أربعة أسابيع.. وفي اليوم الذي فرغنا فيه من العمل حضر هذا الشخص إلى الكنترول وحمل النتيجة النهائية بين يديه، ومشيت خلفه وذهبنا إلى رئيس الكنترول ليعتمد النتيجة.. ومع كل توقيع على كل ورقة كان هذا المتسلق يقول لرئيس الكنترول: انظر إلى خطي..أنا الذي كتبت كل هذا الصفحات.. لقد كان عملاً شاقًّا.. ظللنا أربعة أسابيع نعمل.. فشكره رئيس الكنترول شكرًا كبيرًا.. وقال له: أنا أعلم أنك مثال للتفاني في العمل.. وفي المساء جاءني تليفون من هذا الزميل وهو في قمة انزعاجه قائلاً: لقد اكتشف رئيس الكنترول بعض الأخطاء في النتيجة، ولا بد أن نذهب جميعًا في الصباح لنرى الأمر.. وفي اليوم التالي ذهبنا وعرض علينا رئيس الكنترول الخطأ.. وسارع زميلنا الذي كان بالأمس يزعم أنه هو الذي فعل وفعل.. إذا به ينهار ويقول: أنا بريء من هذه النتيجة.. أنا لم أفعل فيها شيئًا إلا كتابة الأسماء بخط جميل.. المسئولية تقع على هؤلاء.. وأشار إلينا.. نظرت في النتيجة لمعرفة ما الخطأ فيها.. فاكتشفت أن رئيس الكنترول توهم شيئًا معينًا وحكم من خلاله بالخطأ، فشرحت له الأمر وتبين أن عملنا يخلو من أي عيب.. وكم كانت المفاجأة إذ قال الزميل المتسلق لرئيس الكنترول بسرعة عجيبة ألجمت ألسنتنا: ألم أقل لك أن عملي سليم مائة في المائة.
وللأسف الشديد إن الناس ينسون بسرعة عجيبة تتيح للمتسلقين أن يغيروا مواقفهم في أي وقت وأي مكان.. ولله في خلقه شئون؛ ولذلك فإن المتسلقين في الحياة كثيرون تراهم في كل مجال من مجالات الحياة.. وفي كل مكان.. وفي كل زمان.
أما أمر المتسلقين مع الثورة فهو عجيب حقًّا.. فلقد عاش المتسلقون مع ثورة مصر المباركة ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: في بداية عهد الثورة.. كان المتسلقون يشتمون الثوار ويسبونهم ويستهزئون من نضالهم وكفاحهم.. ويمجدون الرئيس والحكومة.. فلم يكن أحد يتصور أبدًا أن تنهار الحكومة أمام غضبة من غضبات الشعب التي تكررت كثيرًا في السنوات الأخيرة من عهد النظام السابق، ولعل الحكومة ترضى عنهم ولا تنسى لهم مواقفهم المشرفة في هذه الأوقات العصيبة.. والمتسلقون دائمًا يصطادون في الماء العكر.
المرحلة الثانية: عندما بدأت الكفة تميل لصالح الثوار بدأ المتسلقون يمسكون العصا من المنتصف.. مذبذبين بين الحكومة والثوار.. لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.. فإن نجحت الحكومة في القضاء على الاحتجاجات سيدعون أنهم كانوا مع الحكومة قلبًا وقالبًا.. وإن نجح الثوار سيعلنون أنهم دافعوا عنهم ووقفوا إلى جانبهم.
المرحلة الثالثة: بعد ما اتضحت الرؤية وانتصر الثوار رأينا المتسلقين في كل واد يهيمون، ويدعون ما لم يفعلوه في يوم من أيام الثورة.. فهذا يدعي أنه ظل ثلاثة أسابيع في ميدان التحرير ولم يذهب إلى بيته إلا لتغيير ملابسه.. وآخر يصنع لنفسه صورًا بـ"الفوتوشوب" وهو يلبس خوذة في رأسه يتقي بها اعتداءات الفلول في ميدان التحرير.
والعجيب أن الإعلام- لا سامحه الله- يفتح لهؤلاء المتسلقين أبوابه على مصراعيه، ويتيح لهم أن يكلموا الناس في كل وقت، فيجدوا من الفرص ما لم يجد غيرهم.. وذلك لأن معظم القائمين على الإعلام من كبار المتسلقين، كما أن المتسلقين أهل كلام لا أهل أفعال، يحسنون الكلام ويخدعون الناس بما يقولون.. ويبدو أننا عدنا إلى زمن الكلام مرة ثانية.
إن المتسلقين يمنحون أنفسهم كل يوم ألقابًا ترتبط بالثورة.. فهذا حكيم الثورة.. وهذا فارسها.. وهذا أمينها.. وهذا مفجرها.. وهذا ممولها.. وهذا مهندسها.. وهذا طبيبها.. وهذا منشدها ومغنيها.. وهذا فنانها.. وتلك أمها.. أو أختها.. ولا ننس أن نقول: وهذا ابنها.. فكلنا أبناء الثورة.. "عندها الله يعينها 80 مليون ابن وابنة.. أصل الثورة لا تؤمن بتنظيم النسل ولا تحديده".
أيها الناس.. أيها العقلاء.. أصحاب الجهد الحقيقيون.. الذين ضحوا وقت البأساء والضراء.. الذين عانوا الأمرَّين في سبيل تحقيق النصر وتخليص المجتمع من الظلم.. أنتم الأحق بثورتكم.. أنتم الذين يجب أن تتكلموا بلسانها.. وأنتم من سيحافظ عليها ويحميها.. إن الثورات لن تُحمى ولا تُحفظ إلا بالفعال لا بالكلام.. الفظوا كل مدع متسلق، أخرجوه من حساباتكم.. فأهل الكلام لا يحسنون أبدًا الفعال.. ومن عاش حياته يأخذ لا يستطيع في يوم من الأيام أن يعطي.