مكانة غزوة بدر لا تعدوها مكانة، فحسبها أن القرآن مُدوِّنها، والملائكة شهودها، وخير الخلق قائدها، والصحابة جنودها.. إلا أن المتأمل فيها وفي المرحلة التي تمت من الثورة المصرية يجد أن هناك أوجهًا كثيرةً للتشابه.
فكلتاهما معركة بين الخير والشر في التاريخ الإنساني الحافل الطويل. وكلتاهما كانت فتحًا وعهد تحولٍ بعد استضعاف وصبر وثبات طويل، بدأ كل منهما بمطمح يسير غير أن القدر أراد لهما ما هو أعظم وأكبر، فلغزوة بدر ظفر ونصر عسكري تاريخي بدلاً من عيرٍ تصاب، وللثورة المصرية تنحية نظام بغيض عِوضًا عن إصلاحات يسيرة قد تنال.
في غزوة بدر تمت الاستغاثة بالسماء؛ حيث أكثر صلى الله عليه وسلم وألحَّ بدعائه المشهور حتى سقط رداؤه عن كتفيه، وفي الثورة المصرية خفقت القلوب لرب العباد وما أكثر ما سال من دموع الرجاء!!. كلتاهما كانت محفوظة بحفظٍ إلهي، حفظ للأولى مثبت بالقرآن، وحفظ للثانية مستشعر لدرجة اليقين.. تأييد وإجماع شعبي في كلتيهما، فعاقبة الأمر على الجميع.
لقد أصر المصطفى صلى الله عليه وسلم على سماع رأي الأنصار بعد أن سمع رأي المهاجرين، وشهدت ميادين الثورة كل الأطياف.
الشجاعة والإيمان كانا من السمات البارزة للصحابة في غزوة بدر، وكذلك لثوار الثورة المصرية، لم يُخِفِ الصحابة قلة عددهم وكثرة عتاد عدوِّهم، وكذلك المصريون في ثورتهم لم تخفهم جحافل أمن النظام.
الصحابة كانوا على قلب رجل واحد في غزوة بدر، ينزلون حيث رأي قائدهم، ثم يعدلون على مشورة واحد منهم، ويصطفون ويقاتلون حيث يؤمرون، وكذلك أظهر المصريون في ثورتهم أداءً رائعًا منسجمًا يعجز عن فعله المدربون: جموع تتحرك في تناسق، فلا اصطدام أو تنافر.. تأمين لحاجات المعتصمين اليومية.. استعدادات طبية.. تنظيف للأماكن وغيرها من الأشياء.
كلتاهما خطوة لبناء دولة مطمحها الخير للبلاد والعباد، لزم لذلك أن يعتصم الصحابة بحبل الله، وأن يقبلوا على الهدي الذي أُنزل للعالمين دراسةً وتفهمًا وعملاً، فيقيموا العدل ويوفروا تكافؤ الفرص ويتراحموا فيما بينهم، ويقروا حقوق الإنسان، ويعملوا على رفع شأن المجتمع وتقويته، وإعداد العدة لما بعد بدر.. الجميع يعمل بكل جدٍّ بما يستطيع ويبذل ما يستطيع.
كانوا حقًّا رهبانًا بالليل فرسانًا بالنهار قليلي الكلام كثيري العمل. والحاجة شديدة هنا لمثل هذه الفعال؛ لتتم الثورة المصرية بإذن الله بنجاح ويحقق المصريون آمالهم وآمال الشعوب العربية.