لا شك أن نظام مبارك المخلوع وسياسة الحزب الوطني المنحل كانا يمثلان عدوًّا مثاليًّا لكل الجهات المعارضة، بمختلف توجهاتها.
ولأن هذا النظام البائد كان متترِّسًا بقوة الدولة بينما جماعة الإخوان تتحصَّن بقوة تنظيمها ووحدة صفِّها؛ نال كليهما اتهامات المعارضة الرسمية، التي خضعت وحاورت وتحالفت مع نظام مبارك الفاسد، وغير الرسمية التي كان جلُّ جهادها السباب وفضح النظام، واتهام الإخوان بالصفقات من وقت لآخر!.
فلما قامت ثورة يناير وانشغل الجميع بتحقيق هدف واحد هو إسقاط النظام، فسقطت الرأس وبقي الجسد متغلغلاً في حياة المصريين بعد أن أتاح له نظام الفساد الفرص.
هنا انفتقت عقول بعض المعارضين الذين لا يجيدون حوار العامة أو التواصل معهم لتصنع لها عدوًّا جديدًا، تحذر الناس منه بالحق والباطل، ووجدت في قوة الإخوان التنظيمية وتعدد مؤسساتها الشورية- وما يترتب على ذلك من بطء أحيانًا في اتخاذ القرار بما يناسب كل موقف- الفرصة لإلقاء الاتهامات وتتبع الهفوات على قدم وساق، أضف إلى ذلك استحواذ هذه القلة ذات الصوت العالي على منابر إعلامية، بعضها يهاجم الإخوان بلا موضوعية وبناءً على أخبار كاذبة تصريحًا، وفي البعض الآخر تلميحًا.
ويصيبنا شيء من العجب عندما يختلف أحد الإخوان مع جماعته، فإذا بالصحف والفضائيات تفتح أبوابها، وتجعل منهم رموزًا للفتنة ومحل اهتمام إعلامي؛ لتوضيح حجم الظلم الذي وقع عليهم وتنفخ في نار الاختلاف ووهج الانشقاق؛ حتى تجعل من بعض القضايا الداخلية مظاهر استبداد وتخلف وتصفيات داخل الجماعة، رغم محدودية الأحداث!، وربما لم تنشغل لو استقال عشرات الأعضاء من حزب آخر أو جماعة أخرى؛ اللهم إلا صناعة العدو الجديد الذي يفزِّعون منه الشعب ويخوِّفون منه نشطاء حديثي عهد بعمل عام أو سياسي، وهو ما يخالف العقل الذي يحترم الاختلاف في التوجهات ويخالف المنطق الذي يعترف بقوة القوي وضعف الضعيف، على قدر ما يُبذل من جهد، والاختلاف معه بموضوعية لا نراها اليوم في منابر الفتن التي تملأ الصحف والقنوات الخاصة بلا استثناء!.
إننا نحتاج في الحياة السياسية المصرية إلى عودة لحسن الظن والاجتهاد في العمل؛ حتى لا ننشغل باتهام بعضنا بعضًا والتواصل مع جمهور الشعب المصري العظيم الذي يتعلم منه الكبير والصغير كيف تكون ممارسة العمل العام رغبةً في رضا من الله ثم من الناس، ومن أحبه الله وضع له المحبة وسط الناس، دون النظر إلى انتمائه.
فهل يراجع كل منا موقفه من الآخر؟ لأن مصر في حاجة إلى فكر وجهد وعمل كل المحبين لها.
أما المتاجرون فسينكشفون وسيسقطون لا محالة، تلك سنن الله في الخلق، ولن تجد لسنة الله تبديلاً.