عشت أيامًا في مخيم نشر الدعوة بمرسى مطروح، وكانت أيامًا في النعيم شعرت بقول سيد قطب: "قليل هم الذين يحملون المبادئ، وقليل من هذا القليل الذين ينفرون من الدنيا من أجل تبليغ هذه المبادئ، وقليل من هذه الصفوة الذين يقدمون أرواحهم ودماءهم من أجل نصرة هذه المبادئ والقيم، فهم قليل من قليل من قليل".
وقد عشت أيامًا من عمري في هذا المخيم مع هؤلاء القليل؛ فشعرت ببعض الأحاسيس التي أحببت أن أسجلها.
أولاً: عرفت معنى الحب في الله وقيمته، عرفت أن هذا الحب له مشاعر من طعم خاص لا يعرفها إلا من ذاقها..تذوقتها..حينها تذكرت موقف الشهيد سيد قطب وهو في ضيافة المؤتمر الإسلامي في القدس عام 1953م، وقد كان الإخوان آنذاك يشرفون عليه، حين طلب من المراقب العام للإخوان في الأردن الأستاذ محمد خليفة أن يطلب القاهرة من عمان، فقال له: هل طرأت لك حاجه؟ قال: لا، وإنما هو الشوق إلى صوت الوالد المرشد العام الهضيبي ولو من خلال الهاتف.. أحسست هذا حين عشت مع الإخوان في المخيم ونسيت أن أُحَدِّثَ أولادي هاتفيًّا طوال فترة المخيم، وهم على مقربة مني، ما جعل زوجتي تقول لي: "من لقي أحبابه نسي أصحابه".
كنت أنظر في وجوه الإخوان فأشعر بلذة مشاعر الحب في الله، وأحب أن أنظر في وجه كل من أقابله وأقول في نفسي كم هي نعمة عظيمة تلك الأخوة في الله، اللهم أدمها علينا.
وأقول في نفسي لماذا يسمع الإخوان كلامي وينفذونه..من أنا..أنا أقلهم شأًنا فأتعجب.. وأقول تلك من ثمرات الأخوة في الله، وصدق نبينا حين قال: "من أحب في الله وأبغض وأعطى في الله ومنع فقد استكمل الإيمان"، وقال: "اسمعوا وأطيعوا ولو ولي عليكم عبد حبشي".
ثانيًا: قلت في نفسي كل هذا العدد خصص لنشر دعوة الله في مصر؛ لإن أخلصوا واجتهدوا ليغيرن الله بهم وجهة مصر.. ولئن قصروا فإني أخشى على من أحببت حساب الله!
لذلك أهيب بنفسي وإخواني أن نخلص ونجتهد ونعمل لنشر الدعوة، فلا عوائق ولا عقبات أمام هذا العدد الهائل إن تحلى بالإخلاص والاجتهاد، وخاصةً بعد أن عرفنا دورنا، وأُذَكِّر نفسي وإخواني بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "عرفت فالزم".
ودروس أخرى كثيرة ولكنني أختتم مقالي بقول سيد قطب رحمه الله في ظلال (وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3)) (المؤمنون(، إنهم معرضون عن لغو القول ولغو الفعل ولغو الاهتمام والشعور؛ فإن لقلب المؤمن ما يشغله عن اللغو واللهو والهذر.. له ما يشغله من تكاليف العقيدة في تطهير القلب، وتزكية النفس، وتنقية الضمير، ومحاولة الثبات على المرتقى العالي الذي يطلبه الإيمان، وتكاليف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وأقول لكل من حضرت معهم: أحبكم في الله، وكم كانت لحظة الفراق صعبةً على النفس!! لذا ردَّدت:
مهما طال بينا الزمان *** رح يكون بينا تلاقي
لو يفرقنا المكان *** في القلوب العهد باقي
لا لا مش هنفارق لا لا
والله أكبر ولله الحمد