توقف أمام مشهدين:

الأول: شهادة الدكتور صفوت حجازي في محاكمة قادة الإجرام والفساد عن دورهم في موقعة الجحش المشهورة إعلاميًّا بـ"موقعة الجمل" التي أرادوا فيها تصفية الثوار جسديًّا في ميدان التحرير، وغالبيتهم في تلك الليلة من الإخوان المرابطين، وأراد الله بها أن تكون نصرًا مؤزرًا ونقطة تحول في هدم نظام مبارك التعيس.

 

صفوت حجازي ذكر في شهادته أن واحدًا من رجال الأعمال اتصل به وأخبره مسبقًا بخطة عصابة (اللا وطني) في حشد المرتزقة والبلطجية وهجومهم على مَن في الميدان، ثم طلب منه ألا يذكر اسمه لأحد، بل والأكثر من ذلك أن يمحو رقم الهاتف الذي اتصل به منه.

 

وكان على الدكتور حجازي أن يعتبر اسم الرجل سرًّا لا يبوح به إلا أن يحله الرجل منه وهو الموقف الذي التزمه في أقواله أمام النيابة وأمام المحكمة وحتى في برنامج "شاهد على الثورة" الذي تبثه "الجزيرة" وهو التزام المسلم إذا وعد، رغم أن الضحية شهداء من خيرة شباب مصر والقتلة فجَّار، وأسوأ الرءوس نفاقًا وإدانتهم واجبة والقصاص منهم عدل، ولم نعهد منهم يومًا  إلاًّ ولا ذمة.

 

المحامي عن المتهمين حاول التشكيك في شهادته  فسأله عن انتمائه الديني،  ولكن المحكمة رفضت السؤال، وكنت أتمني أن تتركه يجيب فيقول إنه ينتمي إلى دين يُعظِّم جريمة شهادة الزور.. دين لا يرضى أن يضيع حق معتدى عليه بشطارة محامي اكتسب خبرته في تمييع الحقيقة والتشكيك في الأدلة.. نحن أمام قضية واضحة كل الوضوح.. الموجودون في القفص عاثوا في الأرض فسادًا وطغيانًا وكانوا رموزًا في نظام مستبد لم يتورع يومًا عن قتل رعيته، وقد فعلوا فعلتهم بغرض القضاء على الثورة في معركة حياة أو موت بالنسبة لهم.

 

وكان شهودها أهل مصر والعالم كله بثتها الفضائيات حيةً على الهواء.. وهم الآن في القفص مجموعين أمام العدالة.. والقانون يشترط وجود محامٍ لكل متهم.. والسؤال الآن: هل على المحامي أن يلجأ إلى كل الحيل القانونية وغيرها لكي يحصل على البراءة لموكله بصرف النظر عن ارتكابه للجريمة من عدمه؟؟ ثم يتباهى بذلك ليزيدَ من رصيد شهرته وشطارته، إضافةً إلى أتعابه التي تُقدَّر في هذه الحالة برقم من عدة أصفار.. الذي أعلمه أنه ما زال هناك من الرجال الذين يقتدون بمَن سبقوهم من إعلام المحاماة يتعاملون مع مهنتهم في نبل وأمانة ينأون بأنفسهم عن الشبهات،  ولا يرضون- مهما كان الإغراء- تعففًا أن يتوكلوا في قضية إلا إذا كان صاحبها مظلوم بالفعل وله حق واضح أو أنه ارتكب جريمته تحت ظروفٍ تستدعي تخفيف العقوبة.

 

المشهد الثاني: أترك لصاحبه أن يرويه بنفسه حسبما هو منشور في موقع حزب "الحرية والعدالة".

 

حزب الحرية والعدالة- الصفحة الرسمية

نجل الدكتور محمد مرسي" د. أحمد مرسي يكتب: حقيقة ما حدث في الزقازيق
كان كالاتي:

كنتُ في السيارة أنا وشقيقي وشقيقتي ووالدتي، كنتُ أقود السيارة أمام تاج بسام عائدًا من كنتاكي على الكورنيش اعترض طريقي ضابط المرور وسائقه في ونش خاص بالمرور من طريق جانبي بصورةٍ مفاجئةٍ عاتبتُ السائق على قطع الطريق بصورةٍ غير مناسبة وخصوصًا أنه سائقٌ بالمرور.

 

لم يوافق أفراد المرور على عتابي لهم فاعترض السائق سيارتي وقام بالتخبيط على سيارتي وأجبرني على الوقوف قبل كوبري المحافظة فامتثلتُ له، وأمرني بالنزول من السيارة وامتثلتُ له أيضًا، وفوجئتُ به بدلاً من أن يسألني عن الرخص أو أوراق السيارة قام بسبي بأبشع الألفاظ البذيئة والخاصة بشرف والدتي، وهي معي بالسيارة.

 

طلبتُ منه ألا يتلفظ بمثل هذا، خصوصًا أن والدتي معي، وأن البلد أصبح بها قانون وتغيَّر الوضع بعد الثورة فما كان منه إلا أن قال لي بلد قانون إيه يا روح أمك قانون الطوارئ رجع تاني يا أولاد....

 

عندها انفعل أخي الصغير وسأله بكل أدب ألا يقوم بسبنا بمثل هذه الطريقة أمام والدتنا من باب الشهامة وحسن الأدب.. فما كان منه إلا أن اعتدى بالضرب على عمر، وأحدث به إصاباتٍ بالوجه والرأس، وهنا طلبت من الضابط أن نذهب إلى إدارة المرور لإثبات الوقعة، وأنني لن أمرر ما حدث في الشارع فقامت قوة من المرور بنقلنا من إدارة المرور إلى قسم أول الزقازيق، وهنا بدأت المهازل تتوالى.. إيداعي أنا وأخي بالحجز، وعمل محضر لنا تعدٍّ على الضابط، وعدم موافقة ضباط القسم على عمل محضر باسمنا نشتكي فيه الضابط بل ورفض تقديم المعونة الطبية لأخي المصاب بقطعٍ في فروة رأسه وإجباري وأخي على التوقيع على المحضر دون أن نقرأه، ولا نقرأ ما هو مكتوبٌ باسمنا في التحقيقات.

 

وقامت مجموعة من الضباط الملكيين بتهديدنا: "أنتم يا بتوع الحرية والعدالة هانقتلكم هانأدبكم هانخلص عليكم قبل الانتخابات"، وعند حضور والدي إلى قسم أول الزقازيق زارنا وقال لي ولأخي بالحرف الواحد أمام جميع ضباط القسم إن كان لكم حق ستسامحون فيه، وإن كان للضابط حق سيأخذه بالقانون لأنه لا أحد فوق القانون.

 

في الصباح الباكر تم عرضنا على النيابة، وبعد التحقيقات بدأت الحقائق تظهر وهي تضارب شهادة الشهود المفبركة وعدم تطابق أقوال السائق وضابطه، وهنا طلب محامي الضابط المحترم الصلح لضعف موقف الضابط القانوني وخصوصًا بعد أن تقدمت والدتي ببلاغٍ لرئيس النيابة تتهم فيه قسم الزقازيق برفض عمل محضر لها تتهم فيه الضابط بالتعدي عليها بالسب والقذف في الشارع، وهو مكان عام عندها طلب ضباط المديرية، وكلهم من قيادات المديرية بالتصالح، وأن يحل الموضوع وديًّا، بدايةً رفضت، وأصررت على أن يتم تحويل الموضوع للقضاء، ولكني فوجئت بوالدي يتحدث إليَّ على تليفون أحد المحامين ويأمرني بالصلح؛ لأنه ظهر للجميع أننا أصحاب الحق وأصحاب المظلمة، وأنه وعد أنه إن كنا أصحاب حق سنتنازل عنه؛ لأننا لسنا أصحاب مصلحة، وهنا تصالحت مع الداخلية في النيابة لإنهاء الموضوع والحمد لله.

 

ها أنا في بيتي آلمنا أكثر ما آلمني ما وجدته من قلب الحقائق كاملةً في الإعلام، بل الأكثر أصبحت الداخلية مصدر الخبر وصحته، وعدم حرص الإعلام على البحث عن الحقيقة، بل المهم أن نجد مادةً إعلاميةً ثرية بغض النظر عن سمعة الناس أو نفسيتهم أو الحقيقة أو إثارة الفتن على الناس.

 

أخيرًا.. أقول الحمد لله أن ظهر الحق، الحمد لله على الثواب، الحمد لله على زيادة الظالمين لي والذين أختصمهم يوم القيامة أمام ربي، الحمد لله أن ظهرت معي في نفس اليوم محاولة تغول الداخلية مرةً أخرى، واستغلال قانون الطوارئ، الحمد لله أن كانت سمعتي وسمعة أهلي ممن تداولت بظلم، ولكن فداكٍ يا بلدي، الحمد لله إن كنت صاحب إرادة ساعدتني على أن أتنازل عن حقي.

 

* ننشر الرسالة بنصها كما كتبها د. أحمد؛ لذلك نعتذر عن عدم تدقيقها إملائيًّا، وتعليقنا على هذا المشهد

1- تنازل أصحاب الحق والترفع عن رد العدوان بوسائل متعددة، وهي بلا شك متاحة لما للدكتور من شعبية وعزوة في بلده، خاصةً أن هيبة الداخلية المتغطرسة سقطت وانكسرت مع قيام الثورة، وإذا أرادت أن تستعيد مكانتها فلا بديلَ لها إلا احترام المواطن والقانون وهو ما حرصت عليه الأسرة التي تربَّت على قيم الدين.

2- موقف الدكتور مرسي الأخ المسلم القدوة عندما قابل السيئة بالحسنة في تسامح وتواضع في الاحتكام إلى القانون، وهو القادر على اللجوء إلى مَن (يكلفت) له الموضوع كما كان يحدث في نظام (ما تعرفش أنا مين؟؟؟).

3- انتشار ألفاظ السباب، وخاصةً سب الدين ليس بين عناصر الشرطة فقط ولكن بين فئات عديدة من المجتمع، فلا فرقَ بين خريج الجامعة وخريج السجون، وبالأمس القريب وفي أثناء النقاش في إحدى لجان مجلس الشعب (المنحل) حول الجدار الفولاذي العازل الذي كان يبنيه مبارك لتشديد الحصار حول غزة قام واحد من لواءات الشرطة السابقين عضو مجلس الشعب بسب الدين علنًا ونعت الفلسطينيين بأولاد الو....

السمة التي تجمع بين المشهدين تظهر مدي العمق الذي حققه نظام مبارك في تجريف أخلاق وقيم طوائف عديدة من شعب مصر، وهو ما يفرض على حكام مصر القادمين أن يجعلوا من كريم الخلق قاطرةً تقود الإنسان المصري نحو التقدم.

وصدق شوقي حينما قال:

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت....  فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا