كانت شقة بالدور السادس نصل إليها بمشقة على الأقدام وتذكرني باقتحامات جهاز أمن الدولة المنحل إبان التحاقي أنا وتوأمي بالجامعة، فصارت منذ أيام بيتًا جديدًا انتقلت إليه أسرتي، ورغم صعوبة الانتقال وتحميلي أنا وأخي الصغير ومجموعة من أصحابه سيارة نقل بأثاث الشقة فإن الأزمة فرجت وتجاوزنا مرحلة صعبة كانت مليئة بالهموم حينًا وعدم التوافق أحيانًا، وما على شاكلتهما في بيت عائلي يحتله سكان بنظام الإيجار القديم!.
ورغم أن البيت الجديد الذي نقلت أسرتي إليه أثاثه ما زال في مراحل بنائه الأولى ويحتاج إلى مزيد من التطوير فإنها أحلام لست أشك أنها ستكون واقعًا عما قليل.
هذا ليس رصدًا لمسالة شخصية فحسب بل إسقاط على مشهد عام أتمنى أن يحدوه الأمل وألا ييأس من الانتقال إلى بيت جديد لمصر كلها.
أعتقد أن مصر بحاجة إلى بيت جديد ورغم صعوبة الانتقال إليه فإن المسالة تتوقف على إنكار للذات والرؤى الحزبية الضيقة والنهضة بمصر المستقبل بكل أحلامها.
أعتقد أن مصر أيضًا كانت تعيش في جو أمني ومجتمعي واقتصادي صعب للغاية قبل 25 يناير، وما تزال خطوات الانتقال السلمي إلى بيت جديد فيه تبني الممارسات الديمقراطية أملا يجب عدم إغفاله وسط ظلام دامس ترسمه جبرًا قوى لا تريد خيرًا لهذه الثورة ومنها من يتحكم ويحكم!!.
أعتقد أن مصر تحتاج إلى بيت جديد يمثل كل ألوان الطيف المصري تدعم فيه الحريات وتستجيب الحكومة فيه لحقوق أبنائها وفق جدول زمني معلن وواضح وتعطي للقوى الشعبية والمدنية حقًّا لحلمها في البناء.
أعتقد أن مصر وبيتها الجديد يتشكلان مع نوايا حقيقة لانتقال من مرحلة ملئية بالأزمات والهموم إلى مرحلة ملئية برؤى ناهضة للبلاد، وليس بالنوايا يتحقق هذا الانتقال ما لم تترجمه أفعال واقعية لديها تصورات للتوافق الحقيقي والعمل المشترك الجاد.
أعتقد أن بيت مصر الجديد ليس تنقصه هذه الكلمات لكي يتم بناؤه؛ ولكن تنقصه عودة قوى نادت بالحرية والديمقراطية وما لبثت أن انقلبت على تصورات الإرادة الشعبية لإدارة المرحلة الراهنة والمقبلة.
أعتقد أن ما عطل أسرتي عن الانتقال من هذه الشقة إلى بيت جديد منذ أقل من 3 سنوات كان يتمثل في عدم وجود إرادة حقيقية داخل بيت عائلي للانتقال، وعندما تحققت إرادة أسرتي تحقق الانتقال، وهو ما يجب أن يعيه المصريون بمختلف أفكارهم وتوجهاتهم وتكتلاتهم الصامتة والصاخبة والواعية، خاصة أنه لا انتقال حقيقي لمصر حديثة إلا بتوافق كبير وبإرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف أو تلون أو تذمر أو خوف.
أعتقد أن الثورة في مصر أخرجت الكثير من إبداعات الشعب المصري ولا شك أن مسألة انتقال سلمي إلى حياة دستورية تصون الحريات في بيت جديد ليس فيها صعوبة بالغة إن صالحت الضمائر واختفت المصالح.
أعتقد أن مصر لن يكون لها بيت جديد بإصرار البعض على الالتصاق بالفضائيات لإشعال حرب سياسية، ولن يبنى أيضًا بتصرفات قلة تقلل من حجم قوى سياسية وحزبية وشبابية شريفة أنجبتها الثورة العظيمة، وليس من بينها "فلول" بالطبع ولن يبنى أيضًا بالإصرار على عدم تنظيم الإضرابات والاحتجاجات والمليونيات بشكل مرتب وتصاعدي مؤثر وفي وقته المناسب وليس عشوائيًّا يهدد الثورة نفسها التي قامت لنيل الحقوق وانتزاع الحريات، ولن يبني أيضًا إن لم نواجه أحزاب "فلول الوطني المنحل" ورموزه الذين بدلوا جلودهم وأفكارهم، وذلك وفق قانون العزل السياسي في أسرع تصور أو قانون الغدر إن طال وقته لنمهد طريق هذا البيت الجديد.
ولو لدى الجميع رأي آخر في تكوين البيت الجديد لمصر فأرجو ألا ننسى هذه الكلمات: القلق مثل الكرسي الهزاز، سيجعلك تتحرك دائمًا ولكنه لن يوصلك إلى أي مكان (لوآن سميث)، إن لم تكن تعرف إلى أي مكان تتوجه، فسوف ينتهي بك المطاف على الأرجح في مكان غير الذي تريده (د. لورانس بيتر)، لا شيء أكثر صعوبة، ولا شيء أكثر قيمة من القدرة على اتخاذ القرار (نابليون بونابرت).
وسأظل أعتقد أنه سيحسب لمصر أن تعيش شريفة ونبيلة بإرادتها الشعبية الحرة.