- د. أحمد دياب: هناك من يتعمَّدون توصيل رسالة سلبية أن البلد معطلة

- د. حسين شحاتة: تعمُّد المعلمين تأخير الدراسة جريمة في حق الوطن

 - د. إدريس سلطان: المدرسون لم يؤدوا واجباتهم ليطالبوا بحقوقهم

- مصطفى الشاطبي: البلطجة وليّ الذراع هي السمة التي تقابل ضعف الحكومة

تحقيق: الزهراء عامر

 

"يعني إيه إضراب.. من حقك تضرب عشان تاخد حقك، احنا مضربين عشان انتو تتعلموا أحسن، هنطردك من الفصل أو من المدرسة علشان إضرابنا ينجح، ومن الممكن نضيع عليكم الفصل الدراسي الأول أو العام كله لأننا هندخل في إضراب مفتوح لو لم تستجب الحكومة لمطالبنا".. كان هذا هو ملخص الدروس والحصص التي تلقاها عدد من الطلبة في مختلف أنحاء الجمهورية منذ بداية الدراسة حتى الآن.

 

وشهد العديد من المدارس في القاهرة والمحافظات إضرابًا جماعيًّا للمعلمين الذين هدَّدوا بعدم فضِّه إلا بعد تحسين أوضاعهم المالية والوظيفية، ووضع سياسات وأهداف موحدة للتعليم.

 

وتحولت العديد من المدارس إلى ساحات معارك بين أولياء الأمور الذين استعان بعضهم بالبلطجية لإجبار المعلمين على التراجع عن الإضراب، ووصل الأمر إلى إشعال أولياء أمور الغاضبين النار في مبنى إدارة إهناسيا التعليمية بمحافظة بني سويف؛ احتجاجًا على إضراب المعلمين في 75 مدرسة من إجمالي 113 مدرسة بالإدارة التعليمية، كما ارتفعت نسبة الغياب بين التلاميذ، وحرص المعلمون على الحضور وامتنعوا عن دخول الفصول.

 

وفي المرج حبس معلمو إحدى المدارس التلاميذ في فناء المدرسة وهم يجلسون في وضع  "القرفصاء"، وأغلقوا الباب من الداخل وحوَّلوا المدرسة إلى معتقل؛ ما دفع التلاميذ إلى الاتصال بأولياء أمورهم الذين تجمهروا أمام المدرسة، واقتحموها لتحرير أولادهم، فيما فرَّ المعلمون هاربين خشية بطش الأهالي.

 

وعلى الرغم من ظروف المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد والتي يعلم طبيعتها المثقفون، وعلى رأسهم المعلمون صانعو الأجيال ومؤسسو المستقبل، فإنهم رفعوا سقف مطالبهم الفئوية المتمثلة في إقالة وزير التربية والتعليم ورفع مكافأة الامتحانات من 200 يوم بنسبة 5% إلى 500 يوم بنسبة 7%، بالإضافة إلى رفع قيمة المعاش التأميني والنقابي ليكون على آخر مرتب وقت الإحالة للمعاش؛ بحيث لا يقل عن 100 شهر من الإجمالي المستحق، بجانب إعادة النظر في كادر المعلم وإلغاء اختباراته، ورفع الحافز الشهري إلى100% وترقية المعلمين الذين استوفوا شروط الترقية وقضوا المدة البينية في درجاتهم المالية الحالية، وإعادة النظر في نقابة المعلمين، بجانب تثبيت المعلمين المتعاقدين وتحسين أجورهم، وكذلك ضمّ المدة التي عملوا بها إلى تاريخ تعيينهم.

 

ومع تأكيد مشروعية كثير من هذه المطالب فإن أحدًا لا يعتقد أن الإضراب هو خير وسيلة لتحقيقها، فالمدرسة كالمستشفى وغيرها من المرافق الحيوية التي يجب ألا تتوقف.

 

(إخوان أون لاين) يناقش إضراب المعلمين وآثاره السلبية في العملية التعليمية في مصر في سطور التحقيق التالي:

 

استقرار الدراسة

 الصورة غير متاحة

 د. أحمد دياب

بدايةً يوضح الدكتور أحمد دياب، أمين عام حزب الحرية والعدالة بالقليوبية والأستاذ بكلية الألسن جامعة عين شمس وعضو لجنة التعليم ببرلمان 2005، أن مطالب المعلمين مشروعة، ولكن انتظام الدراسة واستقرار العام الدراسي في البداية وإرسال رسالة للمجتمع أن المعلمين حريصون على استقرار البلاد أمرٌ في غاية الأهمية.

 

ويضيف: "نحن في حاجة- بعد ثورة 25 يناير- إلى أن نوجه رسالةً بأن العملية التعليمية تبدأ عهدًا جديدًا يستفيد فيه الطلاب، ويبذل فيه المعلمون والإدارة التعليمية أقصى جهد للارتقاء بالعملية التعليمية، والمعلم فيها هو حجر الزاوية؛ لأن هناك من يتعمدون إرسال رسالة سلبية أن البلد معطلة، وأن مؤسساتها لا تستطيع أن تنتظم".

 

ويستنكر طرد المدرسين الطلاب أو منعهم من دخول الفصول لينجح إضرابهم، مشددًا على ضرورة أن يراجع هؤلاء المعلمون؛ لأن هناك فرقًا بين الحق في التظاهر والإضراب، وبين إشاعة الفوضى وحالة الخوف للطلاب، وهذه رسالة شديدة السلبية.

 

ويوضح أن المعلمين كانوا مضطهدين منذ أكثر من 30 عامًا، ويجب ألا يوظف هؤلاء في إشاعة الفوضى أو تعطيل قطاع مهم في الدولة، مؤكدًا أن هناك نقابات تعليمية منتخبة انتخابًا حرًّا، ويجب أن تفعّل هذه النقابات في الدفاع عن حقوق المعلم، فهي قادرة على الضغط على الحكومة، مطالبًا المعلمين بأن يقفوا في ظهر نقابتهم، وألا يعطوا انطباعًا سيئًا في أول عام دراسي لهم بعد الثورة.

 

جريمة

 الصورة غير متاحة

د. حسين حسين شحاتة

ويؤكد الدكتور حسين شحاتة، الأستاذ بكلية التجارة بجامعة الأزهر، أن الحوار والنقاش هو الباب الملكي للمطالبة بالحقوق، أما الامتناع عن العمل وفرض الرأي بالقوة واستخدام أسلوب التهديد والمقاطعة فهو أمر لا يتفق مع فكر ثورة 25 يناير.. هذه الثورة السلمية التي استطاعت أن تحقق مطالبها بالطرق السلمية والنقاش وإبداء الرأي بكل الوسائل المشروعة من أجل مصلحة الوطن.

 

ويضيف أن الحرية لها حدود، وهي في نفس الوقت مسئولية وإلا انقلبت إلى فوضى، والديمقراطية تعني احترام الرأي الآخر، والعدالة طريقها القضاء العادل والحوار والتعبير عن طريق النقابات المهنية، موضحًا أن المطالب الفئوية ضد الحرية.

 

وينتقد تحول المدارس إلى مسرح للإضراب والاعتصام والعنف لما لها من قدسية، فضلاً عن إهدار حقوق 17.5 مليون بيت يهتمون بالتعليم، موضحًا أن المعلمين يقومون بدور الرسل والمربين والمصلحين الاجتماعيين وهم أصحاب رسالة وحضارة وهم نموذج وقدوة لتربية الأجيال وصناعة إنسان مصري جديد؛ ولذا يجب أن تكون تصرفاتهم عملية تتسم بالحكمة وعدم إهدار حقوق الآخرين.

 

ويطالب المعلمين بأن يمزجوا الحقوق بالواجبات، وأن يرحموا أولياء الأمور من الدروس الخصوصية، ويحوِّلوا المدارس إلى مركز للإشعاع التربوي ومركز لتقديم الخدمات التربوية، وبعد ذلك يبحثون عن حقوقهم.

 

ويشير إلى أن التعليم قضية مجتمع وليست قضية وزير أو وزارة، مطالبًا المجتمع المدني والأحزاب السياسية بدعم التعليم ماليًّا عن طريق فتح باب التبرعات من أجل بناء تعليم جيد، ودعم المعلمين وزيادة رواتبهم.

 

ويقول: "مطالب المعلمين مشروعة؛ لأنهم يبذلون جهدًا، ويحترقون من أجل بناء جيل جديد؛ ولكن لا بد أن تراعي الإمكانيات المالية للدولة والظروف السياسية التي نعيشها الآن".

 

ويوضح أن ميزانية الدولة لا تسمح في القريب العاجل لزيادة الرواتب بهذا الشكل المطلوب؛ ولكن من الممكن أن يتم تدبير هذه العملية والاستجابة لها على مراحل وفترات في ضوء الإمكانيات والميزانيات، خاصةً أن هناك زيادةً واضحةً في أجور المعلمين في الفترة الماضية، وهذه الزيادة تجاوزت الأطباء، ودخل المعلم حاليًّا أفضل بكثير من دخله قبل الثورة.

 

ويعدُّ تعمُّد المعلمين تأخير الدراسة جريمةً في حق الوطن وموقفًا غير إيجابي بالمعلمين، فلا يليق بهم أن يتبنَّوا إضرابًا يمس المصلحة القومية للوطن، مؤكدًا أن الإضراب لا يكون في التعليم والصحة لأنهما جناحا التنمية للدولة.

 

ويقترح أن تتم الاستعانة بالمعلمين القدامى والمعلم الإلكتروني والمعلم المجاني، باستخدام التلفزيون لبث البرامج التعليمية لسد العجز حاليًّا في المدارس، وأيضًا لتقليل الدروس الخصوصية.

 

حقوق وواجبات

 الصورة غير متاحة

د. إدريس سلطان

ويرفض الدكتور إدريس سلطان، أستاذ المناهج وطرق التدريس بكلية التربية جامعة المنيا، إضراب المعلمين مهما كانت المشكلات الموجودة التي يعانونها؛ بسبب الظرف الطارئ الذي تمر به البلاد بعد الثورة.

 

ويوضح أن إضراب المعلمين سيؤثر بالسلب في العملية التعليمية والمناهج الدراسية والخطة الزمنية للفصل الدراسي المقسمة لوحدات وحصص، وبالتالي سيلجأ المعلمون إلى ضغط المناهج للانتهاء من المنهج في الموعد المطلوب، مشيرًا إلى أن ذلك من شأنه أن يترتب عليه عدم تحقيق الأهداف المرتبطة بالمنهج وحرمان الطالب من الأساسيات؛ التي من المفترض أن تشرح له في بداية الدراسة ليبني عليها المنهج، فضلاً عن إعطاء صورة سلبية للطالب مع بداية العام الدراسي عندما يرى معلمه الذي من المفترض أن يكون قدوته ممتنعًا عن عمله.

 

ويشير إلى أن أغلب فئات الشعب بعد الثورة هُيِّئ لها أن لهم مطالب وحقوقًا، متناسين واجباتهم، متسائلاً: هل المعلمون المضربون عن العمل يؤدون عملهم على أكمل وجه، ويعالجون القصور ونقص الخبرات التي لديهم؟ وهل كل واحد منهم يؤمن برسالته الكاملة كمعلم أم أنه ملقن فقط؟ وهل هو مؤمن بأنه لا بد أن ينمي مهارات الطالب؟ أم أن مهارته منحصرة في كم المعلومات الموجودة في الكتاب؟!

 

ويضيف أن نسبةً كبيرةً من المعلمين في مصر لا يصلحون لأن يكونوا معلمين بالمعنى الدقيق لكلمة "معلم"، موضحًا أن سقف المطالب التي يرفعها المعلمون أعلى بكثير من المطلوب في المرحلة الحالية.

 

ويقترح أن تستعين الوزارة بخريجي كلية التربية وطلاب التربية العملية والنظار والمدراء لسد العجز في المدارس التي طالها الإضراب لانتظام العملية التعليمية، مؤكدًا أن هناك نسبةً كبيرةً جدًّا لديها الوعي الكامل بأن تؤدي ما عليها؛ لأنه حق المجتمع.

 

بداية غير صحيحة

ويرى مصطفى الشاطبي، عضو لجنة الدفاع عن حقوق الطالب، أن إضراب المعلمين ليس ناجحًا إذا قيس باعتصام المعلمين الذي تمَّ قبل انتخابات النقابة، فضلاً عن أن مردود الإضراب على الناحية التعليمية ليس كبيرًا؛ بسبب وجود انقسامات في النقابة حول تأييد الإضراب.

 

وينتقد عدم استعداد الحكومة جيدًا لاستقبال العام الدراسي الجديد، ووضع خطط لمواجهة الإضرابات لضمان تسيير العملية التعليمية؛ فإلى الآن لم تكتمل القوة العددية للمعلمين في المدارس، ولم تصل الكتب المدرسية إليها، موضحًا أن إضراب المعلمين يؤثر بالسلب في الدراسة والعملية التعليمية في مصر برمَّتها، وخاصةً الطلاب، متوقعًا استمرار الوضع على ما هو عليه، ولجوء الوزير إلى تأجيل الدراسة 15 يومًا أو 30 يومًا لحل الأزمة وبعدها انتظام الدراسة.

 

ويرفض أن تكون البلطجة وفرد الذراع هي السمة الواضحة في جميع المجالات التي تقابل ضعف الحكومة ووزارتها حاليًا، لافتًا إلى أنه من الأفضل أن يساند الشعب هذه الحكومة ويقوي شوكتها لكي تستطيع أن تؤدي مهامها في الفترة الحالية.

 

ويقول إن التظاهر والإضراب حق سلمي كفله الدستور والقانون، لكن عندما ترى الدولة أن هذا التظاهر يضرُّ بمصلحة الوطن ومستقبله فلا بد أن تطبق القوانين ويحاسب كل من يريد تعطيل مسيرة التغيير باتخاذ الإجراءات اللازمة لذلك.