كان معلومًا من الواقع بالضرورة في زمن المخلوع الذي طال بأسه علينا أنه كان وفيًّا لمن يخدمه فقط!، لأننا لم نسمع عنه وفاءً لعائلته أو قريته! كما لم نرََ منه وفاءً لمصر التي حكمها ونهبها، وحوَّلها إلى عزبة بعد أن كان جل حلمه أن يكون سفيرًا في بلد الإكسلانسات، وهو بلد حماته أم زوجته، وهو البلد الذي منحه وأولاده الجنسية البريطانية التي أنكروها طوال سنوات حكمهم الظالم الفاسد المستبد لمصر والمصريين!.
الشاهد لما أقول أن رجال الجيش والشرطة المنتهية مدة خدمتهم- وليس كلهم- لهم نسبة في تولي المسئوليات المدنية من وزارات أو هيئات أو محليات بكلِّ مستوياتها من محافظين لسكرتارية محافظات لرؤساء مجالس مدن، ووصلت النسبة قبيل نهاية النظام إلى أكثر من 45% من المناصب القيادية، وكانت هناك نماذج متفاوتة الأداء من ناحية أسلوب الإدارة أو حجم الإنجاز، والنموذجان الواضحان في ذلك كان اللواء محمد عبد السلام المحجوب (مخابرات عامة) محافظًا للإسكندرية، والذي مارس سياسةً هادئةً ينجز بها عملاً مقابل إنهاء مصلحة عامة، وما ترتب على ذلك من مخالفات قانونية لم يستطع أحد مواجهتها إلا بمعرفة النموذج الثاني، وهو اللواء عادل لبيب (أمن دولة) الذي مارس أدوارًا وصلاحيات رجل الأمن بسلوك جهاز أمن الدولة (المنحل)، عندما تولى لأول مرة وظيفةً مدنيةً محافظًا لقنا فأنجز فيها بسلطة رجل الشرطة كثيرًا من المشاكل المزمنة!، وهو ما أعطى له زخمًا شعبيًّا، ووصل الأمر إلى أن من يرفض قرارًا له يتم التهديد باعتقاله أو اعتقاله فعلاً!، فلما ذهب إلى الإسكندرية محافظًا واجه شعبية للمحجوب، فأراد أن يؤسس له نظامًا مختلفًا يثبت فيه خطأ إدارة سلفه المحجوب أو المحبوب كما اشتهر عنه وسط أبناء الإسكندرية!، فأوقف قراراته وتعسف في الأداء عندما وجد مقاومة، وكان أيضًا معتمدًا على سطوة رجل الشرطة ومساندة جهاز أمن الدولة له، وانتهى عهده بالثورة، وإحراق مبنى المحافظة الأثري والذي لم يتكرر في أي محافظة أخرى غضبًا وانتقامًا!!، تلك هي حصيلة الوفاء لمن ساعد وساند نظام الحكم كي يستمر ويبقى مهما كان الثمن!.
وبعد الثورة- للأسف- ما زال هذا النمط في التفكير واستدعاء الكفاءات كما هو، ولعل هؤلاء هم من يمدون المجلس الأعلى العسكري بالنصيحة في كلِّ المجالات التي يتصدر لها بعد توليه مسئوليات الحكم المدني الذي لم يتدرب عليه عاملاً بالنصيحة أن "جحا أولى بلحم طوره"! أي أن قياداته التي مارست العمل المدني في فترة المخلوع هم أصحاب الخبرة التي ينهل منها المجلس الخبرات والنصائح المطلوبة!.
ولعل هذا هو ما جعل كل القرارات تميل إلى السياسات القديمة والعقلية البائدة التي أفسدت الحياة في مصر، وكانت سببًا من أسباب الثورة!، فمن يقدر على مد "الطوارئ" الذي رفضه الثوار وكانت مطلبًا رئيسيًّا للثورة بل ويُفعلها!، ومن ساعد على أسباب الانفلات الأمني حتى اليوم لتبرير قرار المد، وهو ما كان يفعله المخلوع عندما كنا جميعًا ننتظر بعض الهجمات الإرهابية والانفلاتات الأمنية قبيل موعد التجديد مع الكشف عن عدد من التنظيمات الإرهابية لتبرير مد القانون!، وحتى من استعانوا بهم في الوزارات أو المحافظين، أغلبهم من القيادات القديمة التي تربت في مناخ الاستبداد والفساد، أضف إلى ذلك أن الصف الثاني في كل الوزارات والمحافظات والمؤسسات الذين يأكلون وينهبون في صمتٍ دون الظهور على شاشة العمل العام ما زالوا يملكون مفاصل الأداء، ومفاتيح التكليفات وإمكانات الفعل في أماكنهم بتفويض من المسئول القادم الخائف من اتخاذ قرارات تصحيحية، وهكذا تغلبت المشروعية القانونية- كما يتصورون- على الشرعية الثورية التي يموج بها الشارع المصري، وهي وسيلته الوحيدة لتغيير جذري متدرج لشكل ونمط الحياة في مصر على كل المستويات سياسية وتعليمية وعلمية وثقافية واجتماعية واقتصادية، وهو ما لن يحدث ما دام الشقاق بين شعب ثار على ظالميه وقيادة انحازت له مستمرًّا، ثم استعانت بما تبقى من ظالميه لتدير حياته بعد الثورة!! بقى ده اسمه كلام؟!.
--------
* برلماني سابق وقيادي بحزب الحرية والعدالة g.hishmat@gmail.com