عاش المصريون لحظة فرح ونشوة نصر، وسجدوا لله شكرًا يوم تنحي الرئيس المخلوع مساء الجمعة الموافق 11 فبراير، ورسم كل مصري ومصرية خريطة أحلامه على مستوى مصر كلها، وعلى مستواه الشخصي، ولما لا وقد تخلصوا من كابوس جثم على صدورهم عشرات السنين، وكان ينوي البقاء سنين أخرى بتوريث ابنه جمال.

 

في هذه الفترة لم يكن هناك بلطجة، أو عنف وكل الفلول في الجحور خائفون بل ويرتجفون والأمل يحدو الجميع وروح الوحدة ومشاعر الود من أجل التغيير تسود الجميع وتسيطر عليهم، ولا فرق بين مسلم أو مسيحي ولا يساري أو يميني. تمر الأيام تلو الأيام والإعلانات الدستورية تتلى علينا منذ الإعلان الأول يوم الأحد 13 فبراير حتى بلغ عددها ما يزيد على 73 إعلانًا دستوريًّا، وكان الشعب بكل فئاته يتلهف لصدور كل إعلان ونزداد فرحًا وسرورًا بما ورد فيه!! وبعدما تجاوزنا الستة أشهر نظر كل مصري حوله فإذا الأحلام تتبدد والفرح يتحول لحزن وأسى والأمن يتحول لخوف وفزع، ويحوم القلق والهواجس حول كل مواطن لمصير الثورة وما تؤول إليه، حتى وصل الأمر مداه بالحديث عن انقلاب مارس 1953 واسترجاع أحداثه وإمكانية تحققه في 2011!

 

والمتشائمون يزدادون يومًا بعد يوم فما أسباب ذلك إذا كان حقيقة نتفق عليها؟! لا شك أن هناك مجموعة من الشواهد يفرضها الواقع وتدعونا للقلق والخوف معًا على مصير الثورة فغياب كل من قائد الثورة والخريطة أو الخطة الثورية المستقبلية وغموض المدى الزمني لكل إجراء تتخذه الحكومة أفقد الثورة البوصلة التي بها تسير إلى بر الأمان وتحقق أهدافها، ويطمئن لها المصريون، وهم على حق في ذلك، ما جعلهم يفكرون في المليونيات والاحتجاجات وقطع الطرق.. إلخ حتى صغائر الأمور وإن كانت حقًّا فالدعوة للمليونيات من أجل تحقيقها أصبحت الخيار المفضل وأضحى جدول أيام الجمع في ميدان التحرير مليئًا ومشغولاً وبلا أجازات فمن السبب في ذلك؟!

 

ورغم أن الشعب أوكل تحقيق المطالب للمجلس العسكري الذي بدوره اختار لنا حكومات يفترض فيها أنها معبرة عن الثورة ومناط بها تحقيق مطالب الثورة من خلال خطة محكمة تريح الشهداء والمصابين والثوار وكل المصريين، إذا بهم لا ينالون الفتات مما يرجون إلا بشق الأنفس والدعوة للمليونيات!!

 

وتتخذ القرارات بعدها وتنفذ بخطى السلحفاة. إن بعضًا من الشواهد تدعونا لوقفة مع من يدير شئون البلاد في المرحلة الانتقالية، ومنها هل يختلف أحد على محاكمة رموز الفساد، وقتلة الثوار محاكمة عادلة وفق قضاء مستقل، هل يختلف أحد ألا يقود مصر الثورة أحد من الفلول سواء وزير أو محافظ؟

 

هل يختلف أحد على رفع الحد الأدنى للأجور ووضع حد أقصى لها؟ هل يختلف أحد على تغيير القيادات الجامعية بالانتخاب؟ هل يختلف أحد على قرار المحكمة ببطلان المجالس المحلية؟ هل يوافق أي مصري ومصرية على مد قانون الطوارئ بعد ثورة سلمية ناجحة؟ هل يقبل المصريون تكميم الأفواه، ومصادرة الحريات من خلال غلق مكتب (الجزيرة مباشر) بالأخص ودون غيره عبر الأمن الوطني دون اللجوء للقضاء؟

 

هل يمكن الالتفاف على الإرادة الشعبية بالمبادئ فوق الدستورية؟ هل يمكن السكوت عن حق شهداء الحدود وإهدار كرامة المصريين دون عقاب؟ الذي يجب اعتباره أن ثورة 23 يوليو عام 1952 قام بها مجموعة من الضباط وسكت عنها الشعب أو وافقهم.. وحكم العسكر مصر حتى يومنا هذا أي 60 عامًا.

 

أما ثورة 25 يناير2011 فقام بها الشعب بكل طوائفه وبخفة دم مصرية شهد بها العالم وحماها العسكر، إذن 2011 تختلف عن 1952 ولا مجال للحديث عن انقلاب مارس 1953.

 

والأمر الثاني هو المحاكمة وما يعنينا أن الله وحده حدد نهاية كل ظالم مستبد وهو الفعال لما يريد وليس لك من الأمر شيء، وانظر لمكان المحاكمة في أكاديمية الشرطة تجد أنه تقدير الله العزيز المنتقم، كما يعنينا استقلال القضاء فلا يعنينا حكم المحكمة أيًّا كان ولا يعنينا من يحكم المستشار أحمد رفعت أو المستشار رفعت أحمد المهم أن يحقق قوله تعالى ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ﴾ (البقرة: من الآية 179)، والفيصل هو أن يسمع الحكم الجميع في وقت واحد ولا يسبقنا أحد عبر التليفون.

 

وهذا يتطلب إقرار قانون استقلال القضاء فورًا فهو الضامن لكل حكم يصدر منه، وإجراء انتخابات نزيهة ونجاح الثورة في تحقيق مطالبها. والأمر الثالث في ما يخص المحليات فلا يعقل أبدًا أن تضع السلطة التنفيذية بدلاء المجالس المحلية ودون معايير وضوابط وإجراءات محددة تحقق الرقابة وتمنع الفساد وكفانا نهبًا وسلبًا.

 

أما مد وتفعيل قانون الطوارئ فهذه هي الردة بعينها للثورة والامتداد للعهد البائد واستخفاف بمطالب الشعب الثائر والمعلوم للجميع أن المشكلة ليست في مد أو إلغاء القانون ولكنها في المنوط به التنفيذ، وأقصد وزارة الداخلية التي تراخت كثيرًا وأطالت الوقت في عودة الانضباط للشارع المصري.

 

أما غلق مكتب (الجزيرة) بدعوى شكوى الجيران من الإزعاج وهو نفس المبرر لبناء الجدار حول السفارة الإسرائيلية في الجيزة يدعو للدهشة والأسى معًا.

 

آخر نقطة هي المحاولات المستميتة لإقرار المبادئ فوق الدستورية وهي لا دستورية بإجماع الفقهاء الدستوريين الوطنيين رغمًا عن الإرادة الشعبية وما حددته في استفتاء 19 مارس المنصرم. والمجهول للمصريين هو من المستفيد من إصرار نائب رئيس الوزراء علي السلمي، ومن قبله يحيى الجمل بالمحاولات الحثيثة لإقراره؟ لا شك أن المستفيد أصحاب أجندات خاصة سواء داخلية أو خارجية لا علاقة لها بمصلحة الوطن والمواطن. الذي يجب ذكره والتأكيد عليه أن مصلحة الوطن والمواطن في الاستقرار والبناء ولن يكون هذا إلا بانتقال الحكم للشعب بشكل ديمقراطي في أسرع وقت ممكن وإلا فأصحاب سيناريو الفوضى قادمون وعندها لن نجد لقمة العيش ولا مستقبل آمنًا لأبنائنا.

------------------

* أمين حزب الحرية والعدالة بالبحيرة