الانفلات الأمني بات حديث الشارع المصري بعد أن غاب دور الشرطة عن ملاحقة أرباب السوابق إلا من بعض الشرفاء من نبلائها، ففي ظل هذا الغياب أو التغييب، أخذ البلطجية يسرحون ويمرحون، ويهددون أمن المواطن، ويرتكبون كل أشكال الجرائم والموبقات، ولا تحرك جاد وحقيقي لمواجهة هذه الظاهرة الخطيرة.

 

لا أدري ماذا سيكون شعورك- عزيزي القارئ- حين تمتد إليك يد آثمة وتستولي على أموالك ومتعلقاتك عنوة وتحت تهديد السلاح الأبيض، وأنت أعزل وعاجز عن فعل أي شيء؟ بالتأكيد.. شعور بالذهول والصدمة، وربما الإحباط، وسيتعاظم هذا الإحساس المرير إذا وقعت الجريمة في وضح النهار، وعلى مرأى ومسمع من الناس في الشارع، وستزداد مرارة هذا الإحساس إذا كنت على بعد أمتار من دورية شرطة، وقد استغثت بها ولم تنجدك.

 

 عشت قبل أيام لدى زيارتي القاهرة أحداث مشهد من مشاهد الرعب والترويع، أبطاله عصابة شريرة مؤلفة من ثلاثة مجرمين، استوقفوا سيارة أجرة كنت أستقلها ضمن مجموعة من المصريين الكادحين بعد صلاة الظهر، وتحديدًا في شارع أحمد حلمي- ولا ندري هل تم ذلك بترتيب مع السائق أم لا؟- وأشهروا في وجوهنا أسلحة بيضاء ذات نصل طويل لم أرها من قبل، بل وضعوها على رقاب بعضنا، وقال كبيرهم: "كل واحد يطلع اللي معاه"، وكانت هذه العبارة كافية لكي يخرج كل واحد منا ما لديه من مال وجهاز موبايل، والألم يعتصرنا، ومن لم يتجاوب امتدت الأيدي العابثة إلى جيوبه، واستولت على ما صادفها.

 

كان تركيز المجرمين على الأموال وأجهزة الموبايل، وتحت تهديد السلاح أخرجنا ما بحوزتنا دون اعتراض أو تعليق، فلا أحد يدري ماذا سيكون مصيره؟ إذا احتج أو قاوم أو رفض الانصياع.

 

وكنت آخر من تعامل معه المجرمون؛ حيث كنت في موقع بعيد عنهم نسبيًّا، فحينما فرغ زعيم العصابة من جمع حصيلته من أموال وموبايلات الذين تجاوبوا معه؛ إيثارًا للسلامة، طلب مني أن أخرج أي شيء معي، فقلت: ليس معي شيء؟ فسألني إن كان معي موبايل، فأومأت بالنفي، وحينما كشر عن أنيابه، ولوح بالسلاح الأبيض أخرجت له بعض النقود فأخذها واكتفي، وانصرف هو وعصابته وتركنا نتجرع مرارة هذا الموقف العصيب الذي استغرق بحساب الزمن بضعة دقائق، وما هي كذلك بحساب حجم الأثر النفسي للواقعة.

 

أشرت إلى أن هذه الجريمة ربما دبرت بتنسيق مع السائق، وآيات ذلك أن العصابة لم تستول على أمواله، فضلاً عن أنه عقب الجريمة استهان بالأمر وقال: "احمدوا ربنا على أنكم نجوتم ولم تتعرضوا لسوء"، الأمر الثالث أنه أخذ يدافع عن نفسه وكأن على رأسه "بطحة"، الأمر الرابع أنه لم يكن يرى أي جدوى من التوجه إلى الشرطة، ومن ثم لا بد أن نحذر من استخدام البلطجية بعض قائدي سيارات الأجرة أدوات لممارسة جرائمهم.

 

بعد الجريمة أخذ كل واحد يعدد ما استولى عليه قطاع الطرق، فهذه امرأة فاضلة تصدع بالألم وتعبر عن مأساة زوجها قائلة: لقد أخذوا موبايل زوجي الذي اشتراه قبل أيام بـ 300 جنيه، وهذا رجل يضرب كفًّا بكف ويقول: أخذوا مني 200 جنيه، وهذا كل ما أملك، وثالث يقول: أخذوا مني كذا وكذا، والأمر لا يخلو من طرافة المصريين، فقد قال أحد الركاب مظهرًا براعته: لقد رن هاتفي، فأغلقته على الفور ووضعته في حذائي، ولكل واحد قصة وحكاية، بعضها مُبْكٍ، وبعضها مثير للضحك، و"شر البلية ما يضحك".

 

فاجعتنا الكبرى كانت مع الشرطة، فعلى بعد أمتار من مسرح الجريمة، وتحديدًا بالقرب من نفق الشهيد أحمد بدوي، وجدنا دورية شرطة على أحد جانبي الطريق، فتنفسنا الصعداء واستغثنا بأفرادها، لكن سرعان ما خيبوا آمالنا، ولم يتحرك لهم ساكن، فقصصنا عليهم الأمر فلا حياة لمن تنادي، وقالوا: لا نملك لكم شيئًا، وبإمكانكم الذهاب إلى قسم الشرطة وتحرير محضر، فقلت لأمناء الشرطة الذين ظلوا على هيئتهم في السيارة وكأنهم غير مسئولين وغير معنيين بما حدث: نحن سرقنا وقضى الأمر، لكن عليكم الآن على الأقل الذهاب إلى مكان الجريمة لردع هؤلاء المجرمين إن لم يكن للقبض عليهم؛ لأننا رأيناهم بأم أعيننا يتجهون إلى سيارة أخرى للإيقاع بضحايا آخرين، لكن ذهبت كل محاولاتنا أدراج الرياح.

 

إن استفحال البلطجة وشيوع ظاهرة الانفلات الأمني تعود بالأساس إلى غياب دور الشرطة، وعدم قيامها بواجبها الوطني، ولا ندري إذا كانت هذه السلبية أو تلك اللامبالاة سياسة متعمدة أم قصور من أفرادها؟ الواقع يقول أنهما الاثنان معًا، فهؤلاء البلطجية معروفون لدى أجهزة الأمن فردًا فردًا، وعصابة عصابة، وقد استخدمتهم الأجهزة الأمنية إبان العهد البائد؛ لقمع المعارضة وأصحاب الرأي، وباستطاعتها أن تطاردهم في كل شارع وكل حارة وكل زقاق.

 

ولنا أن نتساءل: أين الجحافل الأمنية التي كانت تحاصر الجامعات وتقمع أصحاب الرأي؟ وأين زوَّار الفجر الذين كانوا لا يكفون عن مداهمة البيوت وترويع الآمنين؟.

 

الخطير في الأمر أن يتورط بعض أفراد الشرطة في أعمال البلطجة، فقد روى لي أحد الأصدقاء المحامين أن سيارته سرقت في أواخر شهر رمضان الكريم، وأنه حرر محضرًا، ولم يسترد السيارة إلا بعد أن دفع لبعض عناصر الشرطة 3000 جنيه، والشاهد أنه حينما ذهب لاستلام سيارته، بعد أن دفع المبلغ مقدمًا بالطبع، ذهب مع الشرطة إلى مكان مهجور، وأغلب الظن- وبعضه ليس إثمًا- أن عصابات مجرمة تسيطر على هذا المكان بالتعاون مع بعض رجال الأمن الفاسدين لجمع الإتاوات.

 

والمؤلم أنه بدلاً من تكريس الجهود لاجتثاث حالة الفوضى والانفلات الأمني راح المجلس العسكري يستدعي قانون الطوارئ سيء الصيت والسمعة ليطبقه، رغم أن ترسانة قوانيننا فيها ما يكفي وزيادة لمعاقبة المجرمين وقطاع الطرق وكل المتربصين بالثورة ومكتسباتها، وبدأنا نسمع ونقرأ عن ضباط في جهاز الأمن الوطني– المستنسخ من جهاز أمن الدولة المنحل– عن تهديد بعض أصحاب الرأي والمدافعين عن حقوق الإنسان بالاعتقال وفقًا لقانون الطوارئ!!.

 

ويبقي الشعب المصري، بجميع قواه الحية والثورية ولجانه الشعبية، مسئولاً عن مواجهة هذه الحالة الاستثنائية، ووضعها على قمة الأولويات، ويجب ألا نشك لحظة في أن فلول النظام السابق وأذنابه داخل الأجهزة الأمنية والتنفيذية وخارجها يقفون بكل قوة في خندق الثورة المضادة، وما زالوا يعبثون بأمن الوطن ومقدراته.