ها هي مسيرة الانتخابات تنطلق في النقابات المهنية والنوادي الاجتماعية والجامعية، وها هي النتائج تظهر تباعًا بتقدم هذا الفريق أو ذاك، ولم تشهد أيٌّ من الانتخابات التي تمَّت حتى الآن أي مظاهر للعنف، بل تمَّت جميعها تحت إشراف قضائي بناءً على طلب إداراتها، وهو ما أكسبها مزيدًا من المصداقية.
كانت ضربة البداية بانتخابات نقابة الصيادلة (يوم 7 يوليو)، تلتها "المعلمين" (يوم الأربعاء الماضي)، ونادي تدريس جامعة عين شمس (الخميس الماضي)، ثم نادي 6 أكتوبر (يوم الجمعة الماضي) في حين تستعد نقابات الصحفيين والمحامين والأطباء للانتخابات منتصف شهر نوفمبر، بعد أن فتحت باب الترشيح لأعضائها، وانتهى بعضها من فحص الطعون فعلاً، كما نجحت نقابة المهندسين في الحصول على وعد بإنهاء الحراسة؛ تمهيدًا لإجراء انتخاباتها بعد 19 عامًا من فرض الحراسة عليها وتجميد الانتخابات بها.
إذن انطلقت القاطرة، وعلى من يريد اللحاق بها أن يحقب حقائبه ويستعد بالعمل الجاد؛ لا بافتعال معارك وهمية هنا وهناك، تستنزف جهوده ولا تترك له سوى الندم بعد ذلك.
في انتخابات الصيادلة والمعلمين ونادي 6 أكتوبر نجح الإخوان في تقديم قوائم مقنعة ضمت إلى جانبهم العديد من المرشحين الذين يمثلون مكونات نقابية مختلفة، وفازت قوائمهم التي قدموها بالأغلبية، علمًا أنهم لم يقدموا مرشحين في العديد من اللجان النقابية للمعلمين، سواء بسبب ضعف حضورهم في تلك الأماكن، أو من خلال تنسيق مع قوى نقابية أخرى.
النتائج المعلنة حتى الآن تؤكد أن الإخوان ليسوا فكًّا مفترسًا، فقد فازوا في أماكن بينما خسروا أماكن أخرى، مثل نادي هيئة تدريس جامعة عين شمس الذي لم يفُز فيه سوى مرشح واحد لهم، بينما حصد خصومهم 11 موقعًا، ومن قبل ذلك خسر الإخوان الانتخابات الطلابية في جامعة القاهرة عقب الثورة مباشرةً، وحتى في عز مجدهم النقابي منتصف التسعينيات خسر الإخوان انتخابات نقابة البيطريين التي كان وكيلها حينئذاك الدكتور محمد بديع، المرشد الحالي للجماعة، وكان من اللافت أن المجلس الإخواني الذي أجرى الانتخابات هو الذي خسرها بسبب انصراف البيطريين عنه؛ نتيجة تقصيره.
نقابات ما بعد الثورة ستعود إلى دورها الطبيعي في خدمة أعضائها والارتقاء بالمهنة، وستتخلى عن الدور السياسي الذي كانت تلعبه من قبل في ظل ظروف سياسية خانقة لم تترك سوى الهامش النقابي للتحرك، فتحولت النقابات- خصوصًا التي فاز فيها الإخوان- إلى حزب سياسي ونادٍ اجتماعي ونقابة مهنية معًا، واليوم لم تعد هناك حجة لأحد لممارسة العمل السياسي في النقابات، بعد أن تم إطلاق حقِّ تكوين الأحزاب بمجرد الإخطار، وبعد الحصول على توكيلات من خمسة آلاف شخص فقط.
أمام النقابات اليوم مهام وتحديات صعبة، فالحرية التي منحتها لنا ثورة يناير فتحت أعين الجميع على حقوق لم يكن يتحدث عنها أحد من قبل، والمطلوب أن تتحرك النقابات للحصول على هذه الحقوق، وفي سبيل ذلك ستواجه مقاومة قوية ممن بيدهم تلك الحقوق وليس بالضرورة أن يكونوا مسئولين في أجهزة الدولة، بل كثيرًا ما ستكون المواجهة مع رجال الأعمال وأصحاب الشركات، من هنا أهمية اختيار عناصر قوية في مجالس النقابات، وحبذا لو تمكنَّا من التوصُّل إلى قوائم توافقية، تضم ممثلين لكل التيارات الحية والتكتلات الانتخابية القوية؛ لتتولَّى مهمة المفاوضات الجماعية الشرسة.