- عبد القادر بن مسعود: الشعب الليبي عصي على الانقسامات والخلافات

- د. رفاعة الطهطاوي: التدخل الأجنبي يهدف لمنع المد الثوري للمغرب

- د. رشاد عبده: مقومات نجاح الاقتصاد الليبي كبيرة بفضل موارده

- العميد الزيات: ليبيا ستستفيد من الثورة وستمتلك هياكل قوة حديثة

تحقيق: الزهراء عامر

 

بعدما بسط الثوار الليبيون نفوذهم على كامل التراب الليبي تقريبًا، وتوارى الديكتاتور معمر القذافي عن الأنظار رغم توعده بتحرير ليبيا خلال تسجيل صوتي موجَّه إلى الليبيين في ذكرى الفاتح من سبتمبر، وبدأ الثوار رحلة مطاردته "دار دار، وزنقة زنقة"، فإن هناك سؤالاً مهمًا يطرح نفسه على الآفاق حول مستقبل ليبيا السياسي والاقتصادي والعسكري والاجتماعي القادم: ما دورها في المنطقة العربية؟ وهل هناك مخاوف من التدخل الأجنبي في المستقبل القادم؟

 

ليبيا التي عاشت تحت خيمة الديكتاتور معمر القذافي لمدة 42 عامًا، تتطلع إلى مستقبل مشرق لشعبها، وتأمل أن تجتاز في هذه المرحلة الانتقالية المهمة والحساسة العديد من الملفات الشائكة وصولاً إلى برِّ الأمان، بعدما بات المجلس الانتقالي حاكمًا وممثلاً وحيدًا للبلاد.

 

قَمْع القذافي جعل الشعب الليبي أميًّا في الأمور السياسية، ولا يعرف المعنى الحقيقي للدولة الديمقراطية، الأمر الذي جعله يتحمل ما يزيد عن 4 عقود من حكم معمر القذافي.

 

انقسامات تبدو في الآفاق بين قوى داخلية معارضة للقذافي ومعارضة في الوقت ذاته للتدخل الخارجي، وبين قوى أخرى رفعت أعلام أمريكا وفرنسا ابتهاجًا بالنصر، فضلاً عن انقسام الرأي العام العربي حول ما حدث في ليبيا وكلها تدين القذافي، ولكنها تدين الاستعانة بالناتو ولا سيما وسط الأنباء التي تسربت عن عزم المجلس الانتقالي على إقامة علاقات مع الكيان الصهيوني وتحالفات جديدة قد تضر بالشأن العربي.

 

يؤكد عبد القادر بن سعود، المتحدث باسم الجبهة الليبية لمساندة ثوار 17 فبراير، أن ما نشرته بعض وسائل الإعلام عن أن ليبيا على وشك حرب أهلية بسبب الخلافات بين قبائل الشمال والجنوب أو الإسلاميين أو غيرهم، كلام عارٍ عن الصحة؛ لأنه لا يوجد عداوة أو صراعات بين القبائل الليبية، فهذه القبائل في البداية تحالفت مع بعضها لإسقاط النظام القذافي الديكتاتوري، وبمجرد تحررها من هذا النظام أعلنت قبائل أقصى غرب ليبيا ولاءها للمجلس الانتقالي.

 

ويوضح أنه بالرغم من وجود خلافات داخلية بين القبائل، فإنها تذوب مع وجود عدو مشترك، فعلى سبيل المثال عندما صرح الناتو بإمكانية نزول قوات عسكرية على الأرض أعلن الشعب الليبي أنه سيتحالف مع القذافي لمحاربة الناتو، موضحًا أنه كان هناك ثلاث قبائل أغلبيتها موالية للقذافي، وتدين له بالطاعة، وهي: "القذاذفة والمقارحة والورفلة"، وهذه القبائل معظمها قبائل مسلحة؛ ولكنهم بدءوا ينفضُّون من حوله بعد سقوطه، ومن يدافع عنه الآن هم الأشخاص الذين تورطوا معه في العديد من الجرائم، ويخافون من المحاكمة في حالة العثور عليه، وهؤلاء لن يستطيعوا إثارة الفوضى.

 

ويؤكد أن المجلس الانتقالي أمامه مسئولية جسيمة وهي جمع السلاح من الشارع الليبي؛ لأنه أصبح شارعًا مسلحًا ومدربًا على السلاح، موضحًا أن سياسة المجلس الانتقالي الليبي في التعامل مع هذا التحدي، وهي "العصا والجزرة"، حكيمة بإعلانه مكافأة قدرها 1500 دولار لمن يسلم السلاح الآلي في غضون شهر، وهذا الأمر سيكلف الدولة ما يقرب من مليار دولار، ومن لم يستجب سيتعرض للحكم العسكري والسجن 7 سنوات، موضحًا أن من لم يسلم رغبة في المال سيسلم خوفًا من السجن.

 

ويبين أن المجلس الانتقالي غير مخول بإدارة الأموال القادمة من الخارج، أو صرف فواتير أو عمولات لإعمار ليبيا ؛ بل ينتهي دوره بصرف التعويضات لأبطال الحرب.

 

ويشير إلى أن ليبيا ستصل إلى الكمال السياسي بتنفيذ الجدول الزمني للمرحلتين الانتقاليتين المستغرقتين نحو 20 شهرًا، 8 منها برئاسة المجلس الانتقالي، و12 شهرًا برئاسة المؤتمر الوطني العام، موضحًا أن المجلس الانتقالي سيحل تلقائيًّا بمجرد انعقاد أول جلسة للمؤتمر الوطني المنتخب.

 

أطماع الناتو

وحول تدخل الناتو في شئون ليبيا الداخلية يوضح ابن سعود أن الناتو لم يكن جمعية أو مؤسسة خيرية لدعم الشعب الليبي؛ ولكنه جاء إلى ليبيا ولديه أجندة بها شقان: الشق الأول اقتصادي، وهو تحصيل فاتورة الحرب على ليبيا، والشق الثاني وضع يده في "الطبخة" السياسية القادمة على ليبيا، مشيرًا إلى أن الشعب الليبي يوافق على الشق الأول ضغط أو إكراه؛ لكن أن يضع يده في العملية السياسية فهذا أمر مرفوض، فالشعب الليبي هو وحده من يدير العملية السياسية، ونحن رفضنا نزول الناتو على الأرض ونحن مستضعفون، فكيف نوافق ونحن منتصرون؟!.

 

ويضيف أن الشعب الليبي يعي جيدًا أن التدخل الدولي في رسم مستقبل ليبيا يعد سرقة للثورة، وبالتالي رفض وجود قوات حفظ السلام؛ لأن هذه القوات قوات احتلال، وكذلك زرع المخابرات مرفوض؛ لأن الشعوب العربية عانت من العملاء.

 

ويشير إلى أن هناك العديد من التحديات التي تقف في طريق الوصول إلى الكمال السياسي في ليبيا، منها أن الشارع الليبي منذ أكثر ما يقرب من 60 عامًا لم يشاهد حياة سياسية، موضحًا أن خَلْق شارع سياسي واعٍ يعتبر أمرًا في غاية الصعوبة، بالإضافة إلى توحيد الفصائل السياسية، خاصة أن هناك ما يقرب من 60 حركةً وحزبًا سيعلنون عن أنفسهم في الفترة القادمة، والشعب الليبي لا يحتاج إلى مثل هذه الحركات.

 

ويضيف أن عدم توحد الرؤية السياسية وعدم معرفة النظام السياسي الجديد، وهل هو برلماني أم رئاسي؟ وهل ستكون ليبيا جمهورية أم ملكية أم فيدرالية؟، بجانب إصلاح التعليم والصحة ووضع قوانين ومناهج للدولة، وليس للرئيس.. كل ذلك يمثل تحديات كبيرة في مواجهة الشعب الليبي.

 

وفيما يتعلق بإعمار ليبيا بعد الدمار الذي لحق بها يبين أن فاتورة الإعمار كبيرة جدًّا؛ لأن القذافي ساعد الناتو فيما حصل من تدمير، مؤكدًا أن ليبيا المستقبل لن تكون المهجورة والمستضعفة اقتصاديًّا، لأن الرئيس القادم رأى ما يحدث لنهب الثروات.

 

ويرى أن الشعب الليبي قادرٌ على صنع دولة غير الدولة التي كان يعرفها العرب من قبل؛ لأن لديه العقول التي تفكر والتمويل ورأس المال المجمد أو العائدات، موضحًا أن مستقبل ليبيا الاقتصادي القادم سياحي صناعي، فهي ما زالت بكرًا في السياحة والصناعة، وهذان الموردان لم يعرفهما القذافي ولم يعبث بهما، ولو عرفهما لباعهما للصهاينة.

 

العلاقات الخارجية

 الصورة غير متاحة

 السفير محمد رفاعة الطهطاوي

وينتاب السفير محمد رفاعة الطهطاوي، السفير المصري الأسبق في ليبيا وعضو مجلس أمناء الثورة، القلق بشأن إمكانية التدخل الأجنبي في شئون ليبيا بعد سقوط نظام القذافي، موضحًا أن الدور الذي قام به حلف الأطلسي للإطاحة بنظام القذافي ليس مبررًا لأن يفرض على الشعب الليبي مستقبله.

 

ويرى أن الوجود الغربي في ليبيا يهدف أولاً إلى الحفاظ على موارد البترول من جهة، بجانب إقامة منطقة عازلة تمنع انتشار المد الثوري في المغرب العربي من جهة أخرى.

 

ويشير إلى أن السياسات العربية في التعامل مع الوضع الراهن في ليبيا، وخاصة السياسة المصرية، تتسم بدرجة كبيرة من السلبية التي ظهرت في عدم المبادرة في اتخاذ موقف واضح، معربًا عن قلقه من ألا يكون لمصر التأثير الذي نرجوه في مسيرة ليبيا في المستقبل.

 

ويوضح أن الشعب الليبي المسلم إذا استرد حريته وامتلك زمام أمره سيعمل على إقامة دولة حرة تعبِّر تعبيرًا صحيحًا عن هوية الشعب الليبي، متمنيًّا أن يكون الدور الليبي إيجابيًّا في دعم العالم العربي المشترك، وخاصة في القضية الفلسطينية.

 

وفيما يتعلق بالملفات الخارجية لليبيا، وخاصة في التعامل مع الكيان الصهيوني يبين أنه لا يجرؤ أحد على التعامل مع الكيان، لا المجلس الانتقالي الليبي ولا غيره، ومن يتحدث بذلك يريد أن يحصل على الرضا الغربي، فالشعب الليبي شديد الدفاع عن القضية الفلسطينية، أما التعامل مع الدول العربية فسيكون طبيعيًّا.

 

ويخشى من محاولات تقسيم ليبيا، خاصة أن هناك مخططات لتمزيقها وتفتيتها عن طريق إشعال الحرب الأهلية، فضلاً عن الخوف من وضع الغرب يده على مقدرات الشعب الليبي.

 

المستقبل العسكري

 الصورة غير متاحة

العميد صفوت الزيات

وحول طبيعة الوضع العسكري الحالي لليبيا يوضح الخبير في الشئون العسكرية والإستراتجية العميد أركان حرب صفوت الزيات، أن الثوار الليبيين حاليًّا يحاولون بسط السيطرة على جميع البقاع، وتأكيد الدولة الليبية الجديدة، ولكن أمامهم مشكلات في الحزام الشمالي الذي يبعد نحو 200 كيلو متر عن عمق الشاطئ الليبي، وهناك ثلاث بقع لم يتم السيطرة عليها حتى الآن، وهي: مدينة سرت وبني وليد والجفرة، متوقعًا استسلام بقايا النظام؛ لأنهم ليس لديهم قائد، ولا هدف من البقاء.

 

ويضيف أن الناتو مستمر في عدم تنفيذ مهامه القتالية بنفس المعدلات التي كان عليها من قبل 23 أغسطس، وكأن التحالف الدولي يدرك أن مهمته مرتبطة بالوصول إلى رأس النظام، وليس فقط الحصول على طرابلس، وكذلك مساعدة الثوار في بسط سيطرتهم بالكامل؛ لأنهم يرون أن القذافي يمثل خطرًا على المستوى الإقليمي ومن الممكن أن يمتد إلى أوروبا.

 

وفيما يتعلق بالنوايا الاستعمارية للناتو يرى الزيات أن الناتو تحالف دولي أمني ودفاعي ليس له كيان مستقل؛ والأهداف الاستعمارية ليست في تصوره، وكانت أمامه الفرصة والتسهيلات أثناء العمليات، وكان معه التأييد الدولي، واكتفى بحمله من بعيد عبر القواعد التابعة للحلف والجزر الموجودة في البحر المتوسط، ولكنه يدافع عن مصالح أعضائه العليا وأي عداء لأي من أعضائه يعتبر عداءً للتحالف كله.

 

وفيما يتعلق بالمصالح الاقتصادية فمن حق كل دولة أن تفكر في مصالحها، وأن تشارك في إعمار ليبيا، ولكن هذا يعود إلى الشعب الليبي في تخصيص حصة كل دولة في الإعمار بناءً على الدول التي ناصرت الثورة ودعمتها.

 

ويتوقع أن تعيد ليبيا هيكلة مؤسساتها الأمنية، ومن بينها مؤسسة الجيش وبنائه من جديد على نمط الجيوش الأوروبية وخاصة النمط الفرنسي؛ لأن فرنسا قدمت أبرز المساهمات في دعم الثورة الليبية، فضلاً عن امتلاكها هياكل قوة حديثة بما لديها من إمكانيات، موضحًا أنه خلال الثورة لم نر جيشًا تنظيميًّا، وما شاهدناه لا يعدو أن يكون مجموعة من الوحدات يديرها أبناء رأس النظام.

 

ويضيف أن ليبيا الجديدة ستقوم بإعادة ترتيب العلاقات المدنية العسكرية، على أن يكون الحكم للسياسة المدنية العليا في الدولة، إدراكًا منهم أن القوة العسكرية خاضعة للدولة السياسية، متمنيًا أن تشمل هذه الهيكلة جميع أركان الوطن العربي؛ ليخرج تحالف عربي عسكري متطور أكثر فاعلية من اتفاقية الدفاع العربي المشترك، وبالتالي نصل إلى هيكل جديد للتحالفات الإقليمية بعيدًا عن الحساسيات المدنية العسكرية التي أبرمتها النظم الشمولية كما شهدنا في حلف الناتو.

 

مستقبل الاقتصاد

 الصورة غير متاحة

د. رشاد عبده

ويوضح الدكتور رشاد عبده، خبير الاقتصاد الدولي، أن ليبيا استفادت من التجربة المصرية كثيرًا، واستطاعت أن تتوحد وتعطي زمام حكم البلاد إلى المجلس الانتقالي الذي وضع جدولاً زمنيًُّا واضحًا لتسيير الأعمال، وبالتالي انتهى الصراع، وهذا الأمر ينطبق على الموارد الاقتصادية ولا خوف اليوم على عائدات البترول، مبينًا أن الخوف كان من اللجوء لحلِّ تقسيم الدولة بين القذافي والثوار وبالتالي تتفتت الثروات.

 

ويشير إلى أن الاقتصاد الليبي سينمو ويكبر بعد إغلاق بالوعات سرقة القذافي، خاصة أن المجتمع الليبي محدود العدد، بجانب ارتفاع عائدات البترول؛ حيث تصدر ليبيا مليون و800 ألف برميل بترول يوميًّا، الأمر الذي يتطلب إعادة توزيع الثروات بعدالة؛ لتخلص الشعب الليبي من الفقر، موضحًا أن هناك خططًا طموحة لتنمية الاقتصاد الليبي، مثل مشروع الجبل الأخضر، والسد الكبير وغيرهما من المشروعات الصناعية والتنموية، ومن السهل البدء في تنفيذها؛ لأن لديهم التمويل، أما الخبرات فتستطيع أن تأتي بها من أي دولة في العالم.

 

وفيما يتعلق باسترداد الأموال الليبية من الخارج يؤكد أن فرصة الشعب الليبي في استعادة الأموال المهربة أكبر من فرصة مصر؛ لأنه من حسن حظ الشعب الليبي أن جزءًا من هذه الأموال وضعت باسم الحكومة الليبية، فضلاً عن أن الثورة قامت بشكل مفاجئ، ولم يتوقع القذافي أنه سيترك السلطة، وبالتالي لم يحصن نفسه ويضيع معالم الثورة مثلما فعل غيره.

 

ويشدد على ضرورة أن يكون لمصر دور في مساعدة ليبيا في إحداث التنمية وإعادة إعمارها، الأمر الذي يتطلب زيادة عدد العمالة المصرية في ليبيا إلى 3 ملايين، وبالتالي تزيد التحويلات والعملة الصعبة التي تصل إلى مليار دولار سنويًّا.

 

ويقترح أن تتبنى الدول العربية المحررة من الاستعباد والديكتاتوريات مشروع تكامل وتنسيق اقتصادي، يبدأ من حدود مصر وينتهي في حدود تونس، ويكون نواة اقتصادية عربية لضمِّ بقية الدول العربية.