دروس التاريخ هي عبرة وعظة، ومعانيه المستخلصة من سير السابقين وتجاربهم هي التي تفتح طريق المستقبل للأمم كي تتقدم على نحو الأفضل، فقد مرَّت مصر خلال فترات من تاريخها بمرحلة أشبه بما نمرُّ به اليوم ، فبعد ثورة 25 يناير العظيمة تبعها انتشار لأعمال الفوضى والبلطجة ممن استفادوا من النظام السابق فنشروا السرقات، وروعوا الآمنين، وخرجوا على القانون، فتعالوا نعرض لتجارب تاريخية في ضبط أمور الدولة بعد الفوضى، لعلنا نجد فيها عظة وعبرة تنفعنا في كل حين.

 

التجربة الأولى:

- تجربة الوالي العثماني لمصر مسبح باشا... في القضاء على أعمال البلطجة كان مسبح باشا يعمل في البلاط العثماني، خازندارًا للسلطان العثماني سليم الثاني الذي تولى مقاليد الخلافة العثمانية في الفترة من 973 : 982هـ / 1566 : 1574م، وفي عهد السلطان مراد الثالث ابن السلطان سليم فوض لمسبح باشا حكم مصر، فأصبح واليًا لمصر في أول شوال سنة 982هـ، فحكم مدة خمس سنوات وسبعة أشهر ونصفًا، وتوفي سنة 988هـ / 1580م، رحم الله الوالي مسبح باشا، ورزق مصر حاكمًا مثله في هذه الأيام الحالكة بمصر، يعيد الأمن وينشر العدل ويحفظ الحرمات.

 

فقُبيل توليه حكم مصر كانت قد انتشرت فيها أعمال السرقة في عهد الوالي حسين باشا فأخذ مسبح باشا على عاتقه في فترة ولايته لمصر على الاهتمام باستتباب النواحي الأمنية، والقضاء على أي مظاهر للصوصية، فوجه اهتمامه خصوصًا إلى إبطال السرقات والتعديات، وقطع الطرق وترويع الآمنين، ولذلك فقد حمل على قطاع الطرق واللصوص حملة شديدة الوطأة، وعلى حدِّ قول أحد المؤرخين: "... كل من وقع في يده من المفسدين قتله، ولا يقبل فيه شفاعة أحد ولو أعطوه ألف دينار" ويقال إنه قد قتل من هؤلاء اللصوص ما يقرب من عشرة آلاف، فارتاحت البلاد من شرورهم.

 

وقد أُخذ عليه قتل اللصوص، وأعده البعض تجاوزًا من الوالي، على اعتبار أن عقاب السارق في الشريعة الإسلامية ليس القتل، بل قطع اليد بعد استيفاء شروط الحد، إلا أنه وجد أن اللصوص كانوا يقطعون الطرق ويروعون الناس، فأقام عليهم حدُّ الحرابة بالقتل، أو أنه قتل هؤلاء اللصوص تعزيرًا وردعًا للمجرمين لانتشار الجريمة في وقته.

 

ما أشبة مصر، اليوم، بالبارحة فانتشرت بعد الثورة العظيمة أعمال المخربين وفلول النظام وزادت أعمال قطع الطرق وترويع الآمنين، فما كان من المجلس العسكري إلا أن أخذ محاكمات فورية عسكرية ضدهم، فهرع من هرع لينتقد المجلس العسكري في محاكمته للمجرمين والبلطجية في محاكم عسكرية، ويقولون إن هذا البلطجي المروع للآمنين لا بد من محاكمته أمام محاكم مدنية، كيف ذلك؟!، ونقول لهم كيف يُحاكموا بقانون ليس فيه ردع لهؤلاء، بل من وجهة نظري أن الحل الأمثل اليوم لنُعيد الأمن للشارع المصري هو ما فعله الوالي العثماني مسبح باشا، بإقامة حد الحرابة لردع هؤلاء لنعيد الأمن والأمان للبلاد والعباد، واعتقد أن تغيير المحاكمات من عسكرية لمحاكم أمن الدولة لن تحل المشكلة؟.

 

نعود لمسبح باشا، فقد أكد المؤرخون أنه بسبب تجربة هذا الوالي العظيم ضد البلطجة والأخذ على أيديهم بتطبيق حدِّ الحرابة، رجع أهل الفساد عن فسادهم، وانتظم الحال في زمانه، وأمنت الرعايا على أنفسها وأموالها، وعمرت مصر في أيام دولته.

 

وقد عكف الوالي مسبح باشا بعد ذلك على إصلاح شئون الرعية، وكان نزيهًا لا يقبل الرشوة ولا الهدية، في وقت وسعت ذمة بعض الولاة العثمانيين لكل شيء، فاهتم بالعمران والصناعة والزراعة ورعاية الشعب، والعناية بالفقراء والمحتاجين، وتقوية الجيوش، ورعاية العلماء وطلاب العلم، وألقى الله الرعب في قلوب كبار الموظفين عن التجرؤ في الأمور الخارجة عن الشرع والقانون، فاستقرت أحوال مصر الداخلية في عهده، وأصبحت إمارة عثمانية قوية، ولذا فقد أشاد به المؤرخون ونعتوه بأطيب الصفات وأجلها.

 

التجربة الثانية:

- تجربة الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز... في اختيار أمراء دولته تمرّس الخليفة عمر بن عبد العزيز الإدارة واليًا وحاكمًا، واقترب من صانعي القرار، ورأى عن كثب كيف تُدار الدولة، فلما تولى الخلافة كان لديه من عناصر الخبرة والتجربة ما يعينه على تحمل المسئولية ومباشرة مهام الدولة، فحرص على المال العام، ودقَّق في اختيار الولاة، وكانت لديه رغبة صادقة في تطبيق العدل، كان رضي الله عنه رجل دولة أستشعر الأمانة، وراقب الله فيما أُوكل إليه، وتحمل مسئولية دولته الكبيرة بجدٍّ واجتهاد؛ فكان منه ما جعل الناس ينظرون إليه بإعجاب وتقدير.

 

وكان الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يختار ولاته بعد تدقيق شديد، ومعرفة كاملة بأخلاقهم وقدراتهم؛ فلا يلي عنده منصبًا إلا من رجحت كفته كفاءة علمًا وإيمانًا، وحسبك أن تستعرض أسماء من اختارهم لولاياته؛ فتجد فيهم العالم الفقيه، والسياسي البارع، والقائد الفاتح، وكان لا يكتفي بحسن الاختيار بعد دراسة وتجربة، بل كان يتابع ويراقب، لكن مراقبته لم تكن مراقبة المتهم، بل كان يراقب تطبيق السياسة العامة التي وضعها للدولة.

 

وإذا كان قد أخذ نفسه بالشدة والحياة الخشنة، فإنه لم يلزم بها ولاته، بل وسّع عليهم في العطاء، وفرض لهم رواتب جيدة تحميهم من الانشغال بطلب الرزق، وتصرفهم عن الانشغال بأحوال المسلمين، كما منعهم من الاشتغال بالتجارة، وأعطى لهم الحرية في إدارة شئون ولاتهم؛ فلا يشاورونه إلا في الأمور العظيمة، وكان يظهر ضيقه من الولاة إذا استوضحوه في الأمور الصغيرة.

 

دخلت عليه زوجته فاطمة ذات يوم فإذا هو في مصلاه يده على خده، سائلة دموعه فقالت: يا أمير المؤمنين ألشيء حدث؟ قال: يا فاطمة إني تقلدت أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم فتفكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، والمظلوم المقهور، والغريب المأسور، والكبير وذي العيال في أقطار الأرض، فعلمت أن ربي سيسألني عنهم.

 

رحم الله الخليفة عمر بن عبد العزيز، ففي سنتين وخمسة أشهر تولى فيها الخلافة ملأ الأرض عدلاً، فشبع في عهده الجياع، وكسي الفقراء، وكان أبًا لليتامى، وعائلاً للأيامى، وملاذًا للضائعين، كان الأغنياء يخرجون بزكاة أموالهم فلا يجدون فقيرًا يأخذها، فامتلأت خزائن بيت المال، إن عدله رحمه الله لم يكف الناس حاجاتهم فحسب بل ملأهم شعورًا بالكرامة والقناعة.كفل رحمه الله كل حاجات العلماء والفقهاء ليتفرغوا لعلمهم ورسالتهم، وأمر لكل أعمى بقائد يقوده ويقضي له أموره على حساب الدولة، ولكل مريض أو مريضين بخادم على حساب الدولة، وأمر ولاته بإحصاء جميع الغارمين فقضى عنهم دَينهم، وافتدى أسرى المسلمين وكفل اليتامى، قال الحسن القصاب: رأيت الذئاب ترعى مع الغنم البادية في خلافة عمر بن عبد العزيز فقلت: سبحان الله ذئب مع غنم لا يضرها؟‍‍‍‍ فقال الراعي: إذا صلح الرأس فليس على الجسد بأس.

 

التجربة الثالثة:

تجربة السلطان الظاهر بيبرس... لمقاومة الفساد الإداري.

 

الظاهر بيبرس كان من مماليك الصالح نجم الدين الأيوبي، فعلا نجمه بسرعة وترقى في خدمته، فلما مات الصالح نجم الدين، عمل بيبرس في خدمة المعظم توران شاه، واشترك في معركة المنصورة ضد الصليبيين ثم مع الفارس أقطاي، ثم خرج إلى الشام ثم عاد إلى القاهرة بعد مقتل المعز أيبك، ثم اشترك مع المظفر قطز في حرب التتار في عين جالوت، ولما قتل قطز بويع بيبرس بالسلطنة في ذي الحجة سنة 658هـ.

 

وللظاهر بيبرس تجارب ضد الفساد الإداري والمالي استعرضها المؤرخون لعل فيها العظة والعبرة لمن يأتي بعده من حكام المسلمين، فيذكر ابن تغري بردى في كتابه النجوم الزاهرة أن السلطان بيبرس: " ... كان يحب أن يطلع على أحوال أُمرائه وأعيان دولته حتى لم يخف عليه من أحوالهم شيء..."، ويذكر المقريزي أن أُمراء دولته كانوا يخافونه مخافة شديدة، وتذكر المصادر التاريخية المعاصرة لفترة حكمه أن بيبرس امتاز في حكمه بالحزم واليقظة، فكان يشرف بنفسه على كل صغيرة وكبيرة في شئون دولته الواسعة، وذلك رغبة منه في أقرار العدالة وخوفه من أن تتعرض رعيته لظلم الحكام، فيذكر ابن تغري بردى : "... وكل ذلك من كثرة عدله وإنصافه للرعية والنظر في أمورهم وإنصاف الضعيف من المستضعف والذب عنهم من العدو المخذول...".

 

ويذكر ابن تغري بردي أيضًا أن بيبرس لتوخي العدل في حكمه ولإقرار العدالة كان يخرج متنكرًا بين حين وآخر للوقوف على أحوال رعيته وتفقد شئونهم، فإذا صادف خللاً أو تهاونًا عاقب المسئولين عن ذلك الخلل والتهاون في حزم وعنف.

 

ويُحكى أنه سنة 667هـ / 1268م خرج من بلاد الشام متوجهًا إلى مصر فجأة ليقف على أحوالها في غيابه فارتدى بعض الملابس البالية، ولبس خوخة مُقطعة، وتعمم بشاش دخاني قديم حتى لا يعرفه أحد، وأخذ يتنقل من مدينة إلى أخرى، فكان يسأل عن أخبار الولاة وسياستهم في إدارة شئون البلاد وفي الحكم، ولم يشعر أمراء السلطان في القاهرة إلا وبيبرس وسطهم، في الوقت الذي كانت كتب السلطان تفد إليهم باستمرار لتوهمهم أنه ما زال مقيمًا بدمشق.

 

ويَروي المقريزي أن بيبرس قام سنة 1264م بإحدى جولاته التفتيشية في إقليم الغربية، فصار يسير منفردًا متخفيًا ويسأل عن والي الغربية وعن سيرته ونوابه، فذُكِرت له عنه سيرة سيئة فقبض عليه وأدبه وأقام غيره.

 

ويذكر المؤرخون أنه بلغ من حيطة بيبرس وحرصه على التنكر والتخفي لمفاجأة نوابه أنه كان يمضي أحيانًا وقتًا طويلاً والناس بمصر والشام لا يعرفون شيئًا من خبر السلطان، هل هو في الشام أو الحجاز أو غيرهما.

 

خاتمة المطاف:

فليأخذ حكامنا اليوم ورؤساء الوزراء في مصرنا الحبيبة- بعد ثورتنا المجيدة 25 يناير ضد الفساد الإداري والمالي والسياسي- الخبرة في إدارة شئون البلاد من واختيار الوزراء والمحافظين ومراقبة أعمالهم من الخليفة عمر بن عبد العزيز والسلطان الظاهر بيبرس، وفي القضاء على أعمال البلطجة من تجربة الوالي مسبح باشا، وذلك حتى تستقيم البلاد، ويعم الرخاء، ويسود العدل بين الناس، وتصل الحقوق إلى مستحقيها.

 

------------------

المراجع:

- المقريزي (تقي الدين أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد) ت 845هـ / 1441م السلوك معرفة دول الملوك، تحقيق مصطفى زيادة، دار الكتب، القاهرة.

- ابن تغري بردي (جمال الدين أبي المحاسن يوسف) ت 874هـ / 1469م، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ج 7 ، تحقيق محمد رمزي، دار الكتب المصرية، القاهرة 1972م.

- علي باشا مبارك، الخطط التوفيقية الجديدة لمصر القاهرة ومدنها وبلادها القديمة والشهيرة، ج 2، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1986م.

- سعيد عبد الفتاح عاشور، الظاهر بيبرس، سلسلة تاريخ المصريين (207)، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة 2001م.

- علي محمد الصلابي، تاريخ الدولة الأموية، عوامل الازدهار وتداعيات الانهيار.

------------------

* باحث في التاريخ والحضارة الإسلامية.