بات حتمًا الآن أن يتعاون إسلاميو مصر، وأن يتحالفوا فيما بينهم؛ لمنع ضياع البلد وسقوطه مرة أخرى في يد من لا يعترفون بشرع الله حكمًا ودينًا.
إن مصر التي عانت لعقود فساد الأنظمة العلمانية، وقهرَ وتسلطَ مَن لا ضمير لهم آن لها أن تعرف معنى الحضارة وحقوق الإنسان، في ظلِّ حاكم وحكومة يخافون الله ويحيون شرعه، وينزلون الدين والضمير رقيبًا على أقوالهم وأفعالهم، بدلاً من النظم والقوانين الوضعية التي تأكد الجميع أنها تزيد الظلم، وترعى الفساد، ويتوالد في حمايتها آلاف المستبدين والطواغيت.
وبلدنا الآن في مفترق طرق، وأمام نجدين لا ثالث لهما: فإما الإصلاح والتغيير، وإما الاستمرار في منظومة القهر والعبث والتخلف والجهل.. أما الإصلاح والتغيير فإنه يؤدي إلى كل خير، ويحوِّل الهزائم إلى انتصارات، والتراجع إلى تقدم، والتفرق إلى وحدة، ويعصم البلاد والعباد من كل مكروه وسوء.. وقد عاصرنا دولاً ما كان لها شأن في ظلِّ الأنظمة المستبدة والحكومات الديكتاتورية الظالمة، فلما حُكمت بالعدل صار لها صوت مسموع ومكانة بين الأمم، وصارت تُحترم من الجيران ومن غير الجيران، وأصبح مواطنوها يفخرون بأنهم رعايا تلك الدولة التي ضربت المثل في الحضارة المادية والرقي الأخلاقي.
وأجزم أنه لن يكون هناك إصلاح وتغيير إلا في ظلِّ أنظمة إسلامية مخلصة، تقدم الولاء العام على الخاص، ومصلحة الوطن على مصالح الأشخاص، ذات مبادئ وغايات، تنظر بعين على الدنيا، وبالعين الأخرى على الآخرة، وهذه الأنظمة موجودة في مصر، وبكثرة ولله الحمد، لكنها الآن تعمل متفرقة، ولو تعاونت واتحدت على النهوض بالدعوة، واجتمعت وتعاهدت على نصرة شرع الله، لضمنت- بإذن الله- أصوات الغالبية العظمى لشعبنا المسلم، الطيب المتدين، الذي لا يرضى سوى الإسلام دينًا وحكمًا.
وإنني أؤكد أن ذلك التعاون صار فريضة شرعية وضرورة سياسية، إذا أخذنا في الاعتبار ما يلي:
- لا شك أن مصر قد اجتمع عليها الآن أهل الضلال، من الأعداء الخارجيين، وأصحاب المصالح الإقليميين، والمنافقين الداخليين، كلٌ يريد الاستيلاء عليها أو اقتطاع جزء منها، أو حتى سلبها دينها وثقافتها- وهذا يحتم على أهل الدين تخليصها مما هي فيه، ولو أتى ذلك على كل أموالهم، خصوصًا أن مصر هي قلب الإسلام، ونبض العروبة، وقاطرة الإصلاح الديني في العالم الإسلامي أجمع.
وفي الحقيقة إن وقوع مصر مرة أخرى في شراك الأنظمة الغربية المستوردة، سوف يكون خسارة كبيرة على الدعوة، إذ في ظل تلك الأنظمة- كما رأينا- حُوربت الدعوة، وجُففت منابع الدين، وحُبس الدعاة وصُودرت أموالهم، ومُنعوا من ممارسة حقهم في السعي للإصلاح وخدمة المجتمع، بل قام إعلام تلك الأنظمة بتشويه صورتهم حتى صاروا نماذج للسخرية والمسخ.. وإذا تعاونت الجماعات والحركات الإسلامية منعت هذا الجهل والضلال، وهيأت الوطن للريادة، والمواطنين للرقي، ومورست الدعوة بشكلها المعتاد، وأخذت السنة حظها المفترض بين الناس.
إذا كانت ثمة اختلافات- وليست خلافات- بين الجماعات والحركات الإسلامية، فليس هناك مجال للحديث عنها، خصوصًا أنها فرعية وهامشية، وشكلية لا تمس أصول الدين أو عقائده وأركانه.. بل إن ما جرى من تعاون بين تلك الجماعات في الفترة الماضية- بعد الثورة- أكد أن تلك الخلافات كانت وهمية، صنعها النظام البائد والذي سبقه كي يبقى التيار الإسلامي متنازعًا فيما بينه، لا قوة له ولا تنظيم، ولا حزب يمثله أو زعامة تحركه.. ومن المؤكد أن التعاون سوف يثمر- فيما بعد- تقاربًا ومحبة بين تلك الفصائل، وسوف ينتج منه توسع في أعمال الدعوة، ولم شمل المتفرق، وظهور كيانات إسلامية دعوية كبيرة، لها تأثيراتها الكبيرة كذلك.
في مصر الآن يجتمع (الشامي على المغربي)، ويأتلف الأضداد، ويتعاون الخصوم؛ لغرض واحد: منع وصول الإسلاميين إلى السلطة، وإبقاء مصر على علمانيتها وتخلفها.. فلِمَ لا يجتمع المسلمون الموحدون مثلما يتحد هؤلاء.. إن الموقف يحتم أن يتخندق الإسلاميون لمواجهة هؤلاء الأحزاب، مطمئنين إلى أنهم أصحاب الحق، وأهل العدل والحرية، واثقين- ما بقوا مجتمعين متعاونين- أن تلك التحالفات الغريبة عن ديننا وقيمنا لا تضرهم شيئًا، وأن تلك الائتلافات لا تخيفهم، ولا تمنعهم من نصرة دينهم والدفاع عن شرعهم: (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22)) (الأحزاب).
إنني أكتب هذه السطور وعيني إلى السماء داعيًا الله، أن يوفق إخواننا من شتى التيارات والجماعات الإسلامية إلى ما يحبه ويرضاه، وأن يجمع شملهم، ويجبر كسرهم، ويعصمهم من الزلل.. آمين.