اقتربتُ فترة ليست بقليلة من المستشار أحمد مكي، نائب رئيس محكمة النقض وعضو المجلس الأعلى للقضاء السابق وأحد قيادات استقلال القضاء في مصر والوطن العربي، ولمست منه شموخًا وتواضعًا في آن واحد وعزةً وكرامةً وتحديًا وإصرارًا وروحًا شابةً تحلق في جسد شيخ جليل.

 

وعندما أحيل للتقاعد قبل شهور لم ينقطع عن حلمه الأوحد وحلم الأمة كلها، وهو استكمال استقلال القضاء، فكان اختياره من القاضي الجليل المستشار حسام الغرياني، شيخ شيوخ القضاة ورئيس المجلس الأعلى للقضاء؛ لرئاسة لجنة مشروع تعديلات قانون السلطة القضائية موفقًا ومناسبًا وملائمًا لقامة وقيمة وتاريخ الرجل وتطلعات الأمة.

 

وفي المقابل جاء رد الفعل من المعسكر الموالي للنظام المخلوع عنيفًا وغريبًا على تقاليد القضاء، وشهد انقلابًا على نفسه، لا لشيء إلا أن المستشار مكي رئيس اللجنة، وهنا ليس المقصود الخوف من الشخص وإنما الخوف من فكره وعقيدته القضائية التي طالمت أتعبت النظام المخلوع وفضحته.

 

فالمستشار أحمد الزند، رئيس نادي القضاة الذي وصل إلى النادي بدعم من النظام المخلوع، والذي خيَّم الصمت عليه طوال فترته أثناء حكم المخلوع، هاجم زملاءه من قضاة الاستقلال وهددهم بمقاضاتهم، ودعا إلى جمعيات عمومية طارئة لوقف مشروع "مكي"، رغم أنه أول من دعا إلى وقف الجمعيات العمومية، وأكد أن القضاء ليس محتلاًّ كي يستقل!!.

 

ولكن السر يقع في كلمته التي ردَّ بها عليَّ- في أول مؤتمر بعد الثورة- عندما قال: "إن الزمان تغير"، وسكت، فكتبت في (إخوان أون لاين) أنه انقلب على نفسه، فغضب وكلَّف من يتصل بي لإبلاغي غضبه بعد أن ظن- ظن الإثم- أني قد أحتفي بتلونه بعد الثورة.

 

وقد كانت الجمعية العمومية الأخيرة للنادي التي دعا إليها الزند خير دليل على عدم وجود تأييد قضائي له، فضلاً عن الهتافات الغاضبة ضده التي رددها الناشطون خارج النادي، والتي جاءت لتعلن تأييد الشعب الحر للجنة المستشار مكي وترفض "لجنة الضرار" التي أنشأها الزند لعرقلة مساعي الاستقلال التي لم يسعَ إليها منذ تولَّى المسئولية في النادي خلفًا للقاضي الجليل المستشار زكريا عبد العزيز.

 

إن لجنة المستشار مكي بحاجة إلى تصعيد الدعم الشعبي والحقوقي والسياسي، خاصةً مع إعلانه عرض تعديلاته على الأمة، في جلسات استماع؛ لأنها الوحيدة التي امتلكت شرعية التكليف من مجلس القضاء وشرعية الشعب الذي يثق في قياداتها.

 

إن على المستشار الزند أن يتوقف عن مواجهة آمال الأمة، وأن يدعم لجنة المستشار مكي، وأن يكف عن الوقوف في موقف لا يليق بمكانة رئيس نادي قضاة مصر أمام الشعب الذي التفَّ حول النادي في عهد المخلوع دون تردد، وضحَّى بحرياته كي ينتزع القضاة الأجلاء بعض حقوقهم في 2006م.

 

أما المستشار أحمد مكي فإننا نقول له: سر على بركة الله، ولا تتردد، وخط أنت وزملاؤك الأوفياء سطور مجد القضاء في عهد جديد أطاح بمن رفض توصيات مؤتمر العدالة الأول في عام 1986 وأدخله سجن الذل والعار، وسجل بيمينك ما صدعت به مدويًا في حكم المخلوع ليستكمل القضاء استقلاله وتعزز الأمة حرياتها بقضاة لا يخشون في الله لومة لائم وقانون متكامل يعزز حقوق القضاة.