بعد أن كلمته على "الفيس بوك" في الصباح الباكر من يومنا هذا: الأحد11 سبتمبر 2011م الموافق13 شوال 1423هـ، جاءني وقت الظهر في اليوم نفسه خبره المفاجئ والمفجع عن طريق أحد الأصدقاء، وكتب آخرون على صفحاتهم: "توفي اليوم أخونا أحمد مصطفى عبد المجيب في الطائف"، لم أصدق الخبر في البداية، وقلت لعله شخص آخر لأصرف الخبر عن نفسي، ولكن بالسؤال توثق الخبر، وتأكد لي أن المتوفى هو أخي الحبيب طبيب الأسنان أحمد مصطفى عبد المجيب، الذي عاش غريبًا، ومات غريبًا، فطوبى للغرباء!!
تعرفت على أحمد حين كان طالبًا يافعًا في الفرقة الأولى من طب الأسنان بالقاهرة، وكان شغوفًا بدعوة الإخوان المسلمين متحمسًا لها، وظل كذلك حتى تخرج في طبِّ الأسنان، وعمل في الإشراف على العمل الطلابي، وكانت له بعض الملاحظات على الحركة، وما يجري فيها، شأنه شأن أي إنسان حريص على فكرته، منتميًا إلى دعوته.
قد يرى البعض أن الداعية "الناقد" يتجنى على فكرته، أو متحامل على دعوته، والحق أن الذين يسيرون بلا رأي ولا فكر ولا ملاحظة بناءة تسهم في التجديد والبناء المنشود والتطوير المعهود هم "العالة" على الفكرة، و"الجناة على الدعوة"!!
وظل أحمد كذلك حتى سافر إلى العمل في المملكة العربية السعودية؛ حيث عمل طبيبَ أسنانٍ في "حفر الباطن"، ثم "الطائف"، وكحال أي مغترب- وما أكثر مشكلات الغربة، ولا ينبئك مثلُ خبير!!- أخذ خبرًا من هنا، وتعليقًا من هناك، ورأيًّا من هذه الصحيفة، وتحليلاً من هنالك، حتى تكوَّنت لديه قناعات معينة مع الزمن جعلتْه أكثر حدةً؛ انتصارًا للحق، وبحثًا عن الحقيقة حسب اجتهاده، وصادف ذلك تعاملاً غير كريم من بعض ممن كانوا حوله عزز لديه ما كان قد رآه حقًّا من وجهة نظره.
وعندي أن الإنسان الذي يبحث عن الحق، ويتحراه من مصادره الموثوقة- نعم من مصادره الموثوقة- أشرف وأكرم من الذي لا عقل له، ولا تفكير بما منح الله الإنسان أداة العقل، ومناط التكليف؛ فكل إنسان محاسب على بحثه عن الحق، وتحريه للحقيقة والصواب: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38)) (المدثر).
لقد كان أحمد شابًّا متوقدًا متحمسًا نافعًا لمن حوله، زاهدًا في الدنيا، كثير القراءة في كتب الرقائق والزهد، وبخاصة لأئمة هذا الفن الأوائل، كما كان حريصًا على فكرته بنصاعتها وحيويتها وصفائها كما يرى هو، وحسبه أنه انتقل إلى رحمة الله- إن شاء الله- وهو متحرٍّ للحق، ثابتٌ عليه كما أداه إليه اجتهادُه!.
اعتُقل أحمد أكثر من مرة فزاده ذلك صلابةً في يقين، وإيمانًا في حسن خلق، وتقديسًا للمبادئ لا الأشخاص، فالأشخاص راحلون، ولن يبقى إلا الأفكار، ولن يمكث في الأرض منها إلا ما ينفع الناس.
** كلمتي له- يرحمه الله -: أسأل الله أن يرحمك يا أخي أحمد، ويبرد مضجعك، ويؤنس وحدتك، ويرحم غربتك، ويؤنس وحشتك، ويلهمك حجتك، ويفتح لك طاقة إلى الجنة، ويُقبل عليك بفضله ولطفه وعفوه ورحمته!
** وكلمتي إلى إخوانه وأصدقائه: أن يكثروا من الدعاء له بالرحمة، وأن يتجاوز الله عنه، وينزله منازل الأبرار، وقد روى الإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربه عز وجل قال: "ما من عبد مسلم يموت يشهد له ثلاثة أبيات من جيرانه الأدنين بخير إلا قال الله عز وجل: قد قبلت شهادة عبادي على ما علموا وغفرت له ما أعلم".
وأنا أشهد له بالخير والفضل والنفع لمن حوله، والبحث والتحري عن الحق، والزهد والإنسانية، وتكفيه الشهادات التي قرأتها له من أصدقائه على (الفيس بوك)، نحسبه كذلك والله حسيبه، وما شهدنا إلا بما علمنا، وما كنا للغيب حافظين.
** وكلمتي إلى أهله، وبخاصة زوجه المكلومة- وحُقَّ لها-: لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبروا ولتحتسبوا، ولتستبشروا خيرًا، فقد اختاره الله بعد رمضان، وعسى أن يكون غسله من ذنوبه، ورفع درجاته، وغفر له ما تقدم من ذنبه.
ألا يكفيكم ما رواه ابن حبان في صحيحه بسنده عن عبيد بن عمير قال: قالت أم سلمة: لما مات أبو سلمة قلت: غريب في أرض غربة لأبكين بكاء يتحدث عنه، وكنت قد هيأت البكاء عليه؛ إذ أقبلت امرأة من المسعدات تريد أن تسعدني، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "تريدين أن تدخلي الشيطان بيتًا أخرجه الله منه؟ قالت: فكففت عن البكاء ولم أبك".
فهنيئًا لكم بهذه البشرى من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعزاؤنا أن الله سيقيض له من يدعو له بالرحمة والعفو، وأنه قد أبقى له ذريةً وأهلاً كرامًا، أسأل الله أن ينشئهم على عينه، وأن يجمعنا به في مستقر رحمته ودار كرامته.
إن العين لتدمع- فقد بكيْتُه دون استجداء لدموعي- وإن القلب ليحزن، وإنا لفراقك يا أحمد لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: إنا لله وإنا إليه راجعون.
-----------