رتبت الأقدار لزيارة رجب طيب أردوغان وكبار أركان حكمه لمصر (الإثنين 12 سبتمبر) عقب (ثورة مصر) التي خلصتها من ديكتاتور كان يرهن البلاد ومستقبلها لأمريكا وإسرائيل، وعقب تفسخ العلاقات التركية الإسرائيلية الإستراتيجية وتفكيك هذا التحالف الشاذ السابق الذي فرضه علمانيو تركيا، بين تركيا كدولة إسلامية قوية متصلة طبيعيًّا وحضاريًَّا بعالمها العربي، وتل أبيب تلك الدولة الصهيونية التي قامت على عظام وأشلاء ودماء شعوب عربية أمتصت دماءها!.
ورسم القدر الصورة ومهد الطريق نحو تبدل التحالفات في المنطقة، تمهيدًا لقيام تحالف مصري تركيا قوي يكمل نقصًا خطيرًا في منظومة الأمن القومي المصري والعربي في المنطقة التي يطلق عليها الغرب (الشرق الأوسط)، والتي بقي أن تكتمل بتحالف آخر يضم دول الخليج وإيران يفرض سيطرته التاريخية الطبيعية على المنطقة الإسلامية الوسطي ويعيد أمجاد الإسلام وفق أسس حضارية اقتصادية عسكرية متينة، بعدما ذهبت شوائب التخلف والجهل وفشل التآمر الذي دام سنين طويلة في إبعاد هذه الدول عن بعضها.
فلم يعد يبقى على تدشين هذا التحالف الاقتصادي السياسي العسكري بين مصر وتركيا سوى نفض مصر غبار وأتربة ما علق بها من شوائب عقب ثورة 25 يناير، واللحاق باليد التركية الممدودة لتدشين تحالف مصري تركي سيغير وجه المنطقة العربية وكل منطقة الشرق الأوسط ويعيد للدور العربي – الإسلامي سيطرته بعدما وصلت الأحوال في السنوات الماضية لحد تحكم الدولة الصهيونية في هذا الشرق الأوسط وتشكيله وفق أهدافها وضرب كل مناطق النفوذ المعادية لها فيه.
ولم يعد هذا التحالف السياسي والإستراتيجي بين أنقرة والقاهرة ينتظر سوى سرعة استجابة مصر له، والتصدي للمؤامرات الأمريكية والإسرائيلية التي تجري وستزيد في الفترة المقبلة لعرقلة هذا التحالف التاريخي ووضع العقبات أمامه.
الجمهورية التركية الثانية أقرب لمصر
فقد حزمت تركيا أمرها وسيطر حزب العدالة والتنمية على الحياة السياسية، وأصبح له أغلبية في البرلمان، ونجح في ترويض القوى العلمانية الشرسة التي ترهن مصير تركيا بالغرب وإسرائيل، وجاءت السيطرة الأخيرة على مجلس الأمن القومي العسكري وتعيين أردوغان لقادة عسكريين جدد بدل الذين قدموا استقالتهم بهدف الانقلاب عليه، ليحسم قيادة أردوغان و(الإسلام الحضاري العلمي) لتركيا مستقبلاً بعد سلسلة إصلاحات ينتظر أن تكتمل بوضع دستور جديد للبلاد سيدشين الجمهورية التركية الثانية القريبة من عالميها العربي والإسلامي، بعدما أبعدتها جمهورية أتاتورك العلمانية الأولى عن محيطها الطبيعي وسعت لإلحاقها بالغرب عنوة رغم رفض الأوروبيين المتكرر والمتعجرف لضم تركيا لما أسموه (الاتحاد المسيحي) المسمي بالاتحاد الأوروبي!.
كما حزمت تركيا أمرها قبل فترة بأن مستقبل ازدهارها وانتعاش اقتصادها وتعاظم دورها السياسي "الشرق أوسطي"، متصل بتوثيق عرى التعاون الاقتصادي مع كل دول العالم الإسلامي الـ57 والدول العربية الـ22، ولهذا فتحت كل آفاق التعاون الاقتصادي مع هذه الدول وأصرت على إلغاء التأشيرات بينها، وبقي توثيق التحالف مع القوة الكبرى في المنطقة وهي مصر، وهو سبب استقبال مصر رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في ظل ظروف بالغة الحساسية تعيشها منطقة الشرق الأوسط بشكل عام بسبب التنافس التركي- الإيراني- الإسرائيلي علي السيطرة علي المنطقة، وحساسية الأوضاع التي تعيشها خصصا مصر وتركيا أكبر دولتين في المنطقة.
ولا ننسَ هنا أن أول زيارة للرئيس التركي عبد الله جول كانت لمصر، وكان أول رئيس يزورها بعد ثورة يناير، كما أن أول زيارة لرئيس الوزراء رجب طيب أردوغان بعد الانتخابات العامة التى شهدتها تركيا مباشرة كانت مصر، وكسر بذلك بروتوكولاً كان متبعًا من قبل بزيارة قبرص التركية أولاً وأذربيجان!.
ولوحظ أن أوردغان يرافقه وفد كبير، يضم ستة وزراء ولفيفًا من كبار المسئولين إلى جانب نحو 200 من رجال الأعمال، بهدف رفع حجم التجارة بين مصر وتركيا الذي يبلغ 3.1 مليار دولار أمريكي حاليًا.
تحالفات شعبية لا فوقية
ولأن التحالف التركي- المصري يجب ألا يأتي بقرارات فوقية كما هي عادة التحالفات العربية القديمة الفاشلة، وإنما بقرارات جماهيرية، فقد حرصت الحكومة التركية بقيادة رجب طيب أردوغان على أن تستبق زيارته المقررة لمصر بدعوة مجموعة من الكتاب والصحفيين المصريين لزيارة تركيا والالتقاء بكبار مسئوليها، وفي مقدمتهم رئيس الجمهورية عبد الله جول لإحاطتهم بالتغييرات الجارية في تركيا سواء على المستوى الداخلي أو على مستوى دوائر سياستها الخارجية وبخاصة الدائرة الشرق أوسطية، كما استقبلت مجموعات من شباب الثورة المصريين، والتقى الرئيس التركي في مصر العديد من القوى السياسية المختلفة الإسلامية والليبرالية.
وقد حرص (أرشاد هرمز أوغلو) كبير مستشاري الرئيس التركي- خلال لقائه بالوفد المصري الذي استضافته تركيا– علي تأكيد أن تركيا لم تدر وجهها من الغرب إلى الشرق بل صححت فقط هذا المسار فهي لا تزال في عضويتها الفاعلة بالعديد من المنظمات كالناتو، ومنظمة التعاون الاقتصادي، ومنظمة الأمن والتعاون الاقتصادي، ومنظمة التعاون للبحر الأسود والبلقان، وتسعى للانضمام لعضوية الاتحاد الأوروبي، وفي الوقت نفسه أصبحت مراقبًا في الجامعة العربية، وعضوًا فاعلاً في المؤتمر الإسلامي ولديها تعاون إستراتيجي مع مجلس التعاون الخليجي.. ولخص كبير مستشاري عبد الله جول هذه الفلسفة بقوله إن تركيا أصبحت دولة "تطير بأجنحة متعددة" وليس لحساب منطقة على حساب الأخرى.
كما لخص كبير مستشاري عبد الله جول فى الوقت نفسه علاقة حكومة بلاده ذات الجذور الإسلامية بالمؤسسة العسكرية ذات النفوذ السياسي التاريخي في تركيا، بقوله: "إن الجيش والحكومة ليسا طرفين بل أمة واحدة.. ونحن نفخر بالجيش فهو جزء من الدولة، وليس دولة داخل الدولة".. هذان هما طرفا المعادلة الداخلي والخارجي اللذين خاض بهما أردوغان مشروعه لإقامة تركيا القوية العصرية في عصر العولمة والقطب الواحد والشرق الأوسط المتوتر.
وهذا المشروع لم يكتمل بعد وينتظر تدشينه بدستور جديد، بعدما نجح حزب العدالة والتنمية فى تمرير 38 تعديلاً في الدستور على مدى سنوات، خاض خلالها معارك سياسية طاحنة مع كل القوى وتغلب عليها، مستندًا في ذلك إلى إرادة شعبية وإلى دعم من القوى العظمى في إطار توازنات أجاد أردوغان اللعب على أوتارها.. كان من أهم عناصرها تبرير إصلاحاته بتلبية معايير وضعها الاتحاد الأوروبي لضم تركيا لعضويته.. ومن أهم هذه المعايير تطوير الاقتصاد التركي وتقليص نفوذ المؤسسة العسكرية في صنع القرار السياسي.
من هذا المنطق تأتي زيارة أردوغان للقاهرة باحثًا عن حليف شرق أوسطي في شرق أوسط ثائر بهدف البحث عن تحالف بين مصر وتركيا تحديدًا كأكبر دولتين في المنطقة بشكل خاص.
ومهندس هذه السياسة الخارجية- وهو وزير الخارجية أوغلو- لا يتحرك عشوائيًّا فهو درس دراسات عليا في مصر من قبل في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية معنا، ويعرف مصر جيدًا ويعرف إمكانياتها، ويقود هذا التحالف المصري التركي وفق رؤية ووعي ودراسة وحماسة.
فهو صاحب فكرة سياسة (صفر مشاكل) مع دول الجوار التركي، ولم يتورع عن تحسين العلاقات حتى مع الخصم التاريخي اليونان أو قبرص اليونانية؛ لأن الانطلاق الاقتصادي وتدشين بنية اقتصادية قوية يحتاج لإزالة كل الاحتقانات السياسية.. ومن هذا المنطق جاء القفز إلى الشرق الأوسط، بعدما ثبتت تركيا إقدامها في محيطها الإقليمي، وبعدما نفضت يدها المغلولة من بعض القيود الأمنية والاقتصادية والتجارية مع تل أبيب عقب أزمة تقرير (بالمر) الذي ظلم شهداء أسطول الحرية التركي لغزة لصالح العدوان الصهيوني العسكري على سفينتهم المدنية.
ولا شكَّ أن هذا التحالف المصري التركي المفترض أن يبدأ اقتصاديًّا سيفيد مصر بشدة في وقت هي في أشد الحاجة للتعلم من التجربة التركية في النهوض السريع، كما أنها ستفيد تركيا ومصر معًا وتبعدهما عن قيود السياسة الأمريكية، كما أنه سيفيد الدولتين في التصدي للدولة الصهيونية في المنطقة، بعدما تحولت إلى "ولد مدلل" في المنطقة بحسب تعبير الرئيس التركي أردوغان.
هناك تحدٍّ خطير يواجه مصر الثورة عقب زيارة أردوغان يتمثل في المضي قدمًا في هذا التحالف الوثيق اقتصاديًّا علي الأقل مع تركيا، وما لم تتحرك مصر بسرعة للأخذ بهذه الفرصة واغتنامها والابتعاد عن الضغوط الأمريكية والصهيونية التي تحاول لعب نفس دورها القديم الذي كانت تلعبه قبل الثورة، فسوف تخسر الثورة المصرية الكثير، وستتأخر الجمهورية المصرية الرابعة الحرة الديمقراطية القوية اقتصاديًّا صاحبة قرارها السياسي لسنوات طويلة.. وهنا دور القوى الشعبية قبل حكومة شرف أو المجلس العسكري.